image

by Alexandra Mansilla

فنانون سعوديون يستكشفون الحنين إلى الماضي في أعمالهم

السعودية بلد يتصادم فيه الماضي والحاضر بقوة لافتة. ففي غضون جيل واحد، أُعيد تشكيل مدنها من الأساس: أحياء عتيقة أُزيلت، وآفاق عمرانية بُنيت من جديد، وأعراف اجتماعية أُعيدت صياغتها. ومع ذلك، تبقى الذاكرة حاضرة. وبالنسبة إلى عدد متزايد من الفنانين السعوديين، أصبحت المسافة بين ما كان وما هو كائن الهاجسَ المركزي في ممارساتهم الفنية.

تتعامل مها الملوح مع الحنين بوصفه ضرباً من علم الآثار؛ تجمع بقايا الحياة اليومية قبل أن تختفي. وتؤرشف فاطمة النمر العوالم الداخلية لنساء لم تُدوَّن حكاياتهن رسمياً قط. أما مهند شونو فيعود إلى ذكرى واحدة من طفولته عن الرقابة، ويفككها لتصبح تأملاً في الخيال وما يبقى. وتعمل بشاير هوساوي بالبردي لتطرح سؤالاً عمّا يعنيه أصلاً أن نحفظ شيئاً ما، حين يغيّر فعل الحفظ طبيعة ما نريد حفظه.

معاً، يرسم هؤلاء الفنانون ملامح ثقافة تفاوض ماضيها بنشاط؛ ثقافة لا يكون فيها الحنين هروباً من الحاضر، بل إحدى أكثر الطرق إلحاحاً للاشتباك معه.

مها الملوح

قضت مها الملوح ما يقرب من خمسة عقود في جمع الأشياء التي تقرر الثقافة التخلص منها. أشرطة كاسيت لخطب دينية، وقدور طبخ محترقة، وأطباق مطلية بالمينا، وبراميل نفط مهملة؛ تتحول هذه الأشياء بين يديها إلى شواهد تاريخية. يطرح عملها سؤالاً عمّا يحدث لفهم مجتمعٍ لذاته حين يمضي في التحديث بسرعة مفرطة.

تجسّد إحدى أهم سلاسلها، غذاء للفكر، هذه الحساسية على نحو ملموس. ففي أعمال مثل هل تريد أن تكون سعيداً (2012)، تثبّت أشرطة كاسيت تضم محاضرات دينية على صوانٍ خشبية قديمة للخبز من مخابز تراثية، جاعلةً لغة الإرشاد الروحي تتجاور مع طقس الغذاء الجماعي. والنتيجة عمل كثيف الدلالات: عن الكيفية التي تنتقل بها الأيديولوجيا عبر الأشياء، وكيف تشكّل الحياة اليومية من دون أن تعلن عن نفسها بوصفها سلطة.

image

مها الملوح، غذاء للفكر

تقول الملوح: «أحب العمل على أشياء يُوشك حضورها أن يختفي من حياتنا،» وقد قالت ذلك، «كي نحافظ على هويتنا وذاكرتنا الثقافية. فما كان يُعدّ ذات يوم تافهاً قد يستعيد قوته من جديد». وتقتني أعمالها، من بين جهات أخرى، مجموعات المتحف البريطاني وتيت مودرن ومركز بومبيدو واللوفر أبوظبي.

فاطمة النمر

وُلدت فاطمة النمر في القطيف، المدينة الواقعة في المنطقة الشرقية من السعودية، والتي يسبق تاريخها ظهور المسيحية بستة قرون. هذا العمق التاريخي ليس مجرد خلفية لأعمالها، بل الأرضية التي تقوم عليها ممارستها الفنية. ومن خلال اشتغالها على الزيت والأكريليك والكولاج والنسيج وتقنياتها الطباعية الخاصة، أمضت ما يقارب تسع سنوات في بناء أرشيف لنساء تناقلت الحكايات الشفوية وذاكرة العائلة سيرهن، من دون أن يُسجَّلن رسمياً.

تستند سلسلتها دخون — والكلمة تشير إلى أفخر أنواع البخور الثمين — مباشرةً إلى هذا الأرشيف. الشخصيات في هذه الأعمال محددة الهوية: أميرة قادت قبيلتها في زمن أزمة، وامرأة ربّت أبناءها وحدها خلال مجاعة، ومزيّنة عرائس عُرفت في أنحاء منطقة القطيف بمهارتها في طقوس الزفاف. وكثيراً ما تضع النمر نفسها داخل هذه السرديات، فتسكن الشخصيات التي تجسّدها في أعمالها.

أما معرضها الأحدث، ذاكرة الطين (الرياض، 2025)، فيمدّ هذا الاشتغال إلى المادة نفسها؛ سعف النخيل والطين والصوف، لا بوصفها بقايا من الماضي، بل حوامل حيّة للمعرفة. وقد قالت: «الطين ليس مجرد وسيط فني، بل مرآة لذاكرتنا الجمعية، يتشقق ليكشف طبقات خفية من الحنين والحكمة».

مهند شونو

تتخلل تجربة مهند شونو المبكرة مع الانتماء المؤقت — ذلك الانتماء المشروط بالوثائق لا بالجذور — كل ما ينجزه من أعمال. درس العمارة، وتحمل تجهيزاته الفنية طابع البيئات المبنية: غامرة، وبنيوية، ويستحيل الإحاطة بها من زاوية نظر واحدة.

تكمن في صميم ممارسته الفنية ذكرى تكوينية تعود إلى تجربة رقابة داخل الصف الدراسي. ففي المدارس السعودية، كانت الصور البشرية في الكتب المدرسية تُطمس بخط كثيف، بما يجعل الجسد الإنساني محجوباً عن النظر. بالنسبة إلى شونو، غدا ذلك الخط بمثابة نقطة انطلاق — اللحظة التي أدرك فيها أن الغياب قادر على توليد المعنى. أما عمله الكبير، شجرة التعليم، الذي أنجزه للجناح السعودي في بينالي البندقية التاسع والخمسين (2022)، فيجسّد هذا التحوّل حرفياً: تجهيز فني بطول أربعين متراً من سعف النخيل وأنظمة هوائية تتنفس، وتتمدد، وترفض أن تكتمل.

بشاير هوساوي

تعمل بشاير هوساوي بالوسائط المختلطة والأشياء المعثور عليها، مستندةً إلى ما تصفه بأنه «قاعدة بيانات بصرية هائلة» تشكّلت من سنواتها الأولى في جدة؛ أرشيف من الانطباعات الحسية والعادات اليومية، تعود إليه وتعيد صياغته.

في سلسلتها قنفجر (2021)، تشتغل هوساوي على ورق البردي، أحد أقدم تقنيات الذاكرة الإنسانية. وليس اختيارها عابرًا؛ فالبردي يحمل تاريخه الخاص كوسيط لنقل المعرفة عبر الأجيال، وتستخدمه هوساوي للتساؤل عمّا يفعله الحفظ حقًا. وعلى طبقات البردي، تطبّق أحبارًا ملوّنة بدرجات متفاوتة؛ تارةً زاهية، وتارةً يمتصها الخامة فتغيب عن النظر. وكلما بدا اللون أكثر وضوحًا، كما تقترح، اقتربنا من مواجهة الواقع؛ وكلما تراجع، انطوى المعنى إلى الداخل مترقبًا اكتشافه.

تمضي أعمالها التطهير، المصنوعة من أقمشة أفريقية ومكانس حمراء، بهذه الفكرة أبعد؛ إذ تتساءل عمّا إذا كانت نزعة الإزالة والتطهير تنطوي في داخلها على عنف صامت ضد الذاكرة. بالنسبة إليها، لا يعني الحنين النظر إلى الوراء، بل هو شيء حاضر أصلاً في نسيج الحياة اليومية، يظل كامناً تحت سطح كل ما يأتي لاحقاً.