:quality(75)/large_DSC_05893_c74249e82f.jpg?size=115.37)
by Dara Morgan
الموسيقى في المدينة: إيقاع يومي جديد في أبوظبي
ثمة طرق كثيرة لتدرك أن صيف الخليج قد بدأ رسمياً. تتكثّف الضبابية على نظارتك الشمسية ما إن تغادر السيارة. ومشوار لا يتجاوز ثلاث دقائق من سيارة الأجرة إلى المركز التجاري يبدأ وكأنه رحلة استكشافية صغيرة. تدخل مملكة التكييف المباركة وأنت حارّ، مُنهك، وبشيء من الميل إلى الدراما، مستعداً للتعافي بقهوة مثلجة وربما بشخصية جديدة.
ثم، فجأة، تسمع موسيقى حية.
للحظة، يبدو الأمر مريباً. هل دخلت قاعة حفلات عن طريق الخطأ؟ هل هذا إنهاك حراري؟ هل ينبغي أن يتصل أحد بالطبيب، أم أن الهلوسات أصبحت أخيراً ذات ذائقة رفيعة؟
ليس تماماً. في أبوظبي، قد يعني ذلك ببساطة أنك دخلت إلى Music in the City، وهي مبادرة جديدة على مدار العام أطلقتها دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي. الفكرة بسيطة، لكنها طموحة إلى حد بعيد: إدخال الموسيقى الحية في نسيج الحياة اليومية في الإمارة، وتحويل الحدائق والواجهات البحرية والمراكز التجارية والفنادق والوجهات الثقافية والمساحات العامة إلى مسارح مفتوحة.
بعبارة أخرى، لم تعد الموسيقى تنتظر بأدب خلف الستائر المخملية؛ بل خرجت إلى الفضاء العام، تتمدد وتلتقي الناس حيث هم أصلاً.
:quality(75)/large_DSC_05856_1_4741b13245.jpg?size=112.75)
الموسيقى كما نعيشها كل يوم
كانت الفكرة الأساسية وراء Music in the City تقوم دائماً على الإتاحة. ليس بمعناها التقني من نوع «حمّلوا التطبيق وأنشئوا حساباً»، بل بمعناها الإنساني الأوسع: أن تصبح الثقافة أسهل حضوراً في حياتنا، وأسهل استمتاعاً بها، وأقرب إلى أن نشعر بأننا جزء منها.
صُمّم البرنامج كمبادرة تمتد على مدار العام، وتُدخل العروض الحية في الإيقاع اليومي لأبوظبي. يقدم الموسيقيون والفنانون عروضهم في مساحات عامة وشبه عامة، من الحدائق والواجهات البحرية إلى مراكز التسوق والفنادق والوجهات الثقافية، ليخلقوا لحظات تبدو عفوية وسهلة القرب ومندمجة في نسيج المدينة نفسها.
انطلق البرنامج من هذه الفكرة تحديداً: مبادرة على مدار العام تُدخل الموسيقى الحية في النسيج اليومي للمساحات العامة في أبوظبي. ويُختار كل موقع بحيث تصل الموسيقى إلى الأماكن التي يوجد فيها الناس أصلاً، بدلاً من أن يُطلب من الجمهور البحث عنها.— DCT Abu Dhabi
هذه هي الفلسفة التي تقوم عليها المبادرة: ألا تبقى الموسيقى حكرًا على المناسبات الخاصة، أو القاعات الرسمية، أو الأمسيات التي يخطط لها قبل ثلاثة أسابيع ذلك الصديق المنظّم في دردشة المجموعة. بل تصبح جزءًا من الحياة اليومية؛ شيئًا قد تصادفه وأنت تمشي، أو تنتظر، أو تستكشف، أو تتسوق، أو تلتقي الأصدقاء، أو تحاول إبقاء طفل منشغلًا من دون أن تسلّمه جهاز iPad في لحظة استسلام أخلاقي.
الفكرة هي ابتكار لحظات تثير الفضول، وتفتح باب التواصل، وتعزّز الإحساس بالانتماء. وهذا، بصراحة، ترقية لطيفة جدًا عن الموسيقى المعتادة في المصاعد، وأبواق السيارات، وهاتف أحدهم وهو يشغّل مقاطع الفيديو بصوت عالٍ في الأماكن العامة.
:quality(75)/large_Snimok_ekrana_2026_06_29_v_13_58_42_0c896af099.png?size=488.62)
:quality(75)/large_Snimok_ekrana_2026_06_29_v_14_05_01_6d393112a9.png?size=979.78)
:quality(75)/large_Snimok_ekrana_2026_06_29_v_14_04_19_cb71f0cc86.png?size=440.11)
لماذا الآن؟
لم يكن اختيار التوقيت مصادفة. تأتي المبادرة بعد اختيار أبوظبي مدينة إبداعية في مجال الموسيقى من اليونسكو، ويحوّل «الموسيقى في المدينة» هذا التقدير إلى تجربة يمكن للناس أن يشعروا بها فعلاً.
اللقب جميل بلا شك. لكن السؤال الأهم يبقى دائماً: ماذا يعني ذلك لمن يعيشون هنا، ويزورونها، ويمشون في شوارعها، ويعملون فيها، ويقضون عطلات نهاية الأسبوع في محاولة اختيار المكان الذي يصطحبون إليه أطفالهم قبل أن ينفد صبر الجميع؟
مع «الموسيقى في المدينة»، يصبح هذا التصنيف مرئياً ومسموعاً. ويدعم البرنامج الرؤية الثقافية الأوسع لأبوظبي، من خلال تعزيز المشاركة الثقافية ورفاه المجتمع عبر تجارب فنية متاحة للجميع. كما يعزز إحساس المدينة بهويتها ومكانتها، إذ يجعل الثقافة حاضرة لا داخل المؤسسات فحسب، بل في المساحات التي يستخدمها الناس في حياتهم اليومية.
أُطلق البرنامج عقب اختيار أبوظبي مدينة إبداعية في مجال الموسيقى من اليونسكو. ويجسد التزام المدينة بتعزيز جودة الحياة والمشاركة الثقافية ورفاه المجتمع من خلال تجارب فنية متاحة للجميع.— دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي
الرسالة واضحة: الثقافة ليست في مكان بعيد. إنها هنا، على الممشى، وفي الحديقة، وفي بهو الفندق، وفي المركز التجاري، وفي قلب يوم سبتك.
:quality(75)/large_DSC_05875_aa4b525dfa.jpg?size=103.99)
من يشارك في العروض؟
يجمع البرنامج مزيجاً متنوعاً من الفنانين المحليين والإقليميين والدوليين. وتضم القائمة مؤدين منفردين، وفرقاً موسيقية، وجوقات، وعازفين، وموسيقيين معاصرين، ومواهب شابة، يحمل كل منهم تقليده الموسيقي وخلفيته وصوته الإبداعي الخاص.
وتكتسب هذه التعددية أهميتها لأن أبوظبي نفسها ليست مدينة تسير على نغمة واحدة. فالبرنامج يعكس المشهد متعدد الثقافات في الإمارة عبر طيف واسع من الأصوات، من الموسيقى العربية الكلاسيكية والمعاصرة إلى الجاز وR&B والسول والأعمال الكورالية وعروض موسيقى الحجرة الكلاسيكية والتجارب الموسيقية المخصصة للأطفال.
ومن بين الفعاليات:
- UAE in Harmony في واجهة ياس باي البحرية، احتفاءً بالموسيقى العربية الكلاسيكية والمعاصرة ضمن أجواء حميمة.
- Fafa & Friends: ME Jazz and R&B، حيث تلتقي التأثيرات الشرق أوسطية مع الجاز وR&B والسول.
- Arab Music Crossroads: Music in Parks، حفلات في الهواء الطلق تمزج الأصوات العربية التقليدية بتأثيرات عالمية.
- Youth Orchestra Chamber Music Series، سلسلة تضع الموسيقيين الشباب في فضاءات يومية مثل الفنادق ومراكز التسوق.
- Dr Eman Al Hashmi & Young Musicians Series، المطوّرة بالشراكة مع جمعية الإمارات لأمراض المناعة الذاتية.
- Kinder Musik، تجربة موسيقية تفاعلية للأطفال من سن الرابعة إلى الثامنة في Kidz Factory، غاليريا مول.
- Melodica in Motion، تسلّط الضوء على المواهب الشابة في المجمع الثقافي.
- Voices of Harmony، جوقة تحتفي بالوحدة والإبداع والتنوع الثقافي.
- Saadiyat Big Band Live، يواكب اليوم العالمي للموسيقى عبر كلاسيكيات الجاز وتوزيعات معاصرة.
إنه برنامج واسع، وهذه هي الفكرة تحديداً. سيأتي البعض من أجل الموسيقى العربية، وقد يصادف آخرون الجاز من حيث لا يتوقعون. وسيكتشف بعض الأطفال الإيقاع قبل أن يتعرفوا إلى الألم الوجودي العميق لتمارين البيانو الأسبوعية. لكل شخص مدخله الخاص إلى التجربة.
:quality(75)/large_DSC_05890_174db4f208.jpg?size=113.61)
الدمج جزء من النغمة
ومن أبرز الأمثلة على روح هذه المبادرة سلسلة الدكتورة إيمان الهاشمي والموسيقيين الشباب، التي تُقدَّم بالشراكة مع جمعية الإمارات لأمراض المناعة الذاتية.
توفّر السلسلة منصة تعاونية دامجة للمواهب الصاعدة، بمن فيهم الموسيقيون من أصحاب الهمم. كما تتيح للموسيقيين الشباب فرصاً للأداء أمام الجمهور، وصقل مهاراتهم، والتواصل مع الحضور في فضاءات عامة ترحّب بالجميع.
توفّر المبادرة منصة تعاونية دامجة تدعم المواهب الصاعدة، بمن فيهم الموسيقيون من أصحاب الهمم، وتمنحهم فرصاً للأداء وتطوير مهاراتهم والتواصل مع الجمهور.— دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي
هنا يتجاوز المشروع كونه موسيقى خلفية لطيفة. فهو يسلّط الضوء على دور الفنون في بناء المجتمع، ورفع الوعي، ودعم الصحة النفسية، وفتح مساحة لمن لا يجدون أنفسهم دائماً في صميم البرامج الثقافية السائدة.
وهذه واحدة من مواطن القوة الهادئة في Music in the City: فالأمر لا يقتصر على تقديم فنانين في الأماكن العامة، بل يتعلّق بتوسيع دائرة من يشعرون بأن الحياة الثقافية ترحب بهم.
لماذا يهمّ المكان؟
ليست المواقع مجرد خلفيات جميلة، وإن كانت أبوظبي لا تفتقر إليها بالطبع. فكل مساحة تؤدي دوراً في تشكيل التجربة.
توفّر الحدائق والواجهات البحرية أجواء مفتوحة ومريحة، يمكن للعائلات والمقيمين والزوار أن يستمتعوا فيها بالعروض بعيداً عن رسمية قاعات الحفلات. إنها مساحات يجتمع فيها الناس أصلاً؛ يتمشّون، ويتبادلون الأحاديث، ويجلسون، ويتناولون الوجبات الخفيفة، ويدخلون في مفاوضات مع الأطفال حول موعد الرحيل.
أما الفنادق ومراكز التسوق، فتنقل الموسيقى الحية إلى جمهور أوسع ضمن أماكن يومية مألوفة. قد لا يشتري شخص ما تذكرة لحفل رسمي، لكنه قد يتوقف ليستمع إلى عرض لموسيقى الحجرة في بهو فندق، أو يكتشف فقرة جاز أثناء لقائه بالأصدقاء.
في المقابل، تتيح الوجهات الثقافية تفاعلاً فنياً أعمق. فهي تمنح التجربة سياقاً وأجواءً وإحساساً بالمناسبة، مع بقائها مرتبطة برسالة البرنامج الأوسع في جعل الثقافة متاحة للجميع.
والنتيجة خريطة صوتية تمتد على مساحة المدينة، حيث تمنح كل مساحة مزاجاً مختلفاً قليلاً. فعرض على الواجهة البحرية لن يشبه فعالية في فندق. وجلسة موسيقية للأطفال لن تبدو كعرض لفرقة كبيرة. وكورال في فضاء ثقافي لن يحمل الإحساس نفسه الذي تمنحه الموسيقى العربية في الحديقة. وهذا التنوع هو ما يبقي المبادرة نابضة بالحياة.
:quality(75)/large_Snimok_ekrana_2026_06_29_v_13_59_36_a5d79086d8.png?size=561.18)
:quality(75)/large_Snimok_ekrana_2026_06_29_v_14_04_48_1a4d5ab156.png?size=952.23)
:quality(75)/large_Snimok_ekrana_2026_06_29_v_13_58_56_1dfb1702de.png?size=396.51)
المدينة مسرحاً
لا عيب في قاعات الحفلات الموسيقية؛ فهي جميلة ومهمة. لكنها قد تكون أيضاً، في بعض الأحيان، أماكن ينتبه فيها الناس فجأة إلى أنفاسهم وكأنها أعلى مما ينبغي.
غير أن اختبار الموسيقى خارج فضاءاتها التقليدية يزيل كثيراً من الحواجز التي قد تُبعد الناس عن الفنون. فلا حاجة إلى التخطيط قبل أسابيع، ولا إلى الالتزام بزيّ رسمي، ولا إلى الإحاطة بتاريخ نوع موسيقي كامل قبل الاستمتاع به. يكفي أن يحضر المرء، ويصغي، ويترك للموسيقى أن تحرّك فيه شيئاً.
أكثر ما يثير الحماس في Music in the City هو فكرة أن تتحول المدينة نفسها إلى مسرح؛ لا مجازاً ولا كشعار عريض، بل بالمعنى الحرفي للكلمة.
حين تتحول المدينة نفسها إلى مسرح، يمكن للناس أن يكتشفوا العروض الحية ضمن تفاصيل حياتهم اليومية؛ أثناء التنزه على الواجهة البحرية، أو زيارة حديقة، أو قضاء الوقت مع العائلة.— دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي
وهنا يكمن جوهر المبادرة: لحظات تواصل غير متوقعة. قد تصادف نوعاً موسيقياً لا تستمع إليه عادةً. وقد تكتشف فناناً لم تكن تعرفه من قبل. وربما تنظر إلى مساحة مألوفة بعين مختلفة. بل قد تتوقف عن التمرير لخمس دقائق كاملة، وهو أمر يبدو في عام 2026 أقرب إلى تجربة روحانية.
إذا كنتم تعيشون تجربة Music in the City، فالنصيحة بسيطة: تقبّلوا ما يأتي بلا توقّع. ترقّبوا العروض في أماكن غير معتادة، وأنصتوا إلى فنانين وأنماط موسيقية ربما لم تصادفوها من قبل، وانتبهوا إلى الأجواء التي تتشكّل حين تصبح الموسيقى جزءاً من الإيقاع اليومي للمدينة.
فأحياناً، لا تكون أفضل الخطط الثقافية خططاً أصلاً. أحياناً، يكفي أن تمشوا لتجدوا أنفسكم في قلبها.
:quality(75)/medium_Frame_1511851279_1_909eeea014.jpg?size=40.96)
:quality(75)/medium_oop_by_aasad148_1_1_433a09f118.jpg?size=28.73)
:quality(75)/medium_1_6931653749.jpg?size=28.42)
:quality(75)/medium_fotor_2026_06_14_19_29_12_bd6e82488e.jpg?size=18.37)
:quality(75)/medium_a_c_5ld_L_Tb_0_Tqc_unsplash_411dc6b69f.jpg?size=43.1)
:quality(75)/medium_Jalel_5945_1_1_78ec369d8e.png?size=708.04)