image

by Barbara Yakimchuk

ميرامار النيّار، فنانة متعددة التخصصات: «هدفي أن أفتح مسارات للقلب»

الفنّ الأقرب إلى قلبي هو ذلك الذي يلامس جوهر الفنان نفسه — فنّ ينفتح ككتاب ويتيح لك قراءته حتى الصفحة الأخيرة من دون أن تفوّت كلمة. إنه صادق. وأحياناً هشّ. وقد يكون مُنهِكاً في بعض اللحظات — لكنه مُريح في الوقت ذاته.

خلال حديثي مع ميرامار، الفنانة العراقية متعددة التخصصات، شعرتُ أن هذا بالضبط هو الأسلوب الذي تخلق به أعمالها. لا مسافة بين الإنسان والممارسة. تفتح ذاتها بالكامل وتمنح كل شيء — عاطفياً وجسدياً. تشفى وتحلم عبر فنّها، لكنها لا تُبقي هذه العملية لنفسها. بل تقدّمها إلى الخارج، كقناة يمرّ عبرها الضوء خلال الشكل المادي بأقصى قدر من النقاء، كي يتمكّن الآخرون من الشفاء والحلم معها.

حتى مسارها يبدو صادقاً بالقدر نفسه. وكونها عصامية يبدو شبه ضروري — كأن أي إطار مفروض كان سيحدّ من تلك الصراحة الخام. تعمل بانغماس كامل، وغالباً ما تنسى الطعام والماء وحتى النوم. مرتبطة بعمق بالطبيعة، وبالعراق، وبالأردن، وبعائلتها — التي قدّمتها إلى الفن أولاً — وتحمل كل ذلك معها إلى ممارستها.

هذه هي ببساطة حقيقتها — وهذا ما يجعل قصتها مفتوحة، كريمة، وصادقة.

image

— أنتِ فنانة عصامية. كيف بدأت رحلتكِ مع الفن، ومتى أدركتِ أنكِ تريدين احترافه؟

— بدأت بشكل عفوي جداً — وبقدر كبير من عدم التوقّع.

والداي كلاهما فنانان. غادرا العراق خلال الحرب وانتقلا إلى الأردن قبل ولادتي. توقّفت والدتي عن إنتاج الفن عندما أنجبتنا، لذلك لم أكبر وأنا أراها تمارس. أما والدي فكان فناناً موهوباً على نحو استثنائي، لكنه اختار مساراً تجارياً ليعيل العائلة. كنت أرى القوة في أعماله الأولى — طزاجة ضربات فرشاته — وكان جزء مني يتمنى دائماً لو أنه استطاع أن يسلك ذلك الطريق بالكامل.

ومن اللافت أن والديّ كليهما كانا يثنياننا عن أن نصبح فنانين. بالنسبة لهما كانت حياة صعبة ومُرهِقة. لذلك لم أختر هذا المسار بوعي. بل إنني تخيّلت نفسي أفعل شيئاً مختلفاً تماماً.

لكن الفن ظلّ يجد طريقه إليّ.

في المدرسة، قرابة الصف الثامن أو التاسع، رسمت أول لوحة مائية أحادية اللون بالأزرق الفيروزي الداكن (Ultramarine). أتذكر أنني شعرت بانجذاب كامل إلى ذلك العالم. لاحقاً، عندما نقل والدي مرسمه إلى شقتنا في عمّان، كنت أجرّب بهدوء فرشه ولوحاته القماشية. وحتى حينها لم أكن أظن أنني سأصبح فنانة — كان وجودي قرب الفن يبدو أمراً طبيعياً فحسب.

بعد المدرسة، حاولت دراسة الرسوم المتحركة، لكن النظام التعليمي لم أشعر يوماً أنه يناسبني. انسحبت مرتين. وفي النهاية توقّفت عن محاولة فرض اتجاه مُنظَّم، وسمحت للحياة أن تتكشف. حين أنظر إلى الوراء، تبدو الرحلة تدريجية: من الاسكتشات إلى اللوحات القماشية، ومن اللوحات القماشية إلى الجدران.

أما الانتقال إلى فن الشارع فكان لسببين رئيسيين.

الأول هو الحجم. كانت لدي طاقة كبيرة للتعبير، وبدأت اللوحة القماشية تبدو صغيرة جداً. أردت أن أحرّك جسدي كله وأنا أرسم — أن أتمدد، وأن أتراجع خطوة إلى الخلف، وأن أصل بيدي إلى أبعد مدى، وكأنني على وشك الطيران. جدران الشارع أتاحت هذا الاتساع.

والثاني هو الإتاحة. في سن المراهقة، قلت لوالدي مرة إنني أريد إقامة معرض فردي. اصطحبني إلى واحدة من أعرق المؤسسات الفنية في الأردن. دخلت بثقة وطلبت إقامة معرض. كانوا لطفاء ومحترمين، لكنني كنت ألتقط ترددهم. أفهم ذلك الآن — كان المكان مخصصاً للفنانين الراسخين.

لكنني خرجت بشيء واضح جداً: كنت بحاجة إلى مساحة بلا حواجز. الشارع أصبح تلك المساحة. منحني الحجم والحرية والوصول المباشر إلى الناس — من دون حرّاس بوابة.

في النهاية، لم يكن قراراً استراتيجياً. كان ضرورة. حاجة إلى التعبير، وإلى الحركة، وإلى أن أُرى من دون قيود. كنت — وما زلت — شديدة الحساسية، وعاطفية جداً. صار الرسم اللغة التي يمكن لكل ذلك أن يتحرك عبرها.

image

— يبدو أن والدك لعب دوراً عميقاً في رحلتك، أليس كذلك؟

— بالفعل. كان بوابتي الأولى إلى الفن.

رحل قبل ثلاثة أعوام، وما زلت أشعر بحضوره بقوة كبيرة. قبل فترة قصيرة فقط، رأيت في المنام أول كتاب فني قرأته في حياتي — كتاب أحضره إلى المنزل، وكان مليئاً بصور من عصر النهضة لملائكة ومشاهد توراتية. في طفولتي، كنت أتصفحه بلا ملل. في الحلم كانت الكائنات مختلفة — غير مألوفة — لكن الإحساس كان ذاته. كان جميلاً.

هو من زرع تلك البذرة في داخلي.

— أُنجز معرضك «Moving Through the Ether» بينما كنتِ تعيشين حزن فقد والدك. ماذا مثّل ذلك المشروع الفني؟

— وُلد خلال واحدة من أكثر مراحل حياتي كثافة. تلك الكثافة تحولت إلى متنفس — طريقة لإخراج ما ظل حبيساً في الداخل لوقت طويل. كنت أرثي والدي، وفي الوقت نفسه أبدع تكريماً له.

تُشبه الأعمال أزهاراً — كائنات شبه نباتية — لكنني لم أكن أرسم الزهور بمعناها الحرفي. لطالما كانت الحركة في صميم ممارستي. أسجّل إيماءاتي مباشرة على القماش، ومع الوقت تتحول تلك الإيماءات إلى شكل.

في تلك الفترة تغيّرت حركتي. كنت ألتفّ. أتمدّد. أتفتح. لا أرسم الزهور، بل أتقمّص التفتح كمبدأ. عملت بهوس، ومن خلال تلك الحركة الدوّامية شعرت أنني أصل إلى مكان يتجاوزني — كأنني أتصل بالمكان الذي يوجد فيه والدي الآن. ما دمت «أتفتح»، كنت أشعر بقربه، وكأنه حاضر معي.

وضعت لنفسي نية أن أرسم له ألف زهرة. وما زلت أعدّها.

image

— لماذا ألف؟

— لطالما كان لدي ميل إلى المبالغة في كل شيء — ليس عن قصد، بل هكذا طُبعت. إذا طبخت لنفسي، أجدني بطريقة ما أطبخ لعشرة. وإذا طلبت شيئاً، أطلب أكثر مما أحتاج. حتى في الاستوديو — مع الألوان ومع القماش — يكون هناك دائماً ما يزيد على المخطط: لون إضافي في الزاوية، وطبقات إضافية على السطح.

لذلك بدا اختيار «ألف» خياراً فطرياً. لم يكن قراراً محسوباً بعناية أو محمّلاً برمزية صارمة. جاء من الدافع نفسه — أن أقدّم أكثر مما يلزم. ربما هي مبالغة. وربما هي كرم. لست متأكدة تماماً.

— ماذا منحك غياب التعليم الفني الأكاديمي؟

— منحني حرية — وثقة عميقة بطريقتي الخاصة.

كلما حاولت الدخول في إطار رسمي، شعرت بتوتر. ليس لأن الإطار خاطئ، بل لأنه ليس إطاري. لطالما أصغيت إلى نفسي أكثر مما أصغيت إلى الأنظمة الخارجية. بالنسبة إليّ، يجب أن تنبع التقنية من الداخل. فهي تعكس طريقة تفكيرك وشعورك؛ ولا تنفصل عن الفكرة التي تحاولين التعبير عنها.

لو تبنّيت بالكامل منهج شخص آخر، لشعرت كأنني أعيد تشكيل نفسي على هيئة شيء لا ينطلق مني.

في ذلك الوقت، كانت الرفضات مؤلمة. وكنت أواصل التساؤل: لماذا تُغلق الأبواب؟ لكنني اليوم أرى أن الحياة كانت تعيدني بلطف إلى نفسي. كان لديّ بالفعل ما أحتاجه — كل ما احتجته هو الصبر والوقت والعزلة كي يطفو إلى السطح.

بهذا المعنى، أنا ممتنة لأنني لم أسلك طريقاً أكاديمياً. وبصراحة، حتى لو فعلت، أعتقد أنني كنت سأضطر إلى تفكيكه كي أجد نفسي من جديد.

— هل تشعرين بارتباط بالعراق، وهل يظهر ذلك في أعمالك؟

— نعم، بعمق شديد — لكن ليس بطريقة حرفية.

زرت العراق مرتين، وفي كل مرة كانت التجربة مشحونة بالعاطفة. إنها أرض متراكبة الطبقات بالتاريخ، وأؤمن أن كل من يحمل دماً عراقياً يشعر بذلك الارتباط، حتى من بعيد.

أما في عملي، فالارتباط روحي أكثر منه رمزياً.

على سبيل المثال، حين أتحدث عن الصحراء في الأردن، فليس الأمر متعلقاً بالأردن كدولة، ولا بالجنسية أو الحدود. الصحراء ظاهرة. ما إن تدخلينها حتى يتبدّل شيء ما. يلين الجسد. ينفتح الذهن. يتسع الزمن. وفي ذلك الاتساع، كثيراً ما أشعر بأنني أقرب إلى شيء عتيق في داخلي — شيء يمتد أبعد بكثير من حكايتي الشخصية.

هناك يعيش العراق في عملي: كتيار خافت تحت السطح. كذاكرة ونَسَب وخيط روحي، لا كحكاية مباشرة.

— غالباً ما تُربط أعمالك بموضوعات الذاكرة والحنين إلى الوطن. هل تتعاملين مع هذه الموضوعات بوعي؟

— لا، أبداً عن وعي.

إذا حاولت أن أرسم وفي ذهني موضوع محدد، أشعر بالانسداد. العملية بالنسبة إليّ حدسية — تكاد تكون تنويمية. عندما أرسم، أشعر كأنني داخل حلم. وبعدها فقط «أستيقظ» وأبدأ في فهم ما الذي ظهر.

الموضوعات تكشف عن نفسها لاحقاً — عبر الكتابة، وعبر التأمل، وعبر الأحاديث. أنا لا أختار الموضوع؛ الموضوع هو الذي يختارني. أنا فقط أسمح له بأن يمرّ من خلالي. ولا يبدأ المعنى في التشكل إلا في النهاية.

image

— هل يمكنك أن تخبريني عن هذه القطعة وما الذي كان حاضراً في ذهنك وقلبك أثناء إنجازها؟

— أثناء إنجاز هذه المجموعة من الأعمال، انغمست بعمق في وظيفة اليد بوصفها جزءاً تواصلياً من الجسد — أشبه بهوائي يضبط الكيان كله على حالات محددة ويلتقط شيئاً غير مرئي. تحمل اليد إيماءات تتحدث لغة تسبق المعنى نفسه، قبل الكلمات المنطوقة أو المكتوبة.

أما التكوينات الشبيهة بالحروف والرموز التي أبتكرها فهي آثار يد راقصة — رقصة لا تظهر إلا حين يفرغ الذهن وينفتح القلب، فتتحرك وفق الإيقاع الطبيعي للعالم.

ومن خلال هذا العمل، بدأت ألاحظ صلات بين هذه الأشكال، واللغة العربية، والنقوش الصخرية، وآثار الطبيعة. تعرّفت إلى الأشكال أولاً وأنا أتحرك فوق قماش كبير ممدود على الأرض. بدت كأنها حروف عربية، لكنها ليست عربية تماماً. وعندما تتبعت مصدرها، أدركت أنها ببساطة نتيجة حركة يديّ.

عندها فهمت أن كل نظام كتابة هو، في جوهره، نظام حركة. وما زال هذا الاستكشاف مستمراً، وأعتزم أن أمنحه الوقت والمساحة اللذين يحتاجهما كي يتطور على نحو كامل.

image
image
image

— يلعب الجسد دوراً قوياً في أعمالك. هل يمكنكِ أن تخبريني أكثر عن هذه القطعة وما الذي كنتِ تستكشفينه هنا؟

— كثيراً ما أجدني أراقب حركة الناس، وألتقط الآثار التي تبدو حركاتهم وكأنها تتركها خلفها — كأن هيئاتهم تمتد إلى ما وراء الحدود المادية للجسد. وجوههم، أيديهم، طريقة مشيهم أو التفاتهم. أشكالهم لا تكفّ عن التحوّل. ونحن أيضاً لا نتوقف عن التحوّل.

كانت هذه المجموعة من الأعمال محاولتي لالتقاط إحدى رقصاتي داخل إطار واحد — أن أُجمّدها، وأن أراها كاملةً دفعة واحدة.

كما أنني صنعتُ العديد من عمليات إعادة الترتيب، لأنني أؤمن بأن الشيء الواحد يحمل في جوهره تنويعات لا نهائية. أستمتع بإعادة وصل العناصر بطرق مختلفة، ومشاهدة المعنى نفسه وهو ينكشف من زوايا جديدة. إنها طريقة لجعل المألوف غريباً عمّا اعتادت عليه عيناي — وتجديد حساسيتي تجاه العمل ذاته.

وقد فعلتُ ذلك أيضاً مع كثير من لوحاتي، إذ قمتُ بتفتيتها ثم إعادة تركيب أجزائها لابتكار إيقاع جديد للإحساس نفسه — إيقاع يبدو حيّاً بذاته.

بالنسبة إليّ، هذه العملية مُثيرة على نحو عميق، لأن تفككاً مشابهاً يحدث في ذهني. أفكاري تتبعثر ثم تعود لتلتئم، مُشكّلة روابط جديدة. يذكّرني ذلك بأن العالم ديناميكي ويتحوّل باستمرار — وأن الدماغ يواصل التكيّف معه دائماً.

وبهذا المعنى، يعكس العمل مساراً نفسياً داخلياً بقدر ما يعكس تجربة بصرية خارجية.

image
image
image
image

— حدّثيني عن آخر معرض قدّمته مؤخراً في الإمارات. ما الذي شكّل ملامح ذلك المعرض؟

— كان بمثابة فصل جديد بالنسبة لي. كنت قد انتقلت حديثاً إلى الإمارات وقدّمت المعرض في أبوظبي. في تلك الفترة، كنت أعيش بهدوء شديد — أقرب إلى العزلة. كنت أمكث في شقتي لفترات طويلة ولم أشعر بحاجة إلى الخروج. كانت المرة الأولى التي أختبر فيها الوحدة على هذا النحو فعلاً.

خلال تلك الأشهر الأولى، افتقدت الصحراء بشدة. قبل أن أنام، كنت أتخيل نفسي أمشي هناك — ذلك الاتساع، وذلك الصمت، وذلك الامتداد اللامتناهي. أدركت كم أن جزءاً كبيراً من إلهامي كان يأتي دائماً من ذلك المشهد الطبيعي. والابتعاد عنه جسدياً أجبرني على أن أبحث عنه في داخلي. وبدلاً من السفر إلى الخارج، بدأت أسافر إلى الداخل. كنت أغمض عينيّ وأعود إليها في مخيلتي — وكان الأمر يبدو حقيقياً.

بهذا المعنى، اكتشفت الصحراء من جديد، لكن هذه المرة في داخلي لا خارجاً عني.

تحوّل المعرض إلى استكشاف لتلك الصحراء الداخلية. وكنت أواصل طرح الأسئلة: كيف يتحرك الجسد هناك؟ ما إيقاع الحركة في فضاء كهذا؟ كيف «يبدو» صوت الجسد في الصمت؟ ومع من — أو مع ماذا — تتصلين؟

على القماش، بدأ يتشكل ما يشبه لغة بدائية — رموز أولى، تكاد تكون كتابات تسبق المعنى. كان العمل كله أبيض على أبيض: سطح وضوء وتلك النقوش الهادئة. كان شعوره مسالماً. بدائياً. كأنني لامست مكاناً أريد أن أعود إليه مرة بعد مرة.

يحمل المعرض عنوان Hujra. في العربية، تعني الكلمة «حُجرة»، ويرتبط جذرها بالحجر. فالصخرة، بهذا المعنى، هي حُجرة — حافظة للترددات. بدأت أفكر في الصخور بوصفها أوعية لاهتزازٍ خالص. حين تتصلين بها، تبدئين في التوافق مع ذلك التردد. يدخل إلى جسدك، وتبدئين بالتحرك وفقاً له.

كانت كل صخرة تبدو وكأنها تحمل اهتزازاً مختلفاً، وكل اهتزاز يتجسد في اللوحات. أحياناً كنت أكاد أسمعه — كموسيقى بعيدة. يتحول التردد إلى حركة. وتتحول الحركة إلى صوت. كان الأمر مرحاً، جميلاً، نابضاً بالحياة.

image

— بدأتِ مؤخراً العمل على آلة الثيريمين. ما الذي جذبكِ إلى هذه الآلة؟

— أسرتني آلة الثيريمين لأنها تعمل عبر مجال غير مرئي. فهي تولّد مجالاً كهرومغناطيسياً بين هوائيين، وتحدّد حركتكِ داخل هذا المجال طبقة الصوت وارتفاعه وشدّته. كلما اقتربتِ ارتفعت النغمة، وكلما ابتعدتِ انخفضت.

لسنوات، كنتُ أرغب في التعاون مع موسيقي يستطيع ترجمة حركتي إلى صوت. ثم تذكّرت الثيريمين. طلبتُ واحدة، والآن أعزف عليها تقريباً يومياً. إنها تجربة تأملية بعمق. للمرة الأولى، أستطيع أن أسمع حركتي.

الإيماءات التي أصنعها بيديّ — ذاتها التي تتحوّل إلى خطوط ورموز على القماش — باتت اليوم تُنتج صوتاً. أشعر وكأنها اللغة نفسها، لكن مُعبَّراً عنها في بُعدٍ مختلف.

image

— هل مررتِ بحالة إنهاك؟

— نعم، مؤخراً جداً. بعد إنجاز المعرض، كنتُ منهكة إلى حد أنني لم أرغب حتى في حضور الافتتاح. حين تعملين بكثافة — تغوصين في أعماقكِ، تكشفين وتعبّرين — فإنكِ تستهلكين شيئاً عميقاً. الأمر ليس تعباً جسدياً فحسب؛ بل إنهاك نفسي أيضاً.

كان عليّ أن أتعلم كيف أتراجع خطوة إلى الوراء. فالإنهاك يحتاج إلى استعادة التوازن والرسوخ. أشياء بسيطة: الطبخ، المشي، الحركة، قراءة شيء غير معقّد، والعودة إلى الجسد.

استغرق تعافيّ نحو ثلاثة أشهر، وهو يتخذ أشكالاً مختلفة بعد كل إنتاج كبير. تمنحين كل شيء، حتى آخر ما فيكِ؛ وتتمدّدين إلى ما وراء ذاتكِ. هناك مقولة صوفية عربية جميلة تعبّر عن ذلك: اتّسع عليك الداخل — «اتّسع عالمكِ الداخلي حتى تجاوزكِ».

هناك إنهاكات صغيرة خلال العملية، ويمكن التعامل معها بالتراجع في الوقت المناسب. لكن أحياناً يأتي إنهاك كبير. ذاك لا يمكن التحكم به. يطلب منكِ أن تتوقفي، وأن تتخففي، وأن تستعدّي لمرحلة جديدة — وأن تعيدي مواءمة العالم الخارجي مع عالم داخلي اتّسع للتو. وما زلتُ أتعلم كيف أصغي إليه على نحو صحيح.

— هل فاجأتكِ يوماً طريقة تفسير الجمهور لعملكِ؟

— يملؤني الصدى بنشوة، خصوصاً حين يصبح جماعياً؛ كأنه لحن يسري في جسدي كله. عندما يلتقي الناس بالعمل على التردد نفسه الذي وُلد منه، أراه في عيونهم وفي الكلمات القليلة التي يقدّمونها — وهذا يمنحني أملاً وإحساساً هادئاً بالمسؤولية في آن. أنا أقل اهتماماً بكيفية صُنع العمل، وأكثر بما يوقظه. في معرضي الأخير، تكررت الكلمات نفسها مرة بعد مرة: حُلْمي، مُسالِم، عتيق، صخور، صحراء.

ذلك الاتساق بدا لي علامة نجاح. أقيس نقاء العمل بجودة الإحساس الذي يثيره — حين تصل النواة الشعورية إلى الناس قبل التحليل أو السرد. في السابق رسمتُ أعمالاً داكنة وثقيلة، لكنني الآن أشعر بنداء لتقديم شيء يعيد التوازن. العالم مثقل بما فيه الكفاية؛ ولا أشعر بحاجة لإضافة مزيد من المأساة.

— لو كان عليكِ أن تصفي غايتكِ الفنية بجملة واحدة، فماذا ستكون؟

— أن أفتح قنوات للقلب كي يشعر ويتكلم. نحن نعيش في عالم شديد المادية والعقلانية — تهيمن عليه المنطقية والتحليل — حيث يُنظر إلى النصف الأيسر من الدماغ بوصفه السلطة الموثوقة. وقد جرى اختزال القلب إلى عضو لا يفعل سوى ضخ الدم. لكنه أذكى بكثير من ذلك.

العمل من القلب يتطلب عناية وصيانة مستمرتين. شفاء. صدق. ويطلب منا أن نبقيه مفتوحاً كل يوم، لأن إهماله يجعله يبدأ بالانغلاق. بالنسبة إليّ، الفن الشافي هو أن نسمح للنور بأن يمر عبر الشكل المادي بأكبر قدر ممكن من النقاء — والقلب المفتوح هو البوابة التي يُستقبل عبرها ذلك النور ويُمنح، حيث تُشكّل حكمته المادة.

الأمر يتعلق بإحياء القلب — والعطاء منه.

image