image

by Sana Bun

التبريد بالتصميم: أفكار عريقة تُلهم مدن الخليج في الغد

Photo: Getty images

على مدى عقود، اشتهرت منطقة الخليج بمشاريع تبني ما هو أكبر وأعلى وأسرع. أما اليوم، فهناك تحدٍّ مختلف يعيد تشكيل عمارتها: تصميم مدن تظل مريحة مع استمرار ارتفاع درجات الحرارة. ولا يأتي الحل من التكنولوجيا وحدها؛ إذ تستلهم العمارة المستجيبة للمناخ في مختلف أنحاء الخليج، وبشكل متزايد، أفكاراً راسخة منذ قرون. وبدلاً من التعامل مع التصميم التقليدي كفضول تاريخي، يعيد المعماريون قراءته وتوظيفه في مدن معاصرة. بهذا المعنى، باتت العمارة المستجيبة للمناخ تعني التعلّم من الماضي بقدر ما تعني التصميم للمستقبل.

والنتيجة جيل جديد من المباني والأحياء يجمع بين الهندسة المتقدمة ومبادئ صُقلت قبل زمن طويل من ظهور أجهزة التكييف.

أفكار قديمة تحل مشكلات معاصرة

لم يعد السؤال مقتصراً على كيفية بقاء العمارة القديمة باردة في قلب الصحراء، بل كيف يمكن للأفكار نفسها أن تساعد المدن على التكيّف مع صيف أشد حرارة، وطلب متزايد على الطاقة، وتوقعات متغيرة لما تعنيه الراحة في البيئة الحضرية.

اعتمدت تقنيات كثيرة في البناء العربي التقليدي على حلول سلبية بدلاً من الأنظمة الميكانيكية. فقد عملت الأفنية المظللة، والشوارع الضيقة، وأبراج الرياح، والجدران السميكة، وتوجيه المباني بعناية، معاً على تقليل اكتساب الحرارة وتحسين حركة الهواء.

نادراً ما يعيد معماريّو اليوم إنتاج تلك العناصر بحذافيرها؛ بل يعيدون تفسير المبادئ التي قامت عليها باستخدام مواد معاصرة، وتقنيات هندسية حديثة، ونمذجة رقمية.

image

الصورة: Getty Images

عمارة التبريد السلبي ترسم ملامح المباني الحديثة

ومن أبرز الأمثلة على ذلك تزايد الاهتمام بعمارة التبريد السلبي.

فبدلاً من الاعتماد الكامل على أجهزة التكييف، بات المعماريون يدمجون بصورة متزايدة بين التهوية الطبيعية، والتظليل الخارجي، وأغلفة المباني عالية الأداء، والتحكم في أشعة الشمس، للحد من الحاجة إلى التبريد قبل تشغيل أي أنظمة ميكانيكية.

وتستند كثير من هذه الاستراتيجيات مباشرة إلى تقنيات التبريد التقليدية في عمارة الشرق الأوسط، حيث كان تحقيق الراحة يعتمد على التكيّف مع المناخ لا التغلب عليه.

ولا يلغي هذا النهج دور التكنولوجيا، لكنه يقلل مقدار ما نحتاج إليه منها لتوفير بيئات داخلية مريحة.

image

الصورة: فانبرن غونسالفيس

أبراج الرياح في عمارة الخليج الحديثة تبدو مختلفة اليوم

ولعلّ برج الرياح هو أوضح مثال على هذا التطوّر.

كانت البراجيل التاريخية تلتقط النسمات السائدة وتوجّهها إلى داخل المباني اعتماداً على حركة هواء طبيعية بالكامل. ونادراً ما يعيد المعماريون المعاصرون اليوم بناء تلك الأبراج بصورتها الحرفية، إلا أن مبادئها لا تزال تؤثر في أبراج الرياح ضمن عمارة الخليج الحديثة، من خلال استراتيجيات التهوية والتظليل الشمسي وتصميم الواجهات بما يحسّن تدفق الهواء ويحدّ من اكتساب الحرارة.

وتُعدّ مدينة مصدر في أبوظبي من أشهر الأمثلة على ذلك. إذ يجمع مخططها العام بين الشوارع الضيقة المظللة، وتوجيه المباني، وقراءة معاصرة لبرج الرياح التقليدي، إلى جانب النمذجة البيئية الحديثة، بهدف تقليل الطلب على التبريد وتعزيز راحة المشاة.

image

الصورة: Still ePsiLoN

العمارة المستدامة في الشرق الأوسط تعيد قراءة التقاليد

من أبرز التحولات في العمارة المستدامة في الشرق الأوسط أنّ العمارة المحلية لم تعد تُعامل بوصفها تراثاً فحسب.

فالمشاريع باتت تميل أكثر إلى إعادة تفسير مبادئ التصميم التقليدي، بدلاً من استنساخ المباني التاريخية.

ففي أبوظبي، على سبيل المثال، تتميّز أبراج البحر بواجهة ديناميكية مستوحاة من المشربية التقليدية. إذ يستجيب نظام التظليل الخارجي تلقائياً لموقع الشمس، ما يساعد على الحد من اكتساب الحرارة الشمسية، مع استحضار عنصر معماري يعود إلى قرون مضت.

المبدأ مألوف، لكن التقنية معاصرة تماماً.

image

الصورة: Popup Agency

عمارة المدن الخليجية تتجاوز المباني المنفردة

كما أن النقاش لم يعد مقتصراً على العمارة بحد ذاتها.

فباتت عمارة المدن الخليجية تنظر، على نحو متزايد، إلى كيفية استجابة الأحياء بأكملها للمناخ، بدلاً من التركيز على المباني كلٌ على حدة.

ويتجلى ذلك في الاهتمام المتزايد بالتصميم الحضري المستدام في دبي والرياض، حيث أصبحت المساحات العامة المظللة، وقابلية التنقل مشياً، والتنسيق الطبيعي، والأحياء متعددة الاستخدامات، وراحة المشاة عناصر أكثر حضوراً في خطط التطوير طويلة المدى. فالغاية ليست إنشاء مبانٍ فعالة فحسب، بل جعل قضاء الوقت في الهواء الطلق أكثر راحة كلما سمح المناخ بذلك.

image

الصورة: نازار سكالاسكي

مدن المستقبل في الشرق الأوسط تستلهم التصميم المحلي التقليدي

تكشف بعض أكثر المشاريع طموحاً في المنطقة كيف يمكن للأفكار التقليدية أن تثري العمران المعاصر.

تستند مدينة مصدر على نطاق واسع إلى مبادئ التخطيط المحلي التقليدي، مثل النسيج العمراني المتقارب، والشوارع المظللة، والتبريد السلبي، إلى جانب الطاقة المتجددة والبنية التحتية الذكية.

كما يجمع مشيرب قلب الدوحة بين الأنماط العمرانية التقليدية وإجراءات الاستدامة الحديثة. فقد وُجّهت الشوارع بما يحقق أقصى قدر من الظل ويستفيد من حركة النسيم، فيما تتكامل واجهات المباني وأنظمة التبريد المركزي والمساحات العامة لتعزيز الراحة الحرارية.

وتشير هذه المشاريع إلى أن العمارة المستلهمة من مناخ الصحراء لا تعني استنساخ الماضي، بل تكييف استراتيجيات بيئية أثبتت فعاليتها لتلائم مدن اليوم.

تصميم مدن قادرة على مواجهة الحرّ الشديد

لا يقتصر تحدي تصميم المدن لمواجهة الحرّ الشديد على العمارة وحدها، بل يتجاوزها بكثير.

فالأشجار، والممرات المظللة، ووسائل النقل العام، والساحات العامة، واتجاهات الشوارع، كلها عوامل تؤثر في تجربة الناس للمدينة خلال الصيف. وقد يشجع مسار مشي مريح على النشاط في الهواء الطلق بقدر ما يفعل مبنى مبتكر.

ومن المرجح أن تكون هذه النظرة الأوسع هي ما يرسم مستقبل المدن القادرة على الصمود مناخياً. ستبقى المباني مهمة، وكذلك المساحات التي تتخللها.

ولعل هذا هو الدرس الأهم الذي تقدمه العمارة التقليدية. فقد لا تكون أنجح مدن الخليج في المستقبل تلك التي تمتلك أقوى أنظمة التبريد، بل تلك المصممة منذ البداية لتحتاج إلى قدر أقل من التبريد.