:quality(75)/large_michael_t_17_ZT_Ykk_Sxms_unsplash_bbc77f05c9.jpg?size=146.03)
by Sana Bun
مساحات مجتمعية في الشرق الأوسط: أماكن للقاء والتأمل وبناء الروابط
Photo: Michael T
على مدى أجيال، تشكّلت روح المجتمع في الشرق الأوسط حول الأماكن بقدر ما تشكّلت حول الناس. فالمجلس، ومقهى الحي، والسوق، وبيت العائلة، لطالما وفّرت فضاءات للحوار والضيافة والتقاليد المشتركة. واليوم، ما زالت هذه الأماكن تحتفظ بأهميتها، لكنها لم تعد وحدها المساحات التي تُنسج فيها الروابط. ففي أنحاء المنطقة، تتخذ المساحات المجتمعية في الشرق الأوسط أشكالاً جديدة، من المكتبات والمناطق الإبداعية إلى الحرم الثقافي والمشاريع متعددة الاستخدامات. وفي الوقت نفسه، أصبحت المساحات المجتمعية في الشرق الأوسط لا تقل أهمية عن الوجهات المصممة للتسوق أو الترفيه.
ويكشف هذا التحوّل جانباً لافتاً من تطوّر المدن. فبدلاً من إنشاء أماكن يعبرها الناس فحسب، بات المخططون والمؤسسات الثقافية يبتكرون على نحو متزايد مساحات يختار الناس البقاء فيها.
ثقافة المجتمع في الشرق الأوسط قامت دائماً على قيمة اللقاء
لم تبدأ فكرة ثقافة المجتمع في الشرق الأوسط مع العمارة المعاصرة أو المخططات الحضرية الكبرى.
في مختلف أنحاء المنطقة، لطالما شجّعت تقاليد المجالس، ومقاهي الأحياء، والمماشي البحرية، والأسواق، والحدائق العامة على الحوار والتفاعل الاجتماعي. ولا تزال الخيام الرمضانية تجمع العائلات والأصدقاء والجيران كل عام، فيما تبقى نزهات المساء على الكورنيش طقساً مألوفاً في كثير من مدن الخليج.
ما يتغيّر اليوم هو تعريف مكان اللقاء نفسه.
فالمكتبات باتت تستضيف الحوارات والمعارض إلى جانب القراءة. وتنظّم المناطق الفنية ورش عمل وعروض أفلام. أما المشاريع متعددة الاستخدامات، فتضم مساحات عامة مظللة صُممت للبقاء والتأمل، لا للمرور العابر فقط. هذه الإضافات لا تستبدل التقاليد الراسخة، بل تكملها.
:quality(75)/large_pexels_christianbuergi_11868576_c2a9ac0a4d.jpg?size=90.21)
الصورة: Christian Buergi
لماذا تهمّ المساحات المجتمعية في المدن؟
بات الحديث عن أهمية المساحات المجتمعية في المدن أكثر حضوراً مع تزايد أعداد السكان في المناطق الحضرية وازدياد تنوّع الأحياء.
فالناس يحتاجون أيضاً إلى أماكن يمكنهم فيها تمضية الوقت بلا غاية محددة، سواء كان ذلك للقراءة، أو حضور ورشة عمل، أو لقاء الأصدقاء، أو أخذ استراحة من إيقاع الحياة اليومية.
لهذا أصبحت المساحات المجتمعية الحضرية جزءاً مهماً من تخطيط المدن. فقيمتها لا تكمن في المباني بحدّ ذاتها فحسب، بل أيضاً في الأنشطة التي تحتضنها. وأفضل نماذجها هي تلك التي تشجّع الناس على العودة إليها بانتظام، لا الاكتفاء بزيارتها مرة واحدة.
تنجح المساحات المجتمعية لأنها تندمج بسلاسة في الروتين اليومي. فقد تقود محاضرة إلى ورشة عمل، ويتحوّل سوق أسبوعي إلى محطة ثابتة، أو تصبح عضوية المكتبة عادة أسبوعية. ومع مرور الوقت، يخلق هذا الألفة إحساساً بالانتماء أقوى بكثير مما يمكن أن يتركه حدث واحد.
:quality(75)/large_michael_t_s_H_YH_3n_T0_Oc_unsplash_05f956def8.jpg?size=63.41)
الصورة: Michael T
المناخ يرسم ملامح المجتمع أيضاً
في كثير من أنحاء العالم، تتحوّل الساحات العامة بطبيعتها إلى أماكن للتلاقي خلال معظم أشهر السنة. أما في الخليج، فالمشهد مختلف.
على مدى عدة أشهر من كل صيف، تجعل درجات الحرارة الشديدة قضاء فترات طويلة في الهواء الطلق أمراً غير مريح، فتنتقل مساحات أكبر من النشاط الاجتماعي إلى بيئات مكيّفة. لذلك تؤدي المكتبات والمتاحف والمراكز الثقافية والمجمّعات الإبداعية الداخلية دوراً بالغ الأهمية في الحياة العامة بالمنطقة.
كما يقصد كثيرون هذه الأماكن بمفردهم، فيتعاملون مع المكتبات والمتاحف والمقاهي الهادئة كمساحات للقراءة أو التفكير أو قضاء ساعة بعيداً عن فيض التنبيهات والمحفزات المستمر.
ولهذا صُمّمت كثير من مساحات التجمّع العامة في دولة الإمارات لتجمع بين التعلّم والحوار والترفيه تحت سقف واحد. فهي تتيح فرصاً للتواصل، مع الحفاظ على عمليتها طوال الأشهر الأشد حرارة.
:quality(75)/large_Mohammed_Bin_Rashid_Library_df1ff7af12.jpg?size=82.97)
الصورة: Jpbowen
مساحات اجتماعية يعود إليها سكان دبي مراراً
بعض أقوى المساحات الاجتماعية في دبي لا تقوم على الاستهلاك، بل على المشاركة.
تتجاوز مكتبة محمد بن راشد مفهوم المكتبة التقليدية بكثير؛ فهي تجمع بين قاعات القراءة والمعارض والفعاليات الثقافية ومساحات العمل والبرامج التعليمية. وكثيراً ما يمضي الزوار فيها ساعات من دون استعارة كتاب واحد.
تحوّل السركال أفنيو إلى واحد من أبرز الأحياء الإبداعية في المنطقة، إذ يجمع صالات عرض ومساحات أداء ومقاهي ومشاريع مستقلة وبرامج عامة تشجّع الناس على الاستكشاف والتعلّم والعودة من جديد.
كما رسّخت إكسبو سيتي دبي مكانتها كوجهة عامة نابضة بالحياة عبر المهرجانات والفعاليات المعنية بالاستدامة والأنشطة العائلية والحوارات المفتوحة، فيما يشجّع برنامجها العام وتصميمها الملائم للمشاة الزوار على قضاء وقت أطول في الموقع يتجاوز حضور فعالية بعينها.
حتى الأماكن التي لم تُصمَّم أساساً كمؤسسات ثقافية يمكن أن تتحوّل إلى نقاط ارتكاز مجتمعية. فـ«كايت بيتش»، على سبيل المثال، تطوّر ليصبح واحداً من أنشط ملتقيات المدينة بفضل نوادي الجري ومباريات الكرة الطائرة وجلسات اللياقة في الهواء الطلق واللقاءات الاجتماعية غير الرسمية.
تُظهر هذه الأمثلة أن أماكن التواصل مع الآخرين في دبي باتت تدور أكثر حول الاهتمامات المشتركة، لا حول التشبيك الرسمي.
:quality(75)/large_yasara_hansani_j_Cl_Mz_Nr_Gf_c_unsplash_612e7980c6.jpg?size=90.22)
الصورة: ياسارا هانساني
مساحات تجمع عامة يستخدمها سكان الإمارات فعلاً
غالباً ما تجمع أنجح مساحات التجمع العامة في الإمارات بين أكثر من وظيفة في الوقت نفسه.
تستضيف المكتبات معارض فنية، فيما تحتضن الحدائق حصص يوغا وأسواق طعام وفعاليات عائلية. وتجمع الوجهات الثقافية بين المقاهي وورش العمل والحوارات. وتنجح كثير من أقوى المساحات العامة تحديداً لأنها تتيح للناس استخدامها بطرق مختلفة على مدار اليوم.
توضح هذه الأمثلة كيف باتت مساحات التجمع الحديثة في الشرق الأوسط تولي مرونة الاستخدام والحضور اليومي أولوية متزايدة.
:quality(75)/large_dohyuk_you_Au_W5_O2_Cx4_Y_unsplash_1f2fea6a7d.jpg?size=133.27)
الصورة: Dohyuk You
أفضل المساحات المجتمعية في دبي والرياض وما بعدهما
يعتمد اختيار أفضل المساحات المجتمعية في دبي والرياض على ما يبحث عنه كل شخص، لكن ثمة أماكن تبرز بقدرتها على تشجيع المشاركة والانخراط.
في دبي، تجمع مكتبة محمد بن راشد والسركال أفنيو ومدينة إكسبو دبي بين البرامج الثقافية والمساحات العامة المتاحة للجميع. كما يواصل كايت بيتش على مدار العام استقطاب مجتمعات اللياقة البدنية والعائلات والمجموعات الاجتماعية.
في الرياض، بات حي جاكس واحداً من أبرز الأحياء الإبداعية في السعودية، إذ يستضيف معارض وعروضاً ومبادرات تصميمية تدعو الجمهور إلى التفاعل والمشاركة. ويدعم معهد مسك للفنون الفنانين عبر ورش العمل والبرامج التعليمية والفعاليات المجتمعية، فيما يجري تطوير حديقة الملك سلمان لتكون من أكبر الحدائق الحضرية في العالم، بمساحات عامة وترفيهية واسعة.
وخارج دبي والرياض، يقدّم حي جميل في جدة نموذجاً بارزاً آخر لكيفية جمع المراكز الثقافية والمجتمعية في الشرق الأوسط بين الفن المعاصر والتعليم والعروض والبرامج العامة والمساحات المفتوحة ضمن وجهة واحدة.
:quality(75)/large_a_c_BMJSI_45_Hk_Rs_unsplash_be1dfe1a19.jpg?size=85.21)
الصورة: A. C.
مستقبل التواصل في مدن الخليج
مع استمرار توسّع دبي والرياض وغيرها من المراكز الحضرية في المنطقة، يُتوقع أن يتزايد معها الطلب على مساحات عامة ذات معنى.
ستبقى المطاعم ووجهات التسوّق جزءاً أساسياً من المشهد، لكن كثيراً من السكان يبحثون أيضاً عن أماكن يمكنهم فيها القراءة، أو حضور محاضرة، أو المشاركة في ورشة عمل، أو قضاء فترة بعد الظهر من دون شعور بالضغط للاستهلاك.
من هنا تواصل المساحات المجتمعية في الشرق الأوسط تطوّرها، وتبرز قدرتها الأعمق على التأثير. فهي تشجّع الفضول، وتعزّز هوية الأحياء، وتجعل البيئات الحضرية سريعة النمو أكثر قرباً وإنسانية.
ولعل نجاح هذه الأماكن لا يُقاس بعدد الزوار بقدر ما يُقاس بتكرار العودة إليها. يعود الناس لمعرض آخر، أو ورشة جديدة، أو صباح آخر بصحبة كتاب وقهوة. ومع الوقت، تصنع هذه العادات ألفة، وتخلق الألفة مجتمعاً. وفي مدن تواصل تغيّرها بوتيرة لافتة، قد يكون ذلك أحد أثمن أشكال البنية التحتية.
:quality(75)/medium_andrej_lisakov_Wg_Uf_Qdx_X2f_Y_unsplash_2ba01a32a6.jpg?size=47.26)
:quality(75)/medium_ahmet_kurt_UMSR_3stb_Obs_unsplash_2f5dc414cc.jpg?size=45.32)
:quality(75)/medium_Frame_1511851272_1c17847f24.png?size=752.75)
:quality(75)/medium_misael_silvera_Ytq_Eis_L7q_UA_unsplash_59b73954e0.jpg?size=69.94)
:quality(75)/medium_steventsang_cv_T7vh3_K_Dk_unsplash_aff3d86a9f.jpg?size=34.03)
:quality(75)/medium_pexels_thelazyartist_1550897_50054c71d9.jpg?size=55.77)