:quality(75)/large_Frame_1511851341_cea5cc53b9.jpg?size=78.49)
by Barbara Yakimchuk
تعرّفوا إلى لوخير، الفنان الجزائري الذي يرسم عالماً تدخلونه عبر الأحلام
في مكانٍ ما، لا يكون الأفق وهماً؛ بل موطناً لكائنات غريبة تعيش فوقه تماماً. في مكانٍ ما، الجميع ورديو اللون، ويمكن لأفكارهم أن تتحوّل إلى فقاعات برتقالية هائلة. في مكانٍ ما، يوجد كون آخر بأكمله — ومن يقف وراءه فنان شاب يعيش في الجزائر.
إذاً، من يبني عالماً كهذا؟ سيداتي وسادتي، تعرّفوا إلى عبد الرحمن صلاح — أو كما قد تعرفونه أكثر على الإنترنت، Lokher.
اللافت أن الطريق إلى هنا لم يكن بديهياً على الإطلاق. بدأ برسم الجدران قبل أن يصل إلى صالات العرض، واختار الفنون الجميلة شبه مصادفة، أما ما جعل دراسته الفنية أصعب بكثير في البداية — إصابته بعمى الألوان — فسيصبح لاحقاً إحدى القوى التي شكّلت لغته البصرية.
فكيف ينتقل المرء من هناك إلى بناء كون كامل بات الناس يتعرّفون إليه على أنه عالمه الخاص؟ من هنا يبدأ حوارنا مع Lokher.
:quality(75)/large_IKVL_8454_1_c7616bb703.jpg?size=76.1)
— اسمك الحقيقي عبد الرحمن صلاح، فمن أين جاء اسم «لوخر»؟
— بدأ الأمر في الحقيقة كمزحة. بعد البكالوريا، كنت أريد الالتحاق بمدرسة للفنون، وبينما كنت أستعد لاختبار القبول، كنت أمضي وقتًا طويلًا مع أصدقاء يعملون في الغرافيتي. قرر أحدهم أن استعداداتي لمدرسة الفنون ينقصها أمر مهم جدًا: لم يكن لديّ بعد اسم فني. لكن المشكلة الوحيدة أنني لم أستطع ابتكار اسم.
لنضع الأمر في سياقه قبل أن نصل إلى الجزء الطريف. في لهجتنا الجزائرية، لوخر هي الكلمة التي تلجأ إليها حين تهرب منك الكلمة الحقيقية مؤقتًا. تعرف تلك اللحظة حين تكون في منتصف جملة، فتنسى اسم شيء ما وتضع كلمة بديلة ريثما تتذكر؟ هذه هي «لوخر».
ثم سألني صديقي ذات يوم إن كنت قد استقررت أخيرًا على اسم. لم أكن قد فعلت. قلت له: «لا أدري، ربما… لوخر»، مستخدمًا الكلمة تقريبًا كبديل مؤقت بينما أحاول التفكير في اسم أفضل. أوقفني عندها وقال: «مهلًا — لوخر؟ هذا اسم جيد فعلًا». وهكذا، تحولت الكلمة المؤقتة إلى اسم.
ضحكنا على الأمر، لكن المزحة بقيت — وكذلك الفكرة التي وراءها. لوخر يمكن أن يكون أي شخص؛ فالاسم كان أقل أهمية من العمل نفسه.
وضعت اسم لوخر على إنستغرام في اليوم نفسه — أمام جمهور ربما لا يتجاوز 200 شخص — وبطريقة ما لم يفارقني منذ ذلك الحين. أخذته معي إلى مدرسة الفنون، ثم إلى ممارستي المهنية، وحين صار تغييره خيارًا متاحًا، لم أعد أرغب في ذلك.
جزء من الأمر أنني أحببت وقع الاسم ببساطة. لكنني أحببت أيضًا الحرية التي يحملها: لوخر لا يشير بقوة إلى شخص بعينه؛ يمكن أن يكون أي أحد، أو لا أحد تحديدًا. وأظن أن هذا ينسجم مع الطريقة التي أريد أن يلتقي بها الناس أعمالي: اللوحة تأتي أولًا، ومن صنعها يمكن أن ينتظر.
— قبل اللوحة، كانت الجدران. كيف أصبح فن الشارع بوابتك الأولى إلى ممارسة الفن؟
— كان كثير من أصدقائي فناني غرافيتي، لذلك كان فن الشارع ببساطة هو العالم الذي وجدت نفسي محاطًا به. وحين تكون شابًا، يبدو الأمر مباشرًا على نحو مدهش: لا تحتاج إلى مرسم ولا إلى مال كثير. تحضر بعض الطلاء، تأخذ فكرة من دفتر اسكتشاتك، ثم تبحث عن جدار.
ما شدّني كان تلك الفورية. تنهي جدارية، ثم يأتي الجزء الذي يثير شيئًا من التوتر — أن تنتظر كي يلاحظها الناس. هل ستعجبهم؟ هل سيفهمونها؟ هل سيتوقفون أمامها أصلًا؟ فجأة، يصبح شيء كان حبيس دفتر اسكتشاتك الخاص هناك في الخارج، يعيش حياة مستقلة.
لكن رغم كل الجدران التي رسمتها — وكل دفاتر الاسكتشات التي كنت أملؤها في ما بينها — ظللت أرى الأمر شيئًا أحب فعله فحسب. لم يكن أن أصبح رسامًا جزءًا من الخطة حقًا. في الواقع، احتجت إلى مدرسة الفنون كي أدرك أن ما كنت أفعله طوال الوقت كان، حرفيًا، رسمًا.
:quality(75)/large_Save_Clip_App_649663479_17999881508890420_6822819962809161645_n_1_e9215a4ae3.jpg?size=120.39)
:quality(75)/large_IMG_2945_1_1_3c0b126966.jpg?size=89.77)
— هل ما زلت تمارس فن الشارع أو الغرافيتي اليوم؟
— لم أعد أفعل ذلك. لكن ينبغي أن أوضح فرقًا صغيرًا: ما كنت أقدّمه لم يكن غرافيتي بالمعنى الدقيق. كان اهتمامي أكبر بفن الشارع التشخيصي، أي أخذ الشخوص البشرية التي كنت أرسمها باستمرار ونقلها إلى الجدران.
كانت الصعوبة في العثور على الجدران المناسبة. في الجزائر، لم تكن لدينا فعلًا مساحات قانونية يمكنك أن تصل إليها بألوانك وتبدأ العمل ببساطة، لذلك تحولت المباني المهجورة إلى استوديوهاتنا غير الرسمية. كنا نبحث عن مكان هادئ، نستقر فيه ونبدأ الرسم.
بالطبع، لم يكن ذلك مسموحًا به من الناحية الرسمية، لكن تلك الأماكن المهجورة منحتنا مساحة صغيرة لنتنفس. وحتى حين كان رجال الشرطة يعثرون علينا، كانوا غالبًا يرون أننا نرسم فحسب، فيتركوننا نكمل.
— وكيف أصبح الرسم في النهاية الخيار البديهي في مدرسة الفنون؟
— ربما في وصفه بالبديهي شيء من المبالغة. وصلت إلى الرسم، في الحقيقة، بعد أن استبعدت كل الخيارات الأخرى.
في السنة الثانية من مدرسة الفنون، كان علينا ترتيب أربعة تخصصات بحسب الأولوية، ولم تأتني مع أيّ منها تلك اللحظة التي أقول فيها: هذه هي ضالّتي. لذلك بدأت بالعكس: لننسَ ما أريده، ما الذي لا أريده قطعًا؟
استبعدت أولًا تصميم المساحات. كان كل شيء فيه شديد النظافة والدقة، حتى آخر مليمتر. أدركت سريعًا أن هذا لا يشبهني. ثم جاء دور التصميم الغرافيكي. أخي مصمم غرافيك، لذلك كنت قد رأيت مسبقًا الساعات الطويلة التي يقضيها أمام الكمبيوتر. أنا أحتاج إلى الحركة أثناء العمل، فكان ذلك خيارًا مستبعدًا أيضًا.
بعد ذلك خرج النحت والتشكيل المجسم من القائمة. أعجبني فيهما الطابع الجسدي واليدوي، لكنهما كانا ينطويان على مشكلة عملية: مواد ثقيلة وحاجة إلى مساحة عمل مناسبة. لم يكن الأمر شيئًا يمكنك حمله والعمل عليه في أي مكان.
مع نهاية عملية الاستبعاد، بقي الرسم وحده. والمفارقة، بالطبع، أنني كنت أرسم منذ سنوات من دون أن أسمي ذلك رسمًا. كنت آخذ الأفكار من دفتر اسكتشاتي، وأضع الألوان على الجدران، وأتعامل مع الأمر كله كأنه رسم تخطيطي. مدرسة الفنون منحت اسمًا لما كنت أفعله أصلًا؛ وما إن اتضحت لي الفكرة حتى رغبت في فهم هذا الوسيط الفني بعمق، من جانبه التقني إلى كل ما يستطيع إنجازه جماليًا.
:quality(75)/large_image_1356_7d1316064c.jpg?size=224.52)
:quality(75)/large_image_1357_133ca70572.jpg?size=183.87)
:quality(75)/large_image_1355_58f621d563.jpg?size=208.82)
— غالبًا ما يوصف عملك بالسريالية. لكن كيف تبدو فعليًا عملية بناء إحدى هذه اللوحات؟
— لوقت طويل، كنت أظن أن العملية تعتمد في معظمها على الحدس. لكنني أرسم بهوس — أحيانًا ثلاث أو أربع مرات في اليوم — ومع مرور السنوات، تحولت دفاتر اسكتشاتي إلى ما يشبه أرشيفًا للوحات محتملة. (هناك أبدأ بتفكيك الأفكار والمراجع، وأبني تراكيب أكثر بكثير مما سيصل يومًا إلى القماش. أما الأفكار التي تبقى عالقة في ذهني، فهي التي أعود إليها وأطورها أكثر.)
هذا الإيقاع في الرسم درّب عيني. بدأت ألاحظ الأشكال والهيئات التي تشدني، وتلك التي لا تفعل، وكيف يمكن لعناصر تبدو بلا صلة أن تتجاور داخل عمل واحد. حتى الإطارات الصغيرة التي تظهر في دفاتر اسكتشاتي كلها جزء من العملية: أرسم الموضوع أولًا، ثم أضع له إطارًا لأرى كيف يمكن للتكوين أن ينتقل لاحقًا إلى اللوحة.
وفي مرحلة ما، أدركت أنني بنيت، من دون قصد، خوارزميتي الخاصة — نظامًا لاختيار المراجع، وترتيب العناصر، ومعرفة ما يستحق أن أذهب به أبعد.
لكن نقطة التحول الحقيقية جاءت عندما توقفت عن التعامل مع كل لوحة كأنها قصة يجب اختراعها من الصفر. فهناك حدّ لعدد المرات التي يمكنك فيها الجلوس أمام قماش فارغ وسؤال نفسك: حسنًا، ماذا سيحدث في هذه اللوحة؟
لذا توقفت عن بناء القصص، وبدأت أبني عالمًا كاملًا.
وفجأة، صار هناك الكثير لاكتشافه. بدل أن أخترع عالمًا جديدًا مع كل لوحة، أصبح لدي عالم واحد قابل للاتساع باستمرار — بأماكنه وشخصياته وحكاياته، وكما اتضح لاحقًا، بقواعده الخاصة جدًا. لم تعد مهمتي أن أقرر ما الذي ينبغي أن يحدث، بل أن أكتشف ما كان يحدث هناك بالفعل.
:quality(75)/large_Frame_1511851340_538bf21a5d.jpg?size=80.42)
— لنغص داخل هذا العالم. كيف يبدو، وما القواعد التي تحكمه؟
— بعض القواعد بسيطة على نحو مفاجئ. فالبشر هنا ورديّون، مثلاً. لا تسألوني عن السبب — هكذا يأتي البشر في هذا الكون فحسب. كما لا توجد شخصية رئيسية. تتبدّل الشخوص من لوحة إلى أخرى؛ فهذا العالم أوسع بكثير من أن ينتمي إلى واحد منهم وحده.
ثم هناك الكرة البرتقالية: تظهر حين ينسلّ أحدهم من اللحظة الراهنة. تعرف تلك اللحظة حين تحدّق في شيء ما، وأنت في كامل يقظتك، لكن ذهنك في مكان آخر؟ في كوني، يمكن رؤية ذلك فعليًا: تتشكّل الكرة حول رأس الشخص.
واللافت هو ما يحدث عندما يدركون أنهم في تلك الحالة. عندها يمكن للكرة أن تتحرّك خارج الرأس وتوجد إلى جوارهم — وفجأة، يصبح الشعور الذي يعيشونه قادرًا على أن يتخذ هيئة مادية.
— إلى أي مدى يمتدّ هذا العالم إذن؟ وهل ما زلت تكتشف داخله مناطق جديدة بنفسك؟
— بالتأكيد. في الواقع، اكتشفت للتو مكاناً جديداً داخله، وهذا تحديداً ما أستكشفه في اللوحات التي أقدّمها في معرضي الفردي في ديسمبر.
لنتأمل الأفق في الواقع: حين ينظر المرء إلى البحر، يرى ذلك الخط الذي يبدو فيه الماء كأنه يلامس السماء، لكن مهما اقترب منه، يظل الأفق يبتعد. في عالمي، هذا المكان موجود فعلاً.
يلتقي الماء بالسماء مادياً، تقريباً بزاوية تسعين درجة، ويعيش الناس هناك. بالنسبة إليهم، ليس الأفق وهماً ولا خطاً بعيداً؛ إنه الوطن. أما بالنسبة إلى الآخرين، فيبقى مكاناً عصياً على الوصول. فمن لم يولد هناك، سيظل هذا المكان يفلت منه مهما قطع في اتجاهه.
وأنا أقول عمداً إنني اكتشفت هذا المكان، لا إنني اخترعته. لا أرى نفسي حقاً كمن يقف خارج هذا العالم ويقرر كل ما يحدث داخله. أنا أقرب إلى شخص لديه منفذ إليه: أدخل، وأعثر على شيء لم أكن أعرف أنه موجود، ثم أعود به معي.
وهكذا أفكر في اللوحات أيضاً؛ كأنها أشبه بأدلة. الأمر يشبه أن أعود وأقول: «يا جماعة، وجدت شيئاً. رأيت هذا. ما هو؟ لنتحدث عنه». ولست بالضرورة أعرف الإجابة بنفسي.
ومن الناحية التقنية، لست وحدي من يستطيع الدخول. هناك مدخل متاح لنا جميعاً: النوم. يمكن الوصول إلى هذا العالم عبر الأحلام، وإذا أصبح الحلم واعياً، يمكن للمرء حتى أن يدرك أنه موجود هناك.
:quality(75)/large_Save_Clip_App_589059559_18327140449243908_7256356126916176955_n_1_4ab3886ad3.jpg?size=125.7)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_588645807_18327140506243908_6750494167750332359_n_1_61be8558dd.jpg?size=158.67)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_589099814_18327140527243908_3758090149674501437_n_1_f9c7868cb3.jpg?size=97.73)
— عندما كنت أتصفح حسابك على إنستغرام، صادفت منشوراً تحدثت فيه عن مدى الإرهاق الذي قد يسببه صنع الفن. ماذا كان يحدث في تلك المرحلة؟
— كنت أستعد لمعرضي الفردي، وفي الأشهر الأولى تكفّل الحماس بمعظم العبء. كانت لدي كل هذه الأفكار التي أردت جمعها معاً وعرضها أخيراً أمام الناس. لكن في مرحلة ما، بدأ الجانب العملي من كوني فناناً يفرض نفسه عليّ.
غبت عملياً داخل المرسم لأشهر، أعمل على شيء لم يره أحد بعد، بينما كانت الأسئلة المعتادة تتراكم في الخلفية: كيف أكسب المال وأنا أفعل هذا؟ إلى متى أستطيع الاستمرار بهذه الطريقة؟ وماذا لو، بعد كل ذلك العمل، لم يحقق المعرض صداه؟
وبطبيعة الحال، اختار عقلي المرحلة الأخيرة كي يطالب بالإجابات. قبل الافتتاح بنحو 20 يوماً أو شهر، واللوحات لم تكتمل بعد، والتأطير لا يزال بحاجة إلى ترتيب، وجدت نفسي فجأة عاجزاً عن الرسم. كنت أفرط في التفكير في كل شيء، إلى حد بدا معه أن رأسي ويدي لم يعودا يتحدثان إلى بعضهما.
هذا ما كتبت عنه في المنشور. ويسعدني أنني فعلت ذلك، لأن فنانين آخرين بدأوا يتواصلون معي ليقولوا إنهم مروا بالتجربة نفسها تماماً. بعضهم كانوا ممن أكنّ لإعمالهم إعجاباً كبيراً، وكان في ذلك طمأنة غريبة. تنظر إلى الفنانين الكبار وتفترض أنهم وجدوا السر بطريقة ما. ثم يقول لك أحدهم: لا، هذا يحدث لي أيضاً، فتفكر: حسناً. لا بأس. لنكمل.
وهذا ما فعلته. وعندما افتتح المعرض، تبدلت النظرة تقريباً بين ليلة وضحاها. تفاعل الناس مع الأعمال، وبيع نحو 30% منها خلال الأيام الثلاثة الأولى. بعد كل ذلك القلق، صار لدي فجأة دليل ملموس جداً يقول لي: حسناً، ربما لم تكن هذه فكرة سيئة إلى هذا الحد في النهاية.
خرجت من التجربة بطاقة مختلفة تماماً — وكأنني أقول: حسناً، في ديسمبر المقبل نفعلها مجدداً، لكن بصورة أفضل.
:quality(75)/large_Save_Clip_App_610831377_18330854428243908_3097939944424624403_n_352b1dd652.jpg?size=125.25)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_610607312_18330854449243908_6793048387684877571_n_3b9631a7dd.jpg?size=70.27)
— وكان ذلك معرضك الفردي الأول. كيف خرج إلى النور فعليًا؟
— نعم، مع أنني لم أكن تحديدًا صاحب قرار أن الوقت قد حان. كنت قد تزوجت لتوّي، وكنت أنا وزوجتي نمضي عامنا الأول معًا في منزل صغير جدًا. لم يكن لديّ مرسم حينها، لذا كنت أعمل أصلًا في أي مساحة أستطيع العثور عليها.
كان لبعض أصدقائي مرسم يضم مساحة للعرض، وفي أحد الأيام طلبوا مني أن آتي إليهم لنتحدث. بدا الأمر رسميًا على نحو غريب، خصوصًا أنني كنت قد رأيتهم قبل أسبوع فقط، لذلك وصلت من دون أدنى فكرة عما يريدونه مني.
اتضح أنهم كانوا قد اتخذوا قرارهم بالفعل: المعرض التالي في تلك المساحة سيكون لي. كان رد فعلي الأول أنني لست مستعدًا. أما جوابهم، في جوهره، فكان أن مسألة الاستعداد ليست مطروحة للنقاش حقًا. خفف عن نفسك الضغط وابدأ العمل.
لذلك عدت إلى المنزل وفعلت ذلك بالضبط. كان لدي جدار صغير أعمل عنده وأحتفظ بدهاناتي، ومع مرور الأشهر بدأت اللوحات تستولي تدريجيًا على البيت كله. وفي النهاية، تحوّل بيتنا الصغير إلى ما يشبه صالة عرض جاءت مصادفة.
أصبح ذلك المعرض فرصتي الحقيقية الأولى لأرى إن كان العالم الذي كنت أعمل على بنائه قادرًا على الوجود خارج رأسي. لم أقدمه بشرح مطوّل، ولم أحاول رسم كل قواعده؛ كنت أنا نفسي لا أزال أكتشفها. اكتفيت بأن منحت الناس مدخلًا واحدًا إليه: حين تدخل الشخصيات تلك الحالة الشبيهة بالحلم، يصبح بإمكانها الوصول إلى عالم آخر، وبعضها يستطيع أن يعي وجوده هناك.
وتبيّن أن تلك المعلومة الصغيرة كانت كافية.
بدأ الناس يقفون أمام الأعمال وينسجون قصصًا لم أكتبها قط. كانوا يربطون بين تفاصيل مختلفة، ويتخيلون ما قد يكون يحدث، ويملأون الفراغات بإحالاتهم الخاصة؛ أفلام وألعاب وحكايات، وكل ما نتشرّبه من دون أن نفكر فيه فعلًا.
وربما كان ذلك أجمل ما اكتشفته في المعرض. أستطيع أن أخلق العالم من دون أن أتحكم في كل قصة تدور داخله. امنح الناس ما يكفي ليجدوا الباب، وسيعرفون بأنفسهم إلى أين يريدون الذهاب بعد ذلك.
:quality(75)/large_IMG_1544_1_1_e1e1db905b.jpg?size=105.81)
:quality(75)/large_IMG_1544_1_1_e1e1db905b.jpg?size=105.81)
:quality(75)/large_IMG_1983_1_1_373b3fc1d1.jpg?size=94.88)
— لديك عمى ألوان، ومع ذلك يشكّل اللون جزءاً أساسياً من عملك. كيف يحدث ذلك فعلياً؟
— كنت أعرف أن لديّ عمى ألوان قبل التحاقي بمدرسة الفنون؛ فاثنان من إخوتي لديهما الأمر نفسه أيضاً. لكن حين بدأت دراسة الفن، كان عليّ أن أفهم ما يعنيه ذلك عملياً بالنسبة إلى طريقتي في العمل.
في مدرسة الفنون، جعلت تمارين محاكاة الأعمال الفنية الفارق واضحاً إلى حد لا يمكن تجاهله. كنا جميعاً نعمل انطلاقاً من اللوحة نفسها لأحد كبار الفنانين، لكن عندما يصل الأستاذ إلى عملي، لم تكن الألوان أبداً في مواضعها كما ينبغي تماماً. كان بوسعي طبعاً أن أشرح السبب، لكن ذلك لم يجعل نسختي أقرب إلى ما يراه الآخرون.
في النهاية، توقف أحد الأساتذة ببساطة عن مطالبتي بمقاربة التمرين بالطريقة نفسها التي يتبعها بقية الصف. لم يكن قادراً على تقييم استخدامي للون مقارنةً بهم، ما دمت لا أرى الشيء نفسه من الأساس؛ لذلك منحني حرية أن أجد طريقتي الخاصة في التعامل معه.
وهنا حدث التحول الحقيقي بالنسبة إليّ. بدلاً من محاولة مطابقة ألوان لا أستطيع دائماً إدراكها بالطريقة نفسها، بدأت أتعلّم كيف تعمل الألوان. تعمقت كثيراً في نظرية اللون: التباين، والتكوين، والطريقة التي يتبدل بها لون ما حين يجاور لوناً آخر، إلى أن أصبحت بالنسبة إليّ أشبه بلغة ثانية. إذا كانت عيناي تمنحانني نسخة واحدة من اللون، فقد منحتني النظرية طريقة أخرى لفهمه.
من هناك، بدأت أطور قواعدي الصغيرة الخاصة للعمل مع اللون. لنأخذ البرتقالي والأخضر مثلاً: لا يمكن أن يتجاورا على لوحتي، لأن البرتقالي قد يبدأ، بالنسبة إليّ، بالتحول إلى أخضر. لذلك أُبقي بينهما مسافة — بالمعنى الحرفي للكلمة. حتى إن بعض الألوان تحصل على أكوابها البيضاء الخاصة، لأنه عندما تتزاحم درجات كثيرة على اللوحة نفسها، تبدأ بالتأثير في ما أراه. وعلى خلفية بيضاء، يصبح كل شيء أسهل بكثير في القراءة.
الخطوط السوداء دخلت هي أيضاً ضمن هذا النظام، وإن لم تكن وظيفتها عملية بحتة. أنا أحب الرسم — ربما أكثر من التلوين — ولم أرد له يوماً أن يتوقف عند حدود دفتر الاسكتشات. إدخال تلك الخطوط إلى اللوحة يعني أنني أستطيع مواصلة الرسم داخل العمل نفسه.
ومن حسن الحظ أنها تساعد عينيّ أيضاً. أحياناً يكون كل لون في المكان الذي أريده تماماً، ومع ذلك لا أستطيع الفصل بوضوح بين مساحة وأخرى. عندها تأتي الخطوط السوداء، فينتظم كل شيء من جديد: يزداد التباين حدّة، وتنفصل الأشكال، وفجأة أعود قادراً على رؤية التكوين بأكمله.
:quality(75)/large_Save_Clip_App_792863643_18365299507243908_7007771342271820266_n_1_0610980462.jpg?size=71.93)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_796095568_18365299408243908_6369881295920877591_n_1_67084199ba.jpg?size=147.22)
— أيّ لوحة تشعر بأنها الأقرب إلى قلبك؟
— غالبًا ما تكون اللوحة الأحدث. ليس بالضرورة بسبب الحكاية التي تحملها، بل بسبب التجربة التي عشتها أثناء إنجازها.
اللوحة الأخيرة التي نشرتها على Instagram مثال جيد على ذلك. يبلغ حجمها نحو 2.5 متر في 1.5 متر — وهي من أكبر الأعمال التي أنجزتها — وهي معلّقة اليوم في منزل بدبي. ومع كل هذا الحجم، كادت الدقائق العشرون الأخيرة أن تُفقدني القدرة على إتمامها.
كانت اللوحة شبه مكتملة. لم يتبقَّ لي سوى الخطوط النهائية، لكنني كلما حاولت أن ألمس القماش بالفرشاة شعرت بثقل لا يُحتمل. كنت أعرف تمامًا ما عليّ فعله، لكنني لم أستطع أن أدفع نفسي إلى القيام به. استحوذ عليّ الخوف من أن تُفسد حركة واحدة خاطئة العمل كله، إلى أن وجدت نفسي في النهاية أبكي.
ولم يكن هناك حتى سبب واضح يمكنني التمسك به. لم يكن الأمر حزنًا بالضبط. أظن أنني بلغت ببساطة مرحلة الإنهاك التام، حين يستجيب الجسد قبل أن يتمكن العقل من فهم ما يحدث. جرّبت المخرج البديهي: فتحت الحاسوب، شغّلت مسلسلًا، وأطفأت ذهني. بلا جدوى. في النهاية، ذهبت إلى النوم، ثم عدت إلى الاستوديو في اليوم التالي، نظرت إلى اللوحة — وانهرت بالبكاء من جديد.
لذا تركتها وشأنها.
في صباح اليوم التالي، كان شيء ما قد تغيّر. دخلت، التقطت الفرشاة، وأنهيت العمل كله في نحو 20 دقيقة. عندها لم أملك إلا أن أضحك: أمضيت يومًا كاملًا أبكي بسبب 20 دقيقة من الرسم.
:quality(75)/large_Save_Clip_App_801031143_18366044809243908_1247782431370819025_n_1_5e0bfa8dbe.jpg?size=116.46)

:quality(75)/medium_f6fe881e54eb63e111f94389ada225b1_1_7f9da0b1f5.jpeg?size=109.67)
:quality(75)/medium_16_The_sky_held_it_the_earth_remembered_at_Ishara_Art_Foundation_1_7aa4b071bf.jpg?size=27.08)
:quality(75)/medium_Save_Clip_App_770067774_18607169812013994_2545616444460236255_n_1_be79e494e4.jpg?size=117.64)
:quality(75)/medium_Monira_Al_Qadiri_5702_2560x1707_3cf1f72bfe.webp?size=101.51)
:quality(75)/medium_IMG_7017_JPG_2_6bfe45bfcb.jpeg?size=44.69)
:quality(75)/medium_BP_showroom5_8400687405.jpg?size=53.93)