:quality(75)/large_image_1291_3_76abfc1ef7.jpg?size=83.23)
by Barbara Yakimchuk
كرمة بنت عباس: «مهما كان ما أمرّ به، يبقى الفنّ ملاذي الذي أعود إليه»
بالنسبة إلى كرمة بنت عباس، لم يكن أن تصبح فنانة قراراً كبيراً واحداً. وحين تستعيد البدايات، يبدو الأمر أشبه بسلسلة من إشارات صغيرة كانت حاضرة منذ البداية، تنتظر أن تتصل ببعضها.
بدأ الأمر بدروس فنية مبكرة على يد أحد أكثر المعلّمين تقديراً في عمّان، حيث كان الإبداع يبدو لها أكثر طبيعية بكثير من الالتزام بأي منهج مدرسي صارم. ثم كانت جدتها — وهي فنانة أيضاً، ولا تزال أكبر داعمة لحفيدتها وأقسى ناقدة لها. وبعد ذلك جاءت نيويورك، حيث انتقلت كرمة لدراسة الفن، لتكتشف أن الابتعاد عن الوطن قرّبها أكثر من الثقافات التي نشأت محاطة بها، ومنحها وسيلة لتحويل تلك التأثيرات إلى لغة فنية تخصها وحدها.
لعل العثور على الشغف الحقيقي ليس لحظة إلهام كبرى كما نتصور. بالنسبة إلى كرمة، كانت تلك التفاصيل الصغيرة تتخذ مواقعها تدريجياً، كل واحدة تقود إلى الأخرى. تحدثنا معها عن مصادرها، وكيف شكّلت الفنانة التي هي عليها اليوم، وإلى أين تمضي بها بعد ذلك.
:quality(75)/large_image_1300_8237bdcef8.jpg?size=181.43)
— عرفتِ منذ سن مبكرة أنك تريدين أن تصبحي فنانة. من أين تعتقدين أن هذا الشغف جاء؟
— في الحقيقة، الإبداع حاضر بقوة في عائلتنا، خصوصًا من جهة والدي. جدتي فنانة، ووالدي يمتلك حسًا فنيًا واضحًا، وحتى جدي الأكبر كان يجرّب الرسم ورسم البورتريه.
لذلك كان الإبداع يحيط بي دائمًا وأنا أكبر، لكن الفن أصبح أمرًا أكثر خصوصية بالنسبة إليّ عندما بدأت أواجه صعوبات دراسية في المدرسة. لم أجد نفسي حقًا داخل ذلك النظام الصارم جدًا: الذهاب إلى المدرسة صباحًا، الجلوس إلى مقعد، واتباع الروتين نفسه حتى بعد الظهر. أظن أنني كنت أحتاج دائمًا إلى مساحة أكبر من الحرية لاكتشاف الأشياء بطريقتي الخاصة.
في تلك الفترة تقريبًا، بدأت أتلقى دروسًا لدى الفنان الأردني المعروف جدًا عزيز عمورة، الذي رحل عن عالمنا للأسف. لقد علّم عددًا كبيرًا من الفنانين في عمّان، ومنحنا تلك المهارات الأساسية الحاسمة. كنت أذهب إليه ثلاث مرات في الأسبوع، وأصبح ذلك المكان الوحيد الذي أستطيع فيه أن أنفصل عن كل ما عداه. هناك شعرت فعلًا بأنني أزدهر.
دفعني عزيز إلى متابعة الفن، لكنه، أكثر من ذلك، علّمني أن أحبه بصدق. كان الفن الشيء الذي يمنحني الثقة ويعينني على الاستمرار؛ كنت أعرف أنني أمتلك موهبة فيه، لكن الأهم بالقدر نفسه أنه كان شيئًا أحب فعله من أعماقي.
أعتقد أن ذلك أيضًا كان مصدر ذلك الإحساس الخفيف بالتمرد في الفن بالنسبة إليّ. فقد منحني مساحة لا أضطر فيها إلى التكيّف مع بنية جامدة إلى هذا الحد؛ كان بإمكاني أن أفكر بطريقة مختلفة، وأن أجرّب، وأن أثق بحدسي. وأظن أن تلك الحرية كانت جزءًا كبيرًا من إدراكي أنني أريد للفن أن يكون جزءًا من حياتي.
— كيف كان رد فعل والديك عندما أخبرتهما أنك تريدين أن تصبحي فنانة محترفة؟
— لحسن الحظ، كان والداي منفتحين وداعمين إلى أبعد حد. عندما كنت أكبر، كانت الفكرة السائدة من حولي أن الفن ليس بالضرورة مسارًا مهنيًا جادًا يمكن للمرء أن يسلكه؛ بل كان يُنظر إليه غالبًا كهواية. والداي لم ينظرا إليه بهذه الطريقة أبدًا.
شجعاني على تلقي الدروس، وساعداني في بناء ملف أعمالي، ثم دعما قراري بالانتقال إلى نيويورك لدراسة الفن. لقد كانا فعلًا العمود الفقري لكل ما أنا عليه اليوم، وأنا أشعر بامتنان كبير لذلك، لأنني أعرف أن ليس كل فنان يعيش التجربة نفسها.
في العائلات الأكثر تقليدية، قد يكون هناك ضغط كبير لاختيار مهنة تبدو أكثر أمانًا أو أكثر اعتيادًا؛ كالطب أو القانون، أو أي مسار واضح المعالم. كنت محظوظة جدًا لأن والديّ لم يحاولا أبدًا توجيهي نحو ذلك الاتجاه.
— لديك جذور فلسطينية وأردنية وتركية. كيف أسهم هذا المزيج من الثقافات في تشكيل أعمالك؟
— والدتي فلسطينية لكنها نشأت في الأردن، ووالدي أردني، وجدتي الكبرى كانت تركية؛ لذلك كبرت وأنا محاطة بهذه الثقافات كلها في الوقت نفسه. وعندما أستعيد الأمر الآن، أجد أن المنسوجات كانت الطريقة التي استوعبت بها تلك الثقافات على نحو طبيعي. كانت ببساطة جزءًا مما أراه من حولي، قبل وقت طويل من أن أفهم معنى أي منها.
لنأخذ الجانب الفلسطيني من عائلتي مثلًا: كانت هناك الأثواب التقليدية وتطريزاتها، وكنت دائمًا منجذبة إلى الرموز المطرزة عليها؛ ماذا تعني، وكيف صُنعت، ولماذا ارتبط التطريز ارتباطًا وثيقًا بالنساء وأدوارهن. ثم أضاف نشأتي في الأردن طبقة أخرى إلى هذا الفضول، من خلال النسيج البدوي. لم تكن الألوان والنقوش اللافتة وحدها ما يشدّني، بل السؤال الأعمق: لماذا نسج الناس أساسًا، ولماذا احتل القماش هذه المكانة المهمة في الحياة البدوية.
أما إرثي التركي فدخل المشهد بطريقة مختلفة. كنا نذهب إلى تركيا كل صيف، وأتذكر أنني كنت ألاحظ الوسائد الحريرية المطرزة، والزخارف الزهرية، والخرز المتقن؛ تفاصيل بدت مختلفة عمّا أراه في البيت، لكنها، بطريقة ما، كانت تتحدث اللغة البصرية نفسها. وهكذا، رغم أن هذه التقاليد جاءت من عوالم مختلفة، كانت المنسوجات هي الخيط الذي يربط بينها جميعًا.
ترسّخ هذا الشغف قبل وقت طويل من أن أمسك بالإبرة بنفسي. ولم يحدث ذلك إلا عندما انتقلت إلى نيويورك وبدأت أخذ دورات مختلفة؛ حينها بدأت أعود بنظري إلى كل ما نشأت محاطة به، وأفهم أخيرًا ثقله الثقافي، وأكتشف تدريجيًا كيف أنسج تلك التأثيرات المختلفة داخل عملي الخاص.
:quality(75)/large_image_1292_f62c83c0d6.jpg?size=118.37)
— بدأتِ/بدأتَ بالرسم والتصوير بأسلوب تقليدي إلى حدّ كبير، لكن أعمالك اليوم تبدو مختلفة تماماً. كيف وجدت طريقك إلى المنسوجات وإلى الأسلوب الذي تعمل به الآن؟
— في المرحلة الثانوية، كان أسلوبي في الرسم تقليدياً جداً؛ كانت التقنية هي كل شيء بالنسبة إليّ. كان تركيزي الأساسي أن أنظر إلى الشيء أمامي وأتعلم كيف أرسمه كما ينبغي: الظلال الصحيحة، وإعادة إنتاج ما أراه بدقة. لذلك لم يكن الأمر متعلقاً كثيراً بتطوير أسلوبي الخاص، بقدر ما كان تدريباً ليدي على الرسم.
بدأ ذلك يتغيّر عندما التحقت بمعهد برات. صرت أجرّب خامات ووسائط مختلفة، وفي مرحلة ما أخذت مساقاً بعنوان Interwoven كان يتناول تاريخ المنسوجات في الفن. خضنا ورشاً في النسيج، والتلبيد الجاف، وتقنيات أخرى، وفي أحد الأيام تعلمنا كيف نلبّد الصوف بالإبرة مباشرة على القماش.
بصراحة، كانت تلك واحدة من أكثر اللحظات المفصلية في مسيرتي. أتذكر أنني خرجت من ذلك الصف والحماس يملؤني، مع إحساس بأنني عثرت تماماً على ما كنت أبحث عنه، من دون أن أدرك أنني كنت أبحث عنه أصلاً. أعادتني تلك التجربة إلى شغف بالمنسوجات رافقني لسنوات، وفجأة منحتني طريقة لأمزجه بالرسم والتصوير.
وهكذا ما زلت أنظر إلى عملي اليوم. لا أشعر حقاً بأنني تركت الرسم أو التصوير خلفي؛ لقد غيّرت فقط الأدوات التي أستخدمها لتحقيق ذلك. أصبح الصوف هو طلاءي، والقماش المعاد استخدامه هو قلمي. في داخلي، ما زلت أرسم وأصوّر. كل ما في الأمر أنني أتحدث الآن بلغة مختلفة.
:quality(75)/large_image_1297_f22959c576.jpg?size=264.75)
:quality(75)/large_image_1298_d8f269822d.jpg?size=140.31)
:quality(75)/large_image_1302_d8347dad14.jpg?size=116.31)
— قرأت أيضاً أن جدتك كان لها تأثير كبير فيكِ. هل كانت هي نفسها فنانة؟
— نعم، جدتي في الواقع فنانة معروفة جداً في عالم الفن الإسلامي، وقد أسهمت بشكل كبير في المشهد الفني في الأردن وخارجه. لكن بصراحة، تأثيرها فيّ يتجاوز بكثير الأعمال التي أنجزتها.
ما صاغني حقاً هو شخصيتها. فهي صاحبة إرادة قوية على نحو لافت؛ تقول ما يدور في ذهنها بلا مواربة، ولا تخشى خوض المجازفات. وخلال نشأتي، كنت أراها عن قرب وهي تبني هوية لا تختزل في كونها «أماً» أو «زوجة» أو «ابنة». كانت تعرف تماماً ما تريده لنفسها، ومخلصة لمسيرتها المهنية بشراسة. لم تكن تتوقف عند نقطة واحدة؛ كانت دائماً تتطور وتستكشف وتدفع نفسها إلى أبعد.
أعتقد أن النساء عموماً، والنساء العربيات على وجه الخصوص، غالباً ما يُربَّين على تعريف أنفسهن من خلال علاقاتهن بالآخرين: من أنتِ كابنة أو زوجة أو أم. وقد رأيت كثيراً من النساء من حولي لديهن أحلام وطموحات، ثم يأتي الزواج أو الأمومة، ولسبب أو لآخر، تُزاح تلك الأحلام جانباً.
جدتي لم تفعل ذلك قط. ربّت أبناءها، وأسست عائلة، وأدارت كل ما يرافق ذلك من مسؤوليات، لكنها في الوقت نفسه أبقت أحلامها حيّة وواصلت العمل كفنانة. كان إلهامياً للغاية أن أراها توفّق بين كل تلك الجوانب المختلفة من حياتها من دون أن تتخلى عن الجزء الذي يخصها وحدها. لقد أرَتني أنكِ لستِ مضطرة بالضرورة إلى اختيار هذا أو ذاك؛ يمكنكِ أن تحملي كل تلك الأدوار، وأن تحتفظي في الوقت نفسه بشيء يخصكِ بالكامل.
أخبرتني أكثر من مرة أن الفن أنقذها في لحظاتها المضطربة. والآن، بعدما كبرت، أجد نفسي أتعرف إلى النمط نفسه تماماً في حياتي. مهما كان ما أمرّ به، أعود بطريقة ما دائماً إلى فني. هناك شيء في فعل الخلق يأخذ بيدي إلى الضفة الأخرى، ربما لأنه ينبع من مكان شديد الخصوصية في داخلي.
:quality(75)/large_123_11b3575504.jpg?size=95.35)
— وما رأيها في عملكِ؟ هل هي ناقدة داعمة؟
— بالتأكيد تنتقدني! كلما أريتها عملاً جديداً أستعد لما ستقوله، لأنني أعرف أنها ستخبرني برأيها بصراحة تامة. لا تجاملني أبداً، لكنني أرى أن هذا أمر جيد في الحقيقة.
وفي الوقت نفسه، هي فخورة بي جداً، وكانت من أهم الأسباب التي دفعتني إلى خوض مجال الفن من الأساس. لم تكن تهتم يوماً بما يظنه الآخرون، وكانت تقول لي دائماً إن المسار الإبداعي، أو أي مسار مهني يبدو مختلفاً بعض الشيء، يظل مساراً مشروعاً. نصيحتها لم تتغير يوماً: لا تصغي إلى توقعات الآخرين، واتبعي ما تريدينه وما تحبينه بصدق.
— كان انتقالكِ إلى نيويورك للدراسة في معهد برات بلا شك نقطة تحول كبرى في حياتكِ. كيف غيّر ذلك نظرتكِ إلى الفن؟
— عندما وصلت إلى برات للمرة الأولى، كنت إنسانة مختلفة تماماً. فجأة وجدت نفسي أعيش في بروكلين، وسط فنانين وأرواح حرة، في بيئة لا تشبه إطلاقاً تلك التي نشأت فيها في الأردن. لم يكن أحد يبدو منشغلاً بخوفه من أحكام الآخرين؛ كان الجميع يفعلون ما يريدونه ببساطة، وهذا منحني إحساساً حقيقياً بالحرية كي أستكشف.
لطالما أحببت الفن، لكن الطريقة التي تعلمته بها في المدرسة الثانوية كانت لا تزال شديدة التنظيم، مع تصورات واضحة لما ينبغي أن يبدو عليه الفن «الجيد تقنياً». في برات، كان عليّ أن أتخلى عن ذلك، وأن أبدأ في الإصغاء إلى عالمي الداخلي: ما أشعر به، وما أعيشه، ثم أكتشف كيف يمكن لكل ذلك أن يشكّل العمل.
ربما كان هذا أهم ما علّمني إياه برات: أن أنظر إلى الداخل وإلى الخارج معاً، وأن أتركهما يلتقيان على الصفحة؛ فالفن سجلّ لما يحدث من حولك، ولما يحدث في داخلك أيضاً.
كما أظهر لي برات أن المسار الإبداعي لا يجب أن يسير في طريق واحد محدد. التحقت هناك بدورة في رسم كتب الأطفال على نحو شبه عفوي، وها أنا اليوم أعمل بالفعل على كتاب من هذا النوع. لا أرى نفسي فنانة تقليدية محصورة في أعمال المعارض والتكليفات؛ أود أن أصنع مطبوعات، وأن أرسم، وأن أجرّب أشياء كثيرة. بالنسبة إليّ، هكذا تبدو الحياة الإبداعية: أن أتنقل بحرية بين الأشكال بدلاً من الاكتفاء باختيار شكل واحد فقط.
:quality(75)/large_Save_Clip_App_670297475_18112833697784964_194300682562404623_n_1_79c7d4bc1c.jpg?size=212.93)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_652665716_18173752915391087_792417217213247301_n_1_7e883b2a29.jpg?size=116.77)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_655690517_18115844257636257_5975018335753312345_n_1_1_ceb71893d5.jpg?size=171.15)
— هل يمكن أن نتحدث قليلاً عن الكتاب الذي تعملين عليه؟
— لا يزال في مرحلة التطوير، لذلك لا أستطيع الإفصاح عن الكثير الآن، لكنني أتعاون مع كاتبة ونبني القصة معاً. هذا المشروع قريب جداً إلى قلبي لأنه مستوحى من جدتي.
تتابع القصة جدة فنانة كما تراها حفيدتها الصغيرة وهي تكبر. لا تراها مجرد جدة، بل فنانة وروحاً حرة؛ امرأة تحمل طاقة شابة ومفعمة بالحيوية على نحو جميل.
والأجمل أن جدتي لا تعرف بالأمر بعد؛ أريده أن يكون مفاجأة لها. لكنها حاضرة في ذهني باستمرار وأنا أطور الصور: أسلوبها، مجوهراتها الكبيرة، شعرها الأحمر. لذلك، ورغم أنها لا تشارك مباشرة في صنع الكتاب، فإن حضورها ينساب في كل تفاصيله.
— هل تغيّرت ممارستك الفنية والموضوعات التي تعملين عليها منذ انتقالك إلى الولايات المتحدة؟
— بالتأكيد. عندما وصلت إلى Pratt للمرة الأولى، كنت ضائعة فعلاً ولا أعرف ما هو موضوعي أو أسلوبي الخاص. أتذكر أنني كنت جالسة في صف داخل الاستوديو وأخبرت أستاذي أنني لا أعرف ماذا أصنع. حتى تلك اللحظة، كنت معتادة على أن يكون أمامي شيء ما أنقله، ثم أحصل على تلك الإيماءة المُرضية من المدرّس: «لقد نسختِه ببراعة»، أو «ظلّلتِه بدقة تامة». كان هذا، بالنسبة إليّ، كل ما يفعله الفنان الناجح، لذلك كان عليّ أن أتخلى عن الكثير مما تعلّمته.
سألني أستاذي سؤالاً بسيطاً جداً: «بماذا تشعرين الآن؟» قلت له إنني أشعر بالحنين إلى البيت. فقال: «إذن اصنعي فناً عن ذلك».
هذا السؤال غيّر الكثير بالنسبة إليّ. بدأت أفكر في غرف المعيشة الشرق أوسطية التي كبرت حولها: بيتنا، وبيت جدتي، وكل تلك المساحات الداخلية المألوفة التي افتقدتها فجأة. أريكة جدي، ووسادة في غرفة نوم أمي، والألوان والنقوش التي بقيت في ذاكرتي؛ جمعت كل ذلك من الذاكرة. ومن هنا وُلد عمل Baiti، أي «بيتي» بالعربية.
بطريقة ما، كان Baiti بداية العثور على لغتي الفنية الخاصة، لأنه جعلني أدرك أن الأشياء التي أعرفها عن قرب، مثل البيت والعائلة والثقافة العربية والذاكرة، يمكن أن تصبح فعلاً مادة لعملي. والطريف أن ذلك حدث قبل أن أبدأ العمل بالمنسوجات بشكل فعلي، لكن المنسوجات كانت موجودة أصلاً، واضحة لمن يلتفت إليها. كنت أرسم النقوش وأستخدم الطلاء لمحاكاة القماش، لذا كان هذا الاهتمام جزءاً أصيلاً من العمل منذ البداية.
من هناك، اتسعت رؤيتي بشكل طبيعي. الابتعاد عن الوطن لم يجعلني أفكر فقط فيما أفتقده، بل جعلني أيضاً أكثر وعياً بالطريقة التي ينظر بها الآخرون إلى المكان الذي أنتمي إليه. في الولايات المتحدة، بدأت أفكر أكثر في كيفية فهم العرب والمسلمين والشرق الأوسط في الغرب، وفي حجم التصورات الخاطئة التي ما زالت تحيط بهم. أدركت أنني لا أريد لعملي أن يعكس علاقتي الشخصية بتلك الثقافة فحسب، بل أن يواجه أيضاً بعض تلك الافتراضات.
أنجزت عملاً مستوحى من سجادة صلاة، مثلاً، لكن بدلاً من الألوان التي قد يتوقعها المرء تقليدياً، استخدمت درجات وردية فاتحة وألواناً باستيلية، ونثرت فيه قلوباً وزهوراً ونجوماً. أردته أن يمنح إحساساً بالسكينة والدفء، وأن يتحدى فكرة أن الإسلام قاسٍ، أو أن شعوب الشرق الأوسط غير مسالمة بطبيعتها بطريقة ما.
وعندما أفكر في الأمر الآن، أجد أن Baiti كان يفعل شيئاً من ذلك بالفعل. بدأ من الحنين إلى البيت، لكنه تحوّل أيضاً إلى احتفاء بجمال الحياة العربية: العائلة، والمجتمع، والأهمية الكبيرة للتجمع. غرفة المعيشة تعني الكثير في ثقافتنا؛ فهي المكان الذي يجلس فيه الناس معاً، وتدور فيه الأحاديث، وتُصنع فيه الذكريات. أردت لذلك الدفء أن يظهر أيضاً.
:quality(75)/large_Save_Clip_App_620457764_18052060478443169_3822424556082518741_n_1_9e9fb7e2a3.jpg?size=201.25)
— أُقيم معرضك الأول في نيويورك أثناء دراستك في برات. هل كان ذلك ثمرة سعي واعٍ منك؟
— إطلاقاً، حدث الأمر على نحوٍ عفوي تقريباً. كنت في سنتي الأخيرة في برات، وكانت الأعمال المعروضة في الحقيقة مجموعة لوحات أنجزتها على مدى فصول عدة، بينما كنت لا أزال أبحث عن أسلوبي. لم أكن قد رسمتها وفي ذهني فكرة معرض، ولا حتى باعتبارها مجموعة واحدة من الأعمال؛ ومع ذلك، وبطريقة ما، جمعها موضوع واحد من دون أن أقصد ذلك.
تكاملت التجربة كلها بالمصادفة تقريباً. فمن خلال صديق فنان في نيويورك، تعرّفت إلى صاحبة غاليري في مانهاتن. التقينا على فنجان قهوة، وعرضت عليها أعمالي، ثم تطورت الأمور من هناك بسلاسة وبشكل طبيعي. كانت لديّ بالفعل كل تلك القطع من فصول سابقة، فبدأت أجمعها معاً، واكتشفت أنها تنسجم جنباً إلى جنب؛ كأنها تتحاور في ما بينها، ويجمعها خيط لم أكن قد تعمدت نسجه.
— ما أكثر عمل فني أنجزته وشعرت معه بالانكشاف؟
— هناك عمل يضم الركام والملائكة والفراشات يتبادر إلى ذهني فوراً، لكنني في الحقيقة أقول إن المجموعة الكاملة التي أنجزتها استجابةً لما كان يحدث في غزة ربما كانت أكثر ما قدّمته انكشافاً.
كنت في سنتي الأخيرة في برات عندما بدأت إنجاز تلك الأعمال، أعيش في نيويورك وأعمل بالفعل على أطروحتي. لم يكن الحديث عن فلسطين في الولايات المتحدة سهلاً دائماً في ذلك الوقت، لذلك بدا تحويل أطروحتي بأكملها إلى استجابة لما كان يحدث خطوة إيمانية كبيرة. لم يتفق الجميع معي، وكان هناك من لم يُعجب بالعمل أو بما كنت أفعله من خلاله. لكنني وصلت إلى مرحلة شعرت فيها بأن عليّ إنجازه ببساطة؛ كان ذلك هو الشيء الصحيح في تلك اللحظة.
غيّرت تلك التجربة لغتي البصرية أيضاً بشكل جذري. لم أعد أستطيع إنجاز أعمال مبهجة. فالورديات ودرجات الباستيل التي كنت ألجأ إليها عادةً لم تكن تعبّر عمّا أشعر به، لذلك اتجهت ألواني إلى درجات أكثر خفوتاً وعتمة، ووجدت نفسي أعمل برموز تحمل معاني أثقل بكثير.
لطالما آمنت بأن للفنانين دوراً في توثيق التاريخ؛ كلٌّ يفعل ذلك بطريقته بالطبع، لكن بالنسبة إليّ، في تلك اللحظة تحديداً، لم أستطع فصل ما كنت أبدعه عمّا كنت أشهده. شعرت بأن عليّ أن أنجز أعمالاً عن غزة.
:quality(75)/large_image_1293_8db86c82e3.jpg?size=120.4)
— حدّثنا عن العمل المستوحى من مشهد فلسطينيين يؤدّون الصلاة تحت مسجد مدمّر. ما الذي أردت أن تلتقطه فيه؟
— وُلد هذا العمل من صورة رأيتها لفلسطينيين يصلّون تحت مسجد كان قد دُمّر. تأثرت كثيراً بفكرة أنهم، رغم كل ما كان يدور حولهم، ظلّوا يؤدّون الصلاة. كان في ذلك التباين بين الدمار والإيمان شيء بالغ القوة.
العناصر الملوّنة في العمل هي سجاد صلاة. فسجادة الصلاة هي المكان الذي تبوح فيه بكل ما في قلبك وتخاطب الله، لذلك أصبحت بالنسبة إليّ رمزاً للصمود. لكن اللافت أن بعض الناس رأوا في تلك الأشكال نفسها توابيت عندما نظروا إلى العمل للوهلة الأولى. لم يكن ذلك مقصوداً إطلاقاً، لكنني وجدت في هذا التباين قوة لافتة — فما ابتكرته رمزاً للقوة يمكن أن يقرأه شخص آخر رمزاً للفقد.
:quality(75)/large_Save_Clip_App_552116727_18073606931112166_2756047474910826590_n_1_cb13fbf42e.jpg?size=302.64)
— عند النظر إلى هذه القطعة، لا يسعني إلا أن أتساءل: من أين تأتي كل هذه الأقمشة المختلفة التي تظهر في أعمالك؟
— بصراحة، من كل مكان — لديّ ولع واضح بالتقاط الأقمشة وجمعها أينما وجدتها. بعضها من عائلتي، وبعضها من مقتنياتي الشخصية، وأخرى صادفتها أو اشتريتها في مراحل مختلفة. إذا كان لدى أحد أفراد عائلتي فستان لم يعد يرغب في ارتدائه، آخذه بكل سرور، وقد تجد قطعة منه طريقها لاحقاً إلى عملي. أقصّ كل شيء بأشكال مختلفة، ثم ألبّد الأطراف بالصوف باستخدام الإبرة لتثبيتها معاً.
كثير من المنسوجات التي أستخدمها الآن يعود أيضاً إلى شهر قضيته في الهند. عندما عدت إلى الأردن بعد نيويورك، ذهبت إلى تشيناي، حيث تعيش خالتي مع زوجها الهندي، وقررت بشكل عفوي إلى حد ما أن ألتحق بدورة في الطباعة بالقوالب.
تعلمت التقنية وبدأت أطبع أقمشتي بنفسي، وفي الوقت نفسه كنت أجمع المنسوجات والطبعات التي أصادفها هناك. لذلك قد تجمع القطعة الواحدة بين قماش طبعته بنفسي في تشيناي، ومنسوجة اقتنيتها في الهند، وفستان كان يوماً لأحد أفراد عائلتي، وقطعة من ملابسي الخاصة.
— تتكرر الفراشات في أعمالك. ما الذي يجعلك تعودين إلى هذا الرمز؟
— دخلت الفراشات إلى عملي أول مرة استجابة لما كان يحدث في فلسطين. يغلب عليّ التفاؤل بطبعي، وحتى في الأوقات الصعبة أحاول دائماً أن أجد شيئاً إيجابياً أتمسك به. وبطريقة ما، أصبحت الفراشة هي الشكل الذي اتخذه الأمل.
وهناك أيضاً شيء بالغ الجمال أراه فيها. فهي ناعمة ورقيقة، ومع ذلك تحمل معاني كثيرة في ثقافات مختلفة — من التحوّل والأمل إلى أرواح من رحلوا عن عالمنا.
:quality(75)/large_image_1301_9e0619151c.jpg?size=112.39)
— هناك عمل آخر مستوحى من المشهد الطبيعي الأردني. ما الذي جذبك إلى هذا الموضوع؟
— أنجزتُ هذه القطعة في أبريل الماضي من أجل Affordable Art Fair في عمّان. كان الربيع قد حلّ، وكل شيء يكتسي بذلك الأخضر البديع، وأذكر أنني نظرت حولي فافتتنني المشهد تمامًا.
لطالما أحببتُ التباينات التي تجدها في الشرق الأوسط — الخضرة في مواجهة الجفاف، والكنائس والمساجد التي تظهر معًا في المشهد نفسه. في الأردن تجد كل ذلك، ومعه أيضًا الصحارى والجبال والبحر. إنه المشهد الذي نشأتُ عليه، لذلك يحمل بالنسبة إليّ بُعدًا شخصيًا واضحًا.
لم تكن وراء هذا العمل فكرة ثقيلة أو معقّدة، إن أردت الصراحة. كل ما أردته هو أن أصنع شيئًا نابعًا من محبتي لذلك المشهد ويبعث في نفسي السعادة. استعنتُ بالمواد التي أميل إليها بالفطرة — الصوف والمنسوجات — إلى جانب كفّ فاطمة، رمز الحماية في ثقافتنا.
:quality(75)/large_image_1295_764adb802c.jpg?size=167.44)

:quality(75)/medium_Ibrahim_Zaki_2_2_b3ae4c99a5.jpg?size=45.52)
:quality(75)/medium_a_c_e1_Qfwc5_Ms_Js_unsplash_6ae00521f1.jpg?size=90.89)
:quality(75)/medium_image_1289_6b6a4369e9.png?size=597.35)
:quality(75)/medium_mehrdadmosaferi_ac9a8fb7e3.jpg?size=35.21)
:quality(75)/medium_image_1544_2ccfe60579.jpg?size=64.76)
:quality(75)/medium_Claudette_6578a813e2.jpg?size=32.28)