image

by Barbara Yakimchuk

شجرة الصنوبر خيطٌ يصل بين عالمين: داخل معرض بيروت الجديد

إذا كنت في بيروت الآن، أو تنوي زيارتها خلال الأسابيع القليلة المقبلة، فاجعل هذا المعرض ضمن قائمتك. فبعض الفعاليات يمكن تجاوزها بسهولة، وبعضها لا يُفوّت إطلاقًا، وهذا المعرض ينتمي بوضوح إلى الفئة الثانية — موعد تُرتّب جدولك حوله، لا فعالية تحشرها بين المواعيد.

عن ماذا أتحدث؟ عن «أصداء الوجود» — المعروض في جناح نهاد السعيد للثقافة حتى 21 أكتوبر، حيث يجتمع جيلبير حلبي وإنزو كوكّي حول بطلة غير متوقعة تمسك بخيوط المعرض كلّها: شجرة الصنوبر.

نعم، نتحدث عن شجرة الصنوبر المألوفة جدًا. وقبل أن تعترض، دعني أنبّهك: الألفة لا تعني البساطة. هنا، تتحول هذه الشجرة إلى مدخل لحوارات أوسع بكثير عن علاقتنا بالمشهد الطبيعي، وبالطبيعة، والذاكرة، والتاريخ.

فما الذي نراه تحديدًا؟ وكيف يتكشف المعرض أمامنا؟ وما التفاصيل التي قد تفوتك إن لم تعرف أين تنظر؟ تجوّلنا في عوالمه برفقة قيّمة المعرض الرائعة، موريل أسمر.

image

ما الذي يجمع بين فنانين يبدوان كأن لا شيء مشتركًا بينهما؟

ينطلق كل معرض إما من فكرة تقودك إلى الفنانين، أو بالعكس: يصبح الفنانون هم مصدر الإلهام للفكرة. في هذا المعرض، جرى الأمر بالطريقة الثانية، وكان يمكن أن تبدو المهمة شائكة أمام القيّمة الفنية: فجیلبير حلبي وإنزو كوكّي ينتميان إلى بلدين وجيلين وتقاليد فنية مختلفة، كما أن أعمالهما تبدو متباينة تمامًا. يأخذك حلبي إلى مشاهد طبيعية مضيئة ذات طابع غرافيكي، تتشكل من صيغ مبسطة، فيما يقارب كوكّي المشهد من جهة مغايرة تمامًا — أكثر عتمة وخشونة وتعبيرية، حيث تتسلل إليه شخصيات غريبة وإحالات أسطورية. لكن حين تمعّنت القيّمة مورييل أسمر في أعمالهما، وجدت عنصرًا واحدًا يتكرر لدى الاثنين: المشهد الطبيعي.

كنت أعرف أعمال جیلبير حلبي وارتباطه العميق بالمشهد الطبيعي اللبناني، وتحديدًا بقريته وبالصورة المتكررة لشجرة الصنوبر لديه. وفي الوقت نفسه، اكتشفت أعمال إنزو كوكّي، وهي تحمل بدورها علاقة استثنائية بالطبيعة، لكن بطريقة مختلفة تمامًا — عبر الأسطورة والذاكرة والمشهد الروماني لا اللبناني. ينتمي الفنانان إلى جيلين مختلفين، وإلى خلفيتين ولغتين فنيتين متباعدتين للغاية. ومع ذلك، يعود كلاهما إلى المشهد الطبيعي.
— مورييل أسمر

لكن المشهد الطبيعي ليس سوى جزء واحد من الصورة. وإذا تتبّعنا شجرة الصنوبر أبعد قليلاً، نصل إلى ما هو أوسع: البحر الأبيض المتوسط نفسه. وما صلة ذلك بالموضوع؟ الخيط هنا أن لبنان وإيطاليا لا يبدوان ثنائياً بديهياً؛ فلكل منهما تاريخه ولغته وثقافته. ومع ذلك، يجلسان على البحر نفسه، بحر ظلّ على مدى قرون ينسج الصلات بين ضفتيهما عبر الهجرة والتبادل الثقافي.

تجعل شجرة الصنوبر هذه الصلة مرئية. فهي تنمو في أنحاء حوض المتوسط، بما في ذلك لبنان وإيطاليا، ولذلك تنتمي بصورة طبيعية إلى المشهدين اللذين يأتي منهما الفنانان. وفي المعرض، لا تعود رمزاً لأي من البلدين بقدر ما تصبح نقطة التقاء بينهما؛ شيئاً متجذراً في المشهد المتوسطي نفسه، رغم كل ما يفصل بينهما.

ما أثار اهتمامي شخصياً هو أنني لم أكن مضطرة إلى اختراع صلة بين الفنانين. كانت شجرة الصنوبر حاضرة أصلاً، في لغتيهما البصريتين وفي المشاهد الطبيعية التي يأتيان منها. ومن هنا جاء أيضاً عنوان أصداء الوجود. بالنسبة إليّ، الصنوبر شيء يبقى فيما يتغيّر كل ما حوله. إنه يحمل الزمن والذاكرة وآثار الحضور الإنساني.
— موريل أسمر
image

فأين تبدأ حكاية شجرة الصنوبر فعلاً؟

مع أنّ فنانَين — جيلبرت حلبي وإنزو كوكي — يقفان في صميم المعرض، اتخذت القيّمة خياراً لافتاً: فبدلاً من الاكتفاء بتقديم الفنانين وحدهما، تضع أمامنا أيضاً السياق الاجتماعي والتاريخي الفني الذي أحاط بهما؛ أي حكاية شجرة الصنوبر كما تمتد في الفن اللبناني خلال القرن العشرين، عبر الفنانين أنفسهم الذين أسهموا في تشكيل ما نسمّيه اليوم الحداثة اللبنانية.

ولِمَ يهمّ ذلك؟ لأن هذا الانشغال بالمنظر الطبيعي وبعلاقتنا به لم يظهر فجأة في مخيّلة فناني اليوم. إنه إرث يمكن تتبّعه إلى جيل أسبق من الرسامين اللبنانيين: عمر أنسي، ومصطفى فروخ، وسيزار الجميل، وعارف الريّس. وفي الأعمال المختارة لكل منهم، تحضر شجرة الصنوبر أيضاً، منسوجة في المشهد اللبناني.

لم أرغب في أن يوحي المعرض بأن الحكاية لم تبدأ إلا مع الفنانين المعاصرين، لذلك تعاونت مع صاحب الغاليري اللبناني صالح بركات للمساعدة في تنسيق هذا القسم تحديداً. 

وبفضل شبكة علاقاته، تمكّنا من الحصول على أعمال من مجموعات خاصة — قطع لا تغادر عادةً الجدران التي تعلّق عليها — ما أضاف بُعداً آخر إلى المعرض: دليلاً على أن المشهد الطبيعي لطالما كان موضوعاً أساسياً في الفن اللبناني، وأن فنانين من أجيال مختلفة نظروا إلى الأرض نفسها بطرق متباينة تماماً.

— موريل أسمر

لكن جزءاً من الفكرة يكمن في إظهار أن هذه الحكاية ليست جديدة. تأملوا أعمال الحداثيين المعروضة إلى جانب فنانين معاصرين مثل جيلبير وإنزو، ما الذي يتغيّر؟ لا حاجة إلى إطالة التفكير — دعوني أوفّر عليكم العناء.

كان الحداثيون ينظرون إلى لبنان من خلال مشهده الطبيعي، ولم يكن هذا المشهد بالنسبة إليهم مجرد موضوع جميل للرسم. ففي النصف الأول من القرن العشرين، أسهم هؤلاء الفنانون في تشكيل هوية بصرية للبنان عبر جباله وقراه وساحله وأشجاره وضوئه وغطائه النباتي. كان سؤالهم، بمعنى ما: كيف يبدو لبنان؟ وما الذي يجعل هذا المشهد الطبيعي لبنانياً على نحو لا يلتبس؟

مع جيلبير وإنزو، تتقدّم شجرة الصنوبر إلى الواجهة. لم تعد مجرد عنصر ضمن مشهد أوسع؛ بل أصبحت هي الموضوع نفسه — مدخلاً إلى الذاكرة والتجربة الشخصية. ولعل أفضل مثال على ما أعنيه هو عمل جيلبير «سنّين» البالغ طوله خمسة أمتار، والذي يطلق عليه اسم «صديقي العملاق»، حيث يُستخدم الحجم لإعادة خلق الشجرة كما رآها في طفولته. وكما يوضح، يمثّل العمل عودة إلى الصورة التي بدت له فيها الشجرة هائلة ذات يوم. هكذا يتذكرها حرفياً.

image
image
image

الحكاية البيئية وراء شجرة الصنوبر

أدرك أن المعرض حين يتشعّب إلى موضوعات متعددة في الوقت نفسه، قد يبدو الأمر مفتعلًا بعض الشيء. وربما هذا تحديدًا ما يتبادر إلى الذهن عندما أذكر منذ المقدمة أن الهموم البيئية جزء من هذه الحكاية أيضًا. لكن بيت القصيد أن هذه الزاوية مهمة. والقيّمة على المعرض لا تتأخر في تذكيرنا بالسبب: فشجرة الصنوبر ليست مجرد صورة فنية. إنها شجرة حقيقية حيّة — شجرة تواجه اليوم تهديدًا في لبنان وإيطاليا على حد سواء.

والأرقام وحدها تكفي لتبرير الحديث عن ذلك: فقد احترق 5.5 مليون هكتار في أنحاء المتوسط بين 2010 و2023، من بينها أكثر من 1.7 مليون هكتار من الغابات. وتتوقع منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO) أن يواصل خطر الحرائق ارتفاعه مع صعود درجات الحرارة وامتداد فترات الجفاف. وليست الحرائق الخطر الوحيد — ففصول الشتاء الأكثر دفئًا تتيح للحشرات التي تتغذى على الصنوبر، مثل عثة موكب الصنوبر، أن تبقى وتنتشر في أجزاء من المتوسط كان البرد سابقًا يحدّ من وجودها.

في لبنان، إحدى المشكلات التي نواجهها هي حشرة صغيرة يمكنها أن تدخل إلى شجرة الصنوبر وتتلفها من الداخل. وما يجعلها خطيرة بشكل خاص أن الشجرة قد تبدو سليمة من الخارج، لذلك عندما تصبح المشكلة واضحة للعيان، قد يكون الضرر الكبير قد وقع بالفعل. لكن يمكننا الوقاية من ذلك إذا عرف الناس ما الذي ينبغي الانتباه إليه، وكيف يراقبون الأشجار، ومتى يتدخلون. 

لهذا السبب، وضمن الفعالية الأشمل، ننظم ورشة عمل للبلديات وملاك الأراضي والمنظمات غير الحكومية — نستضيف فيها أصحاب الخبرة لشرح كيف يمكن حماية هذه الأشجار فعلياً.

— موريل أسمر
image

الفنانون والحكايات التي تقف خلف أعمالهم

عند الحديث عن المعرض، ثمة أمر لا يمكن تجاوزه: العودة إلى الفنانين أنفسهم. في داخلي رغبة في أن أترككم تتجولون بين أعمالهم بلا أي معانٍ إضافية — منفتحين على التأويل، وتصنعون روابطكم الخاصة. وعند هذه المرحلة، ربما تعرفون بالفعل كل ما تحتاجون إليه لفعل ذلك. لكن ثمة جزءاً آخر مني يريد أن تدخلوا التجربة بقدر أكبر من الانغماس، ومعكم قطعة أخيرة من الصورة: ما الذي كان يعيشه الفنانون أنفسهم، ولماذا وُلدت بعض أعمالهم من الأساس.

ولحسن الحظ، أتيحت لنا فرصة أن نسألهم عن ذلك تحديداً. اعتبروه حواراً صغيراً مع الفنانين — من النوع الذي قد تخوضونه لو صادفتموهم بأنفسكم في المعرض.

حوار مع إنزو كوتشي

علّم نفسه بنفسه، وكان — وربما في ذلك ما يثير الدهشة — شاعراً قبل أن يكون رساماً. نُشرت نصوص كوتشي الأولى في La Nuova Foglio di Macerata. وبحلول منتصف عقد 1970s، كان قد انتقل إلى روما، ووضع الشعر جانباً، وانغمس بدلاً من ذلك في الفن البصري.

— هل يمكنك أن تأخذنا في جولة داخل هذه الأعمال — كيف نشأت، وما الذي ينبغي أن ننتبه إليه؟

— لا أستطيع أن أرشدكم؛ أتمنى أن تضيعوا في رسوماتي! لا أؤمن بالإلهام — إنها أسطورة رومانسية جميلة. ما يوجد حقاً هو المنهجية، والعمل، والشجاعة التي تسمح لشكل أو تكوين بأن يتبلور.

لطالما عملت بأبسط المواد والتقنيات، بأقدمها وأكثرها أماناً: الورق، والحبر، بل وحتى قطع خشب مأخوذة من صندوق نبيذ. تمنحني هذه الأشياء سطحاً أضع عليه كل ظلالي، وكل الصور التي تعبر من خلالي.

image
image
image

— وماذا عن العمل الثنائي؟

— ينبع العمل الثنائي من بحثي في مفهوم الزاوية. قال مفكر إيطالي ذات مرة إن وضع عمل فني على زاوية أمر مستحيل، فبدأت أفكر في إنجاز أعمال مخصصة للزوايا تحديداً. هذا العمل الثنائي جزء من ذلك البحث. فالزوايا نقاط منكسرة، أماكن تتوقف فيها الخطية ويغدو التركيز صعباً. إنها حافة تضطر عندها حتى الصورة إلى أن تُعاد صياغتها وأن تُستوعب بطريقة جديدة.

image

حوار مع جيلبير حلبي

وُلد حلبي ونشأ في لبنان، وبدأ الرسم والتلوين منذ طفولته. وقد شكّل جبل لبنان سنواته الأولى، من بساتين الزيتون وأشجار الصنوبر إلى المشاهد الطبيعية التي لا تزال تحضر في أعماله. وبعد دراسته علم الآثار في الجامعة اللبنانية في بيروت، قادته رحلته الفنية في النهاية إلى روما، حيث استقر عام 2003.

— هل تحدّثنا عن عمليْك إلى رحابة والسماء للتلاوة — كيف وُلدا، وما الذي ينبغي أن ننتبه إليه فيهما؟

— هذان العملان جزء من تكوين يضم 12 عملاً فنياً بعنوان غابة طفولتي. يصوّران مظلة الصنوبر أمام بيت طفولتي في ضهور الشوير، لبنان، حيث قضيت طفولتي ألهو بعيداً عن الناس والضجيج. كانت هذه الغابة ملاذي وحاضنة أحلامي، ولا سيما حلمي بأن أصبح رساماً.

ينبغي قراءة هذه الأعمال معاً، وخصوصاً مع اللوحة المركزية، حيث يحلم كائن صغير تحت شجرة صنوبر ويسأل:

"— أما تخافين الريح؟

— بلى، يا بني، أخافها."

ثم تشرح الشجرة أنها تعلّمت إلى أين تنظر حين تأتي الريح: نحو السماء الزرقاء، وهي على يقين بأن الضوء سيعود دائماً.

والإنسان الجالس تحت الشجرة تعلّم الدرس نفسه. فالرياح ترمز إلى المتاعب التي تهبّ من الجوانب، لكنها ما دامت تواصل السير، تبقى خلفه. ذلك الإنسان هو أنا. عندما كنت طفلاً، زرعت أشجاراً في هذه الغابة، وكنت آتي إليها لأهرب من الضجيج، وأجد مأوى، وأحلم بالحياة الملوّنة التي أردت أن أصنعها. غادرتها في النهاية، لكنني لم أنسَ الغابة قط. أحملها معي أينما ذهبت، وآمل أن أعود إليها يوماً بحكاياتي الكثيرة الألوان.

في نهاية المطاف، تتمحور الرسالة حول الحماية والمثابرة: الأشجار تحمينا، وعلينا نحن أن نحميها. كلانا عليه أن يصمد أمام الريح وأن يواصل التطلّع نحو السماء.

image
image
image