:quality(75)/large_5_R5_A4265_1_9f2c8f521c.jpg?size=106.82)
by Barbara Yakimchuk
بحثاً عن الهوية الجمعية لليبيا في عمق آلاف السنين: تعرّفوا إلى شفاء سالم
أحبّ أن أتعامل مع الفن كأنه تجربة صغيرة، لذا إليكم هذه التجربة. فتّشوا في ذاكرتكم واذكروا لي أول ثلاثة أشياء تخطر في بالكم حين أقول: التاريخ الليبي. الربيع العربي؟ الصحراء الشاسعة؟ النفط؟ لا بأس.
والآن لنزيد التحدي قليلاً. اذكروا ثلاثة أشياء عن التاريخ الليبي القديم تحديداً. أراهن أنكم ستلوذون بالصمت. وبصراحة، قبل أن أتعرف إلى أعمال شفاء سالم، ربما كنت سأفعل الشيء نفسه تماماً.
بالنسبة إلى شفاء سالم، ليس ذلك الصمت نهاية الحديث — بل هو حيث يبدأ الحديث الحقيقي. فقد جعلت الفنانة الليبية المعاصرة من استكشاف هذا الصمت مهمة لها. ومن خلال لوحات ضخمة يستغرق إنجازها غالباً ما يصل إلى ثلاثة أشهر، تجمع بين فنون الصخور من عصور ما قبل التاريخ، والأساطير المنسية، والاكتشافات الأثرية، وتواريخ القبائل، لتطرح سؤالاً بسيطاً: ماذا لو كان مفتاح فهم ليبيا لا يكمن في ماضيها القريب، بل في آلاف السنين التي سبقته؟
أعمالها متعددة الطبقات — وأعني ذلك حرفياً. فكل شخصية، وكل قطعة لباس، وكل إيماءة، وكل لون، وكل تفصيل معماري حاضر هناك لسبب، تسنده أشهر من البحث الأثري والتاريخي. فلنمضِ إذاً — أعمق في عالمها الفني، وشفاء ستكون دليلنا.
:quality(75)/large_MG_3333_1_97bb358a48.jpg?size=80.49)
— كانت دراستك الأصلية في العمارة والتخطيط الحضري. كيف قادك المسار إلى احتراف الفن بدلًا من ذلك؟
— في الحقيقة، كنت أعرف أنني أريد التوجه إلى الفن قبل دخولي الجامعة بوقت طويل. كانت المشكلة أن مدينتي في ليبيا لم تكن تضم قسمًا متخصصًا للفنون، فكانت العمارة أقرب مجال يمكنني دراسته. لكنني حين بدأت الدراسة أدركت أنها أقرب إلى الهندسة منها إلى الفن. لذلك، وبينما كنت أتابع دراستي الجامعية، كنت أعلّم نفسي الرسم، وأجرّب تقنيات مختلفة، وأطوّر ممارستي الفنية تدريجيًا. كان الأمر أشبه بدراسة تخصصين في الوقت نفسه.
في منتصف المرحلة الجامعية تقريبًا، كنت قد حسمت رغبتي في أن أمنح الفن كامل اهتمامي. بدأت أتعامل مع دراستي بذكاء أكبر بدل الاكتفاء ببذل جهد مضاعف، كي أخصص وقتًا أطول للرسم. لكنني حين أعود بذاكرتي إلى تلك السنوات، لا أراها منعطفًا جانبيًا. فقد منحتني العمارة طريقة مختلفة في التفكير، ومهارات عملية ما زالت تؤثر في مساري الإبداعي حتى اليوم. لم أمارس العمل المعماري قط، لكنني تعاونت مع معماريين ومخططي مدن في تصميم منحوتات للأماكن العامة في بنغازي، ولذلك ما زال المجالان يلتقيان بطريقة ما.
وعندما تخرجت، كان لدي بالفعل رصيد متين من الأعمال، وبعد أربعة أشهر فقط أقمت معرضي الفردي الأول. ومن نواحٍ كثيرة، لم أشعر بأنه تغيير في المسار المهني بقدر ما كان خطوة طبيعية تلت سنوات من العمل الهادئ باتجاهها.
— كيف كان رد فعل عائلتك عندما قررت احتراف الفن؟
— أعتقد أنهم كانوا يدركون مدى جديتي. بحلول ذلك الوقت، كانت أعمالي تتحدث عن نفسها، فتقبلوا أن هذا هو الطريق الذي اخترته. ومع ذلك، يبقى الأهل أهلًا في نهاية المطاف، وأتخيل أن جزءًا منهم لا يمانع أن أستفيد من شهادتي في العمارة أيضًا. هم سعداء لأنني أكملت دراستي الجامعية، وربما سيكونون أكثر سعادة لو وجدت بطريقة ما سبيلًا يجمع بين العالمين.
:quality(75)/large_53317883_2247647378885766_3011422590242652160_o_1_1592a99d9c.jpg?size=89.28)
— قلتَ إنك كنت تعرف دائماً أنك تريد أن تصبح فناناً. من أين تظن أن هذا الميل جاء؟
— أظن أن الموهبة كانت موجودة لديّ دائماً، لكن الحرب منحتني الوقت والسبب لاكتشافها. لم يكن هناك الكثير مما يمكن فعله، لذلك كنت أقضي أيامي في الرسم والتدرّب، وغالباً ما أبدأ في الصباح الباكر وأعمل لساعات.
كانت الحياة أثناء الحرب تختلف كثيراً بحسب المكان الذي تعيش فيه. حالفنا الحظ لأن بيتنا كان في جزء مستقر نسبياً من بنغازي، بينما كانت المعارك تدور في مناطق أخرى من المدينة. ومع ذلك، كنا نستيقظ على أصوات القنابل وإطلاق النار شبه يومياً. كان الخروج إلى الشارع قد يكون خطراً، وكانت الرصاصات الطائشة تصل أحياناً إلى حيّنا. كنا أوفر حظاً من كثيرين غيرنا، لكن حين يصبح ذلك جزءاً من حياتك اليومية، تبحث تلقائياً عن مكان آخر تلجأ إليه بذهنك.
بالنسبة إليّ، كان ذلك المكان هو الفن. فقد أصبح وسيلة لفهم نفسي، وفي الوقت نفسه لخلق عالم يتجاوز ما كان يحدث في الخارج.
— يستجيب كثير من الفنانين المعاصرين للحاضر، لكن أعمالك تعيدنا آلاف السنين إلى ماضي ليبيا. ما الذي جذبك أولاً إلى ليبيا ما قبل التاريخ، وإلى التحنو والتمحو وغيرها من الحضارات القديمة؟
— في البداية، كانت أعمالي أكثر ذاتية بكثير؛ كانت تدور حول التأمل في نفسي. لكن مع الوقت، تحوّل ذلك نحو شيء أوسع: فكرة الهوية الجماعية. بعد كل ما مرّت به ليبيا، وجدت نفسي أطرح سؤالاً بسيطاً: ما الشيء الذي يربطنا حقاً كليبيين؟
كلما فكرت في الأمر أكثر، أدركت أن ذاكرتنا التاريخية المشتركة نادراً ما تمتد إلى ما قبل الفترة الإسلامية. وقد تشكّل ذلك إلى حد كبير بفعل نظام التعليم والبيئة السياسية التي نشأت فيها. لذلك بدأت أبحث أبعد بكثير في الماضي، على أمل أن أجد شيئاً أعمق يمكن أن يجمعنا جميعاً. وخلال ذلك البحث، تعرّفت إلى الكاتب محمد الترهوني، الذي عرّفني إلى تاريخ ليبيا القديم بإعارتي كتبه. وقد غيّر ذلك اتجاه عملي بالكامل.
:quality(75)/large_1634772856025_1_fdbe690696.jpg?size=53.82)
:quality(75)/large_IMG_3371_1_b3cabfd953.jpg?size=89.94)
— كيف التقيتِ به؟
— حدث ذلك خلال الحرب. كان قد أسّس منظمة تُعنى بالفن والثقافة، وكأنها محاولة لمقاومة كل ما كان يجري من حولنا. أتذكر أنني رأيت في الفكرة قدراً كبيراً من الأمل، في وقت كان الأمل فيه شحيحاً. انضممت لأنني أردت أن أكون جزءاً من ذلك المناخ؛ مكاناً يتيح للناس مساحة للتفكير في ما يتجاوز الصراع.
منذ ذلك الحين ونحن صديقان، وما زلنا نعمل معاً حتى اليوم. قبل نحو ستة أشهر، أسّسنا Teshuinat، وهي منظمة مكرسة للبحث في التراث القديم في ليبيا وأرشفته. نسافر إلى المواقع الأثرية لتوثيقها وأرشفتها، وقد نشرنا مؤخراً كتاباً عن أحدها — الجبال السوداء. وفي إطار ذلك المشروع، أعدتُ رسم كثير من النقوش القديمة التي وجدناها هناك.
:quality(75)/large_IMG_7026_JPG_1_9cbbc7257e.jpg?size=90.9)
— أعلم أن لوحاتك تقوم على قدر كبير من البحث. بعد أن تعثر على حكاية ترغب في سردها، كيف تحوّلها إلى عمل مكتمل؟
— غالباً ما تبدأ المسألة بنقش أو لوحة أو قصة تاريخية تستوقفني. وما إن تتضح لي الفكرة التي أريد التعبير عنها حتى يبدأ البحث. وبما أنني أرسم بأسلوب واقعي، فإن كل تفصيل يصبح مهماً: الملابس، والعمارة، والألوان، والأشياء، وحتى درجات بشرة الشخصيات. إنه مزيج من البحث الأثري والإثنوغرافي، ولا أبدأ في بناء التكوين إلا بعد أن أجمع ما يكفي من المواد.
— وماذا عن الأشخاص في لوحاتك؟ من أين يأتون؟
— في البداية، كنت أستعين بنفسي كنموذج. ثم استعنت بأفراد عائلتي، وبعدهم بأصدقائي. وفي مرحلة ما نفد كل من أعرفهم، فاضطررت إلى البحث في أماكن أخرى. الأمر يشبه إلى حد ما اختيار ممثلين لفيلم؛ فأنت لا تبحث فقط عن شخص يملك الملامح المناسبة، بل عن شخص ينسجم فعلاً مع الشخصية، وقادر على نقل الإحساس المطلوب. لذلك أختار بدقة شديدة.
أتذكر أنني طلبت من شخص يملك البنية الجسدية التي كنت أحتاج إليها بالضبط أن يقف نموذجاً لإحدى اللوحات. من الناحية البصرية كان مثالياً. لكن ما إن بدأنا حتى أدركت أنه لم يكن حاضراً داخل الشخصية من الناحية العاطفية. عندها فهمت أن النموذج يقدّم ما هو أبعد بكثير من المظهر؛ إذ عليه أيضاً أن يعيش تلك اللحظة من الداخل.
:quality(75)/large_Untitled_Panorama_1_1_f143ee93c1.jpg?size=114.26)
— تتسم لوحاتك بتفاصيل مذهلة. كم يستغرق عادةً إنجاز عمل واحد؟
— عادةً ما يستغرق الأمر ما بين شهرين وثلاثة أشهر من العمل اليومي. ويشمل ذلك مرحلة البحث، مع أن تنفيذ اللوحة نفسها يستغرق دائماً وقتاً أطول بكثير. وهناك سببان رئيسيان لذلك: كِبر حجم اللوحات، وحرصي الشديد على التفاصيل. لو أردت أن أرسم بأسلوب أكثر تحرراً، لتمكنت على الأرجح من الانتهاء بوتيرة أسرع، لكن هذه لم تكن يوماً طريقتي. كل تفصيل يجب أن يستحق مكانه. لا أريد أن أنجز لوحة كبيرة لمجرد ضخامة الحجم؛ فإذا كانت بهذا الاتساع، فلا بد أن يكون لوجودها مبرر.
:quality(75)/large_MG_1661_1_763bb5e033.jpg?size=55.46)
— يبدو عملك كأنه يقف في منطقة ما بين الفن وعلم الآثار. من أين تبدأ بحثك فعلياً؟
— يأتي بحثي من مصادر متعددة. إذا كنا نتحدث عن تاريخ ليبيا القديم، فإن هيرودوت يُعدّ من أقدم هذه المصادر؛ فقد سافر عبر المنطقة ووثّق القبائل الليبية: كيف كانت تعيش، وماذا كانت تأكل، وكيف كانت تفكر وتنظّم حياتها. هذا أحد الأسس التي أنطلق منها.
من هناك، أنتقل إلى أبحاث أثرية أكثر تخصصاً. أمضي وقتاً طويلاً مع أعمال عالم الآثار الإيطالي فابريتسيو موري، ولا سيما دراساته عن جبال أكاكوس، حيث اكتشف أيضاً واحدة من أقدم المومياوات في المنطقة. أستعين كذلك بمنشورات فان ألبادا، التي تركز على هضبة مساّك القريبة، وبأبحاث إريك بي. أبهيل حول القبائل الليبية الشرقية وصلاتها بمصر القديمة.
لكن الكتب ليست سوى جزء من العملية. في كثير من الأحيان أذهب مباشرة إلى النقوش الصخرية نفسها. وبعد سنوات من تأملها ودراستها، تبدأ في فهم لغتها البصرية. ومع الوقت، تكاد هذه النقوش تنطق بذاتها، ومن هنا يبدأ التأويل.
— الفن الصخري القديم والنقوش الصخرية لا تأتي مرفقة بشرح. كيف تبدأ في فهم ما تحاول هذه الصور قوله؟
— يأتي البحث دائماً أولاً؛ فهو يمنحني الأساس. لكن بعد سنوات من القراءة، وزيارة المواقع الأثرية وتوثيقها، تبدأ في ملاحظة أنماط لا تظهر للوهلة الأولى. تبدأ بالتعرّف إلى المراحل المختلفة للفن الصخري الليبي: عصر الحيوانات البرية الضخمة، وفترة الرؤوس المستديرة، ثم فترات الأبقار والخيول والجِمال. كل مرحلة منها تعكس بيئة مختلفة تماماً وطريقة حياة مغايرة. ومع مرور الوقت، تكاد تتعرّف إلى اللغة البصرية التي كانت هذه الجماعات تستخدمها.
:quality(75)/large_Whats_App_Image_2026_05_12_at_05_47_05_1_6c7a83ec66.jpg?size=122.91)
— هل غيّر عملك مع «تشوينات» الطريقة التي تقرأ بها تلك اللغة البصرية؟
— إلى حدّ كبير. فالعمل مباشرة في المواقع الأثرية نقل فهمي إلى مستوى أعمق بكثير. نحن نتعامل عن قرب مع الفن الصخري، ونتبادل الأفكار باستمرار ونقارن الملاحظات. ومع مرور الوقت، قادتنا تلك النقاشات إلى النظر إلى الفن الصخري الليبي من زاوية لم تُستكشف فعلياً من قبل.
— وما هذه الزاوية؟
— الشامانية. حتى الآن، لم يُدرَس الفن الصخري الليبي فعلياً من هذا المنظور، لكن ما إن تبدأ النظر إليه بهذه الطريقة حتى تبدو كثير من الرموز والمشاهد مفهومة على نحو مفاجئ. كما بدأنا نقارنها بتقاليد لا تزال حيّة في أجزاء من أفريقيا والأميركتين، حيث حافظت مجتمعات هناك على ممارسات طقسية وتواريخ شفوية مشابهة. ومن اللافت أن نرى لغات بصرية شديدة التقارب تظهر في أماكن متباعدة جغرافياً إلى هذا الحد. بالنسبة إليّ، هذا أحد أكثر جوانب البحث إثارة: إدراك أن هذه الصور القديمة قد تكون جزءاً من حكاية إنسانية أوسع بكثير، لا تخص ليبيا وحدها.
:quality(75)/large_IMG_9808_1_cbdd04ccec.jpg?size=119.7)
— لنتأمل بعض أعمالك عن قرب أكثر، كي نفهم مقاربتك الفنية بصورة أفضل. من بين لوحاتك المبكرة مدينتي حزينة أكثر من أي وقت مضى. ما الحكاية التي ترويها؟
— رسمتُها أثناء الحرب، حين كنتُ لا أزال في الجامعة. أذكر أنني خططتُ أفكارها الأولى خلال إحدى المحاضرات. في ذلك الوقت، كنت أحاول أن أجمع المدينة وذاتي في صورة واحدة.
تخيّلت بنغازي، مدينتي، على هيئة تكاد تكون بشرية. ورغم أنني منحت المدينة ملامح أنثوية، أبقيتُ الشكل غامضاً عن قصد، لأن ما كان يحدث لها كان يتجاوز فكرة الجندر. كما قضيت وقتاً في البحث في عمارة بنغازي التقليدية، لذلك يحاكي شكل رأس الهيئة البيوت القديمة في المدينة.
حول هذه الهيئة ستلاحظون سلسلة من المكعبات. بالنسبة إليّ، كانت تمثل الصراع وهو يحاول أن يحاصر المدينة ويضعها داخل صندوق. لكنها، في الوقت نفسه، ترفض الاستسلام لذلك. هناك مكعب تحمله في يدها، وآخر ابتلعته بالفعل. المدينة ليست أسيرة تلك الصناديق؛ بل تمتصها وترفض أن تتركها تعرّفها أو تختزلها.
:quality(75)/large_5485_1_ef84b1e26a.jpg?size=96.84)
— من اللوحات التي بقيت عالقة في ذهني لوحة الغناء المقدّس. ما الحكاية وراءها؟
— بدأت الحكاية كلها من شخصية تاريخية واحدة. أثناء بحثي في مصر القديمة، صادفت قصة مغنية ليبية أدّت طقوسها داخل مقبرة مصرية. في البداية بدا الأمر تفصيلاً صغيراً، لكن كلما قرأت أكثر اتّضح لي كم هو استثنائي. لم تكن مجرد مغنية؛ بل كانت تشغل مكانة روحية رفيعة، ولم يكن يُسمح بأداء تلك الطقوس إلا لشخص ينتمي إلى قبيلة المشواش الليبية.
دفعني ذلك فوراً إلى التساؤل: لماذا ليبية؟ إذا كانت امرأة من ليبيا تتولى موقعاً بهذه الأهمية في الحياة الدينية المصرية، فماذا يخبرنا ذلك عن أصل هذه المعتقدات وكيف انتقلت؟ قراءتي للأمر هي أن الجفاف حين أجبر المجتمعات الليبية القديمة على الهجرة، حملت معها ليس أفرادها فحسب، بل طقوسها ورموزها وطرائق تفكيرها أيضاً. ومن نواحٍ كثيرة، تتناول اللوحة رحلة فكرة بقدر ما تتناول رحلة إنسان.
ومع أن القصة تدور في مصر، وضعتُ المغنية داخل فضاء معماري ليبي. تستند الخلفية إلى موقع حقيقي في ليبيا، مع بعض الإضافات المستوحاة من الرموز الليبية. أردتُ أن تعكس اللوحة نفسها هذا التبادل الثقافي، وأن تجمع بين مكانين غالباً ما يتعامل معهما التاريخ كما لو كانا منفصلين.
:quality(75)/large_Frame_1511851298_d9c8083db1.jpg?size=68.59)
— مشدود إلى اليابسة يروي قصة مختلفة تماماً. من أين جاءت الفكرة؟
— رسمتها خلال الحرب بعد أن شاهدت فيلماً وثائقياً عن مهاجرين يحاولون الوصول إلى أوروبا بحثاً عن حياة أفضل. خاطروا بكل شيء أملاً في بداية جديدة، لكنهم انتهوا إلى العمل في مزارع الطماطم مقابل أجر زهيد جداً. عندها أدركت أن الهروب من محنة قد يقود أحياناً إلى محنة أخرى.
في الوقت نفسه، تذكرت قصة لغابرييل غارسيا ماركيز عن عائلة تهاجر إلى أميركا. تموت الأم أثناء الرحلة، وتترك ابنها الصغير وحيداً. يصل الفتى إلى الشاطئ، لكن معاناته لا تكون قد بدأت إلا للتو. يصفه ماركيز بأنه «غريق على اليابسة»، وبقيت تلك الصورة عالقة في ذهني. ومن هناك انطلقت اللوحة عاطفياً.
:quality(75)/large_DSC_0250333_1_cbf696c938.jpg?size=144.62)
— أيّ لوحاتك تشعر بأنها الأقرب إلى شخصك؟
— بلا تردّد، مدينتي أكثر حزناً من أي وقت مضى. كانت أول لوحة أصلية لي بكل معنى الكلمة، وهي تمثّل مدينتي كما تمثّل تجربتي الشخصية في عيش الحرب. وبطرق كثيرة، تؤرّخ أيضاً لبداية رحلتي الفنية.
— إذا كان شخص ما لم يرَ أعمالك من قبل، وكان بوسعك أن تعرض عليه لوحة واحدة فقط، فأيّ لوحة ستختار؟
— سأختار الصراع الليبي-اليوناني لأنها، بالنسبة إليّ، تجمع كل ما يدور حوله عملي: البحث، والسرد، والرمزية، والجانب التقني في الرسم، في عمل واحد.
تستند اللوحة إلى أسطورة يونانية عن هرقل وأنتايوس. كان أنتايوس عملاقاً ليبياً يحرس شواطئ البلاد، بينما كان على هرقل أن يعبر ليبيا ليُنجز واحداً من أعماله الاثني عشر ويسرق التفاحات الذهبية للخلود. للوهلة الأولى، تبدو الحكاية كأنها قصة رجلين يتقاتلان. لكنني لم أرها حقاً بهذه الصورة قط.
التفصيل الجوهري هو أن أنتايوس يستمد قوته من الأرض نفسها. والطريقة الوحيدة التي يستطيع هرقل هزيمته بها هي أن يرفعه عن الأرض. بالنسبة إليّ، هنا تكمن القصة الحقيقية. فالأمر لا يتعلّق بالقوة الجسدية إطلاقاً، بل بالجذور. ما إن تُنتزع الشعوب من أرضها وثقافتها وهويتها، حتى يصبح التغلب عليها أسهل بكثير. ولهذا لطالما رأيتُه صراعاً ثقافياً لا جسدياً.
تحيط بهما شخصيتان نسائيتان: أثينا، التي تمثّل اليونان، وليبيا نفسها ممثّلة في هيئة امرأة. أجد هذه الرمزية آسرة، لأننا غالباً ما نربط الشخصيات النسائية المجازية بأوروبا، مع أن ليبيا القديمة امتلكت واحدة أيضاً. هذا الاكتشاف جعلني أدرك كم من النساء الاستثنائيات يظهرن عبر التاريخ الليبي، رغم أنهن نادراً ما يكنّ جزءاً من النقاش اليوم.
في الواقع، أصبحت هذه الفكرة أحد المحاور التي وجّهت معرضي الفردي الأخير. تعمّدت اختيار موضوعات تعيد هؤلاء النساء إلى الواجهة — من ليبيا نفسها إلى الأمازونيات الليبيات وشخصيات نسائية أخرى أدّت أدواراً مهمة في تاريخنا. أردت أن أذكّر الناس بأنهن كنّ حاضرات دائماً؛ لكننا ببساطة توقّفنا عن سرد قصصهن.
:quality(75)/large_Untitled_Panorama_2_copy_1_d281a72ad0.jpg?size=120.37)
:quality(75)/medium_hero_shot_2_courtesy_of_guggenheim_abu_dhabi_1_2724711f74.jpg?size=64.68)
:quality(75)/medium_IMG_2064_1_3_700ce5fde5.jpg?size=62.1)
:quality(75)/medium_abdulmohsen_d66186ffb6.jpg?size=21.33)
:quality(75)/medium_03_1_1_ccbe23e38d.jpg?size=77.48)
:quality(75)/medium_Save_Clip_App_456035839_18447836560044161_5656747975832220870_n_1_1_c004c58b99.jpg?size=51.27)
:quality(75)/medium_Save_Clip_App_473137618_18474476257007895_2535680158508068897_n_1_d08f6c8b8a.jpg?size=85.02)