image

by Sana Bun

كيف يحتفل الشرق الأوسط بالبدايات الجديدة: طقوس ثقافية لرأس السنة

Photo: Marjan

تتشكّل تقاليد رأس السنة في الشرق الأوسط بفعل مزيج من التقاويم والأديان والتواريخ الثقافية، ما يجعل مقاربة المنطقة للتجدد متنوّعة بشكل فريد. وعلى خلاف الدول الغربية التي تحتفل بشكل موحّد في 1 يناير، يتبع جزء كبير من العالم العربي تقليدياً التقويم الهجري القمري، ما يعني أن رأس السنة الهجرية يأتي في تاريخ مختلف كل عام. كما تلتزم المجتمعات المسيحية بتقاويمها الطقسية الخاصة إلى جانب التقويم الميلادي. ونتيجة لذلك، لا توجد لحظة واحدة تحتفل فيها المنطقة بأكملها بـ«رأس السنة».

ومع ذلك، بات 1 يناير اليوم مُعترفاً به اجتماعياً في أنحاء واسعة من الشرق الأوسط. تستضيف المدن عروض الألعاب النارية، وتجتمع العائلات على موائد العشاء، وتنظّم الفنادق فعاليات كبيرة، حتى في الأماكن التي لا يُعد فيها هذا التاريخ عطلة رسمية. هذا المزج بين القديم والجديد يصنع طيفاً واسعاً من الطقوس الثقافية لرأس السنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، من الأطباق الرمزية في بلاد الشام إلى الاحتفالات المعاصرة في الخليج، موضحاً كيف يحتفل الشرق الأوسط برأس السنة وكيف تواكب الثقافة العربية البدايات الجديدة في العصر الحديث.

لماذا تختلف رأس السنة عبر المنطقة

أحد أسباب تنوّع تقاليد رأس السنة في الشرق الأوسط على هذا النحو الواسع هو التعايش بين عدة تقاويم. تعتمد معظم الدول العربية أساساً التقويم الهجري القمري في المناسبات الدينية والرسمية، ما يعني أن رأس السنة الهجرية تأتي في تاريخ مختلف كل عام. وبالتوازي، تعترف كثير من المجتمعات أيضاً برأس السنة الميلادية اجتماعياً، وتلتزم بعض الفئات — مثل الأقباط أو الأرمن أو الموارنة — بتقاويمها الطقسية كذلك. ومع وجود عدة «رؤوس سنة» في الوقت نفسه، تتباين الممارسات الثقافية بشكل طبيعي، ما يرسم طريقة تعامل العائلات والمجتمعات مع فكرة التجدد.

image

لبنان: أطباق بيضاء ومعانٍ رمزية

يمزج لبنان بين احتفالات ليلة رأس السنة الحديثة ورمزية الطعام ذات الدلالة الثقافية. ومن العادات الشائعة تقديم «الأطباق البيضاء»، وهي عادة تظهر أيضاً في أجزاء من سوريا. ومن الأمثلة الكلاسيكية الكبة باللبنية، وهو طبق قائم على اللبن يُحضَّر عادةً للتجمعات الاحتفالية. ويُعد ذلك من أمثلة الأطعمة الرمزية لرأس السنة في الشرق الأوسط، حيث يرتبط اللون الأبيض بالنقاء والأمل. وتُعد هذه العادة المرتبطة بالطعام مثالاً على طقوس وخرافات رأس السنة في لبنان.

السعودية: تعبير حديث عن مناسبة عالمية

تعتمد السعودية التقويم الهجري القمري في مناسباتها الرسمية والدينية، لذا لا يحمل 1 يناير أي دلالة ثقافية تقليدية ولا يُعد عطلة رسمية. ولهذا السبب، لا توجد تقاليد عربية موروثة لرأس السنة مرتبطة بالتاريخ الميلادي.

لكن السنوات القليلة الماضية شهدت تحوّلاً واضحاً. ففي المدن الكبرى، خصوصاً الرياض، باتت تقاليد رأس السنة في السعودية تشمل بشكل متزايد حفلات موسيقية، وألعاباً نارية، وتجمعات في المطاعم، وفعاليات ترفيهية ضخمة مرتبطة بموسم الرياض. هذه الاحتفالات حديثة واجتماعية أكثر منها تاريخية، لكنها تعكس مع ذلك موضوعات أساسية في طقوس البدايات الجديدة في الثقافة العربية، مثل الألفة والضيافة.

image

الصورة: مرجان

قطر: احتفالات معاصرة وروح مجتمعية

في قطر، لا يُعد 1 يناير عطلة رسمية، رغم أن كثيراً من الشركات الخاصة تمنح الموظفين إجازة في هذا اليوم. أما الاحتفالات نفسها فمعاصرة: ألعاب نارية على كورنيش الدوحة، وحفلات فنادق، وحفلات موسيقية، وعشاء عائلي. وهذا يشكّل أساس ثقافة احتفالات رأس السنة في قطر، التي تمزج قوالب الاحتفال العالمية مع تركيز قطر القوي على العائلة والضيافة. وبما أن رأس السنة الميلادية ليست متجذّرة في تقليد قديم، تبقى مقاربة الدولة حديثة بوضوح لكنها تحظى بقبول واسع.

الإمارات: ألعاب نارية ضخمة وتجمعات عائلية

تشتهر الإمارات بعروض ليلة رأس السنةللألعاب النارية, ولا سيما في دبي وأبوظبي. ومع ذلك، بعيداً عن العروض اللافتة التي تتصدر العناوين، تحتفل كثير من العائلات بالأمسية عبر وجبات وتجمعات هادئة في المنزل. هذا التوازن بين المشهد الحديث والقيم الثقافية يشكّل جوهر التقاليد الثقافية لرأس السنة في الإمارات، حيث تظل الكرم وقضاء الوقت مع الأحبة مهمين. وتعكس هذه الممارسات جانباً أوسع من الممارسات الروحية لرأس السنة في ثقافة الشرق الأوسط، التي غالباً ما تؤكد على الترابط والتجدد.

مصر: تقويمان واحتفالان

تحتفل مصر برأس السنة الميلادية في 31 ديسمبر، بينما تلتزم الطائفة المسيحية القبطية بدورتها الاحتفالية — بما في ذلك عيد الميلاد — في 7 يناير. يؤثر هذا الهيكل القائم على تقويمين في عادات رأس السنة المصرية، التي تختلف بحسب المجتمع. وعادةً ما تجتمع العائلات في أنحاء البلاد على موائد عشاء أو احتفالات، رغم عدم وجود طقوس محددة مرتبطة حصرياً بليلة رأس السنة. بدلاً من ذلك، تعكس هذه الممارسات تنوّع المشهد الثقافي والديني في مصر.

image

الصورة: إسلام محمد عبدالمقصود

تقاليد الطعام في أنحاء المنطقة

يلعب الطعام دوراً ذا معنى في كثير من لحظات التحوّل في الشرق الأوسط. وتُعد «الأطباق البيضاء» في بلاد الشام أوضح مثال على الأطعمة الرمزية المرتبطة برأس السنة في الشرق الأوسط، لكن إلى جانب ذلك لا توجد قائمة موحّدة لعيد رأس السنة في أنحاء المنطقة. فلكل بلد ما يستند إليه من إرثه الغذائي الخاص، سواء عبر اليخنات، وأطباق الأرز، والوجبات الاحتفالية أو المفضّلات العائلية البسيطة التي تُشارك خلال التجمعات.

الملابس والمظهر: ممارسة ثقافية لا طقس لرأس السنة

في أنحاء الشرق الأوسط، يرتبط ارتداء ملابس جديدة أو مكوية بالمناسبات الدينية الكبرى مثل العيد. غير أنّ هذه الممارسة لا تُعد طقساً لرأس السنة عبر المنطقة، ولا ترتبط ألوان أو أزياء محددة بتقاليد الأول من يناير. وباستثناء الحالات الموثّقة المرتبطة برمزية الطعام، مثل الأطباق البيضاء في لبنان، تبقى الملابس التقليدية والطقوس الخاصة برأس السنة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا محدودة، وتتركز معظم الاحتفالات بدلاً من ذلك على التجمعات والوجبات.

image

الصورة: Getty Images

إحساس مشترك بالتجدّد

على الرغم من اختلافها، تُبرز الممارسات المتنوعة موضوعاً مشتركاً: الرغبة في التجدد والصفاء والتفاؤل. وسواء كان ذلك عبر الأطباق الرمزية في بلاد الشام، أو الاحتفالات المعاصرة في السعودية وقطر، أو الفعاليات الكبرى في الإمارات، أو تعدد أوجه الاحتفاء في مصر، فإن كل تقليد يساهم في فهم أوسع لكيفية احتفاء الثقافة العربية بالبدايات الجديدة.

ومعاً، تُظهر هذه العادات كيف يحتفل الشرق الأوسط برأس السنة اليوم — ليس من خلال طقس موحّد واحد، بل عبر نسيج غني من التعبيرات الثقافية والدينية والاجتماعية التي تشكلت بفعل التاريخ وقيم المجتمع.