image

by Alexandra Mansilla

بشير طياشي: «كوني الخروف الأسود علّمني كيف أبقى صامداً»

ثمة شيء صادق على نحوٍ يبدّد الحذر في الطريقة التي يرى بها المصوّر والفنان البصري التونسي Bachir Tayachi الناس. يبني أعماله على العاطفة؛ فلا ينشغل كثيراً بكيف تبدو الأشياء (مع أنها غالباً ما تأتي لافتة)، بقدر ما يهتم بما تتركه من إحساس. صوره تمنح الأشخاص مساحة ليكونوا كما هم، بلا تمثيل ولا توقّعات.

نشأ على أطراف تونس، في بيئة كان الاختلاف فيها يُقابَل غالباً بالمقاومة، فتعلّم باكراً معنى أن يشعر المرء بأنه خارج المكان. أن يُنظر إليه بوصفه «الخروف الأسود» لم يصقل صلابته فحسب، بل شكّل أيضاً طريقته في الاقتراب من الآخرين — بانتباه ومن دون أحكام.

كيف ولماذا بدأت رحلته الفنية؟ ومن كان له أثرٌ مفصلي في مساره؟ وكيف يصف مقاربته للتصوير؟ تحدّثنا إلى Tayachi لمعرفة ذلك.

— Bachir، لنعد قليلاً إلى البداية — كيف انطلقت رحلتك الإبداعية؟ وهل كان لعائلتك دور فيها؟

— وُلدت وترعرعت في تونس، في حيّ صغير اسمه دوّار هيشر. لديّ شقيقتان — أنا الأصغر، والولد الوحيد في العائلة.

كان لوالدتي دور كبير في حياتي الإبداعية. كانت ترسم كثيراً، ليس لنفسها فقط بل أيضاً لأطفال الحي. كانوا يأتون إليها لتساعدهم في رسومات المدرسة، ومن هناك بدأت أتعلّم للمرة الأولى — كنت أراقبها وأحاول أن أفعل مثلها.

أما أول لقاء حقيقي لي مع الكاميرا فكان عبر شقيقتي. كانت تملك كاميرا صغيرة قديمة بطابع «فينتج»، وأتذكر أنني أخذتها وبدأت أجرّب بها على سطح المنزل.

— على السطح؟

— نعم، قضيت وقتاً طويلاً هناك وأنا أكبر. لم يكن حيّنا دائماً الأكثر أماناً، لذلك كانت والدتي تفضّل أن أبقى في البيت. صار السطح ملعب طفولتي.

لاحقاً درستُ الهندسة المعمارية. واصلت الرسم واستكشاف أشكال مختلفة من الفن، لكن التصوير لم يكن محور اهتمامي بعد.

ثم في يومٍ ما شاركت في مسابقة للرسم — وفزت بكاميرا.

ذلك غيّر كل شيء. كانت المرة الأولى التي أمتلك فيها كاميرا خاصة بي، فبدأت أصوّر أصدقائي، أجرّب فقط، وأشارك على Instagram. ومن خلال ذلك بدأت أتواصل مع أشخاص من مشهدي الفن والموضة معاً.

لذا كما ترى، لم أخطّط لأن أصبح مصوّراً — الأمر حدث ببساطة.

— قلت إن «حيّك لم يكن دائماً الأكثر أماناً». كيف كانت تجربة النشأة هناك؟

— هناك مكان في تونس يُدعى حيّ التضامن. وهو من أكثر المناطق كثافة سكانية في أفريقيا، ويُعرف بأنه نابض بالحياة وفي الوقت نفسه شديد القسوة. وله سمعة مرتبطة بالفقر والجريمة والخطر.

كبرتُ بمحاذاة هذا الحي، وتلك البيئة شكّلت جزءاً كبيراً من تجربتي.

كان الناس في تونس، خصوصاً في ذلك الوقت، صارمين جداً في توقعاتهم. كان من الصعب أن تكون مختلفاً — سواء كنت مبدعاً، حساساً، أو ببساطة لا تنسجم مع ما يُعد «طبيعياً». إن لم تلعب كرة القدم أو تتصرّف مثل الآخرين، كان من السهل أن تصبح هدفاً للتنمّر. بذلت والدتي ما بوسعها لتحميني، وأنا ممتن لها حقاً على ذلك.

لهذا السبب قضيت وقتاً طويلاً في المنزل. كان ملعب طفولتي سطح بيتنا. كنت أرسم على الجدران وأصنع الأشياء. من جهة كان ذلك يعزلني، لكنه كان أيضاً شديد التكوين. لم يكن كل شيء سيئاً — كان لدي أصدقاء — لكن البيئة قد تكون قاسية على شخص يرى العالم بطريقة مختلفة.

بدأت الأمور تتغيّر عندما كنت في نحو الثامنة. صرت أذهب إلى مكان يُدعى Maison de la Culture، وهو فضاء يتيح للأطفال استكشاف الفن. كنا مجموعة صغيرة مع مدرّس مسرح، نقضي وقتاً طويلاً في الإبداع وتقديم العروض معاً.

قضيت هناك تقريباً كل وقتي. صار المسرح جزءاً كبيراً من حياتي لنحو أحد عشر عاماً، من المرحلة الابتدائية حتى الثانوية.

لاحقاً انتقلت إلى وسط مدينة تونس للالتحاق بالـlycée. في تلك الفترة بدأ كل شيء يبدو أكثر انفتاحاً. كان لديّ أستاذ رائع لاحظ اهتمامي بالمسرح وشجّعني على التقديم إلى Lycée Pilote des Arts — مدرسة ثانوية فريدة تتبع المنهج الدراسي المعتاد، لكنها تخصّص أيضاً وقتاً أسبوعياً لمجال فني.

وجودي هناك فتح أمامي عالماً جديداً بالكامل. التقيت أشخاصاً مختلفين، واكتشفت زوايا نظر جديدة، وشعرت بأنني أقل تقييداً مما كنت من قبل. في ذلك الوقت لم تكن وسائل التواصل الاجتماعي حاضرة فعلاً بعد، لذا كانت هذه المساحات أكثر أهمية.

— هل تعتقد أن البيئة التي نشأت فيها شكّلتك بطريقة ما؟

— بالتأكيد جعلتني أكثر صلابة. كما أنها شكّلت طريقة تفكيري وما أؤمن به.

حين كنت أكبر، كانت في عائلتي وحيّنا أفكار صارمة جداً حول كيف ينبغي للناس أن يتصرفوا. لم أفهم ذلك أبداً. بالنسبة لي كان الأمر بسيطاً: يجب أن يتمتع الجميع بالقدر نفسه من الحرية.

كان الناس غالباً يُصدمون من طريقة تفكيري. ومنذ سن مبكرة، كان يُنظر إليّ على أنني مختلف — «الخروف الأسود» بطريقة ما.

والمفارقة أن شيئاً ساعدني كثيراً على العيش هناك كان الأفلام. في تونس، كانت لدينا قنوات مثل MBC2 وMBC3 تعرض الكثير من الأفلام الأميركية. اليوم، حين أستعيد تلك المرحلة، أرى عيوبها، لكن في ذلك الوقت كانت تحمل رسائل قوية. كانت تُظهر أساليب مختلفة للحياة — أفكاراً عن الحرية، والثقة بالنفس، وأن تصبح بطلاً لنفسك، وحتى تمكين المرأة.

— هل تتذكر فيلماً ألهمك؟

— فيلم لم أنسَه أبداً هو Billy Elliot. أحببته كثيراً، وعندما شاهدته مرة أخرى لاحقاً، أثّر فيّ بالعمق نفسه. وما زال حتى اليوم من أفلامي المفضلة.

جعلتني السينما أشعر بأن طريقة تفكيري مشروعة. ومنحتني إحساساً بأنني لست مخطئاً في رؤيتي للعالم.

حتى الآن، ما زلت أتأثر كثيراً بهذه الأمور. أتذكر أنني شاهدت عرض Bad Bunny في الـSuper Bowl — كانت هناك لحظة قدّم فيها جائزة لطفل، وقد حرّكتني جداً. وانتهى بي الأمر إلى البكاء.

— لو استطعت أن تلتقي نفسك الأصغر اليوم، ماذا ستمنحه؟

— سأمنحه عناقاً.

ومنحته أيضاً شيئاً لم يكن لدي فعلاً وأنا أكبر — غرفة تخصه.

في طفولتي، لم تكن لدي غرفة. كانت «غرفتي» في الحقيقة غرفة المعيشة، وكنت أتشاركها مع والدي.

لذلك صنعت له مساحة. غرفة يمكنه فيها أن يكون على سجيته — يركض، ويبدع، ويصنع الموسيقى، ويعيش بحرية.

— لنتحدث عن مشروع In My Room. كما أفهم، يتكشف المعرض عبر ثلاث مراحل، تعكس كل منها لحظة مختلفة من حياتك. هل هذا صحيح؟

— نعم، «In My Room» عمل تركيبي انطلق من مساحة شخصية جداً — انفصال، وما رافقه من مشاعر.

يستكشف المشروع معنى أن تكبر في بيئة تُرسَم فيها أدوار معينة بوضوح، وكيف يمكن لذلك أن يؤثر في الطريقة التي ترى بها نفسك. ومع مرور الوقت، تحوّل إلى تأمل في تقبّل الذات، والتعاطف، وأهمية إتاحة مساحة للفردية.

صُمّم العمل كرحلة غامرة. يحمل كل عنصر دلالة شخصية، لكن التجربة تبقى مفتوحة على التأويل. ويُدعى الزوار ليس فقط لفهم السرد، بل أيضاً للاتصال بمشاعرهم وتجاربهم الخاصة.

وتتجلى الرحلة عبر ثلاث مراحل — العاطفة، والتأمل، والشفاء. وتمثل كل غرفة لحظة مختلفة ضمن هذا المسار.

في الغرفة الأخيرة، تظهر هيئة مُشكّلة من صور الطفولة — تمثيل للذات الأصغر سناً. إنها تدعو إلى لحظة تأمل: لفهم من أين أتينا، وكيف ننمو.

في المحصلة، «In My Room» يدور حول الإبحار في المشاعر، ومساءلة التوقعات، وإيجاد طريقة للمضي قدماً بوعي أكبر وتعاطف أعمق — مع أنفسنا ومع الآخرين أيضاً.

بعد هذا المعرض، شعرت أن عليّ أن أبتعد قليلاً عن المشهد الفني. كنت بحاجة إلى وقت لأستعيد توازني، وأعتني بنفسي، وأفكر في الخطوة التالية. ومؤخراً، صرت أركز أكثر على صحتي، وأقضي وقتاً مع الأصدقاء، وأتعلم أن أبطئ الإيقاع.

في الوقت الراهن، الأهم هو التقدم تدريجياً وفتح فصل جديد عندما أشعر أن الوقت مناسب.

— هناك اليوم عدد هائل من المبدعين والمصوّرين الذين يسعون للفت الأنظار. أنت سبق أن عملت مع مجلات كبرى مثل Vogue Arabia وبنيت حضورك بقوة. هل تتذكر لحظة مفصلية في رحلتك — ربما شخصاً أو مشروعاً ساعدك على الظهور أكثر والبدء في جذب العملاء؟

— كان هناك شخصان أساسيان قدّما لي دعماً حقيقياً في بداياتي.

الأولى هي لورانس تويتو. إنها امرأة استثنائية — فرنسية-تونسية، ومنتجة موسيقية سابقة، ومؤسِّسة La Lise Tunisienne. كما تُعرف بأنها من اكتشف فرقة Massive Attack. وقد لعبت دوراً بالغ الأهمية في مسيرتي.

ومن خلالها تعرّفت إلى سيف مهدي، وهو مدير أعمال مقيم في باريس ويتمتع بعلاقات واسعة في المجال. وقد عمل مع أسماء كبيرة، من بينها ريتا أورا وكيت موس.

وهو من ساعد في إنجاز غلاف Vogue Arabia Men وربطني بشبكة أوسع من الأشخاص.

أنا ممتنّ للغاية لكليهما — ولكل من ساندني على طول الطريق، سواء عبر إتاحة الفرص أو بمجرد الإيمان بي منذ البداية.

— كيف تصف مقاربتك في التصوير الفوتوغرافي؟

— أميل إلى الأماكن الصادقة، واللحظات الحقيقية، والملمس… إلى كل ما يبدو نابضاً بالحياة. ما يهمني أكثر من أي شيء هو التقاط أجمل نسخة من الشخص؛ ليس فقط كما يبدو، بل كما أراه أنا في تلك اللحظة.

أولي الجماليات اهتماماً كبيراً. أدرك أن فكرة «الجمال» قد تكون معقّدة، خصوصاً في عالم الفن، لكنها بالنسبة إلي تظل مهمة. أريد لصورِي أن تبدو جميلة بطريقتي الخاصة—شيئاً أكثر سموّاً بقليل، يكاد يكون سحرياً، مع بقائه متجذّراً في الواقع. الفكرة هي خلق لحظة يشعر فيها الشخص أمام الكاميرا بأنه مرئي ومُقدَّر.

كما أنني أنجذب كثيراً إلى مرحلة التحرير. منذ البداية تماماً، كنت مهتماً بابتكار شيء يقع بين التصوير والرسم. كنت أتعلم التكوين والضوء، لكنني كنت أقضي ساعات على صورة واحدة—أعدّل الدرجات اللونية، والألوان، والأجواء.

— تبدو أعمالك شديدة التفرّد؛ فكل صورة تحمل حكاية، وكل شخص يبدو كأنه شخصية. هل هناك صورة بعينها تظل الأبرز بالنسبة لك؟

— نعم، هناك صورة واحدة لا تزال قريبة جداً إلى قلبي. إنها بورتريه لصديق لي من السنغال. تعرّفنا إليه حين كان يدرس، وعملنا معاً على بعض الصور. كان حضوره لافتاً بشكل استثنائي؛ كان فيه شيء آسر بحق.

بعد شهر من التقاطنا تلك الصورة، رحل عن الدنيا.

أصبحت تلك الصورة ذات معنى كبير بالنسبة لي، ليس فقط بسبب الرابط الذي جمعنا، بل لأنها أيضاً غير مُعدّلة إطلاقاً. هي خام، كما خرجت من الكاميرا مباشرة. واحدة من اللحظات النادرة التي لم أشعر فيها بالحاجة إلى تعديل أي شيء.

— ذكرتَ والدتك وشقيقاتك. هل تشعر بالارتياح لمشاركة شيء عن والدك أيضاً؟

— أفضل ألا أتحدث عنه كثيراً. لم تكن علاقتي بوالدي مثالية. كانت لدي أم رائعة، لكن الأمور مع والدي كانت دائماً معقّدة، وأفضّل ألا أخوض في تفاصيلها. لكنني بالتأكيد أرغب في إنجاز مشروع عن هذه العلاقة.

— ما الذي سيكون؟

— في مرحلة ما، بدأتُ أيضاً بتطوير مشروع أكثر مفاهيمية مستوحى من السرد التفاعلي. كانت الفكرة أن أبتكر عملاً تركيبياً أشبه بلعبة فيديو، يتيح للمشاهد أن يختار عيش القصة إمّا من منظور طفل أو من منظور أب.

استلهمتُ ذلك من صيغ مثل «Black Mirror: Bandersnatch»، حيث يتخذ المشاهد قرارات تُشكّل مسار الحكاية. وفي هذا المشروع، كانت تلك الخيارات ستعكس سيناريوهات مختلفة.

في جوهره، كان المشروع يدور حول استكشاف تعقيدات الديناميكيات العائلية، ولا سيما العلاقة بين الأب والطفل. انطلق من مساحة شخصية، لكنه كان يهدف أيضاً إلى فتح سؤال أوسع: كيف نتواصل مع بعضنا البعض، وكيف تتكرر أنماط السلوك عبر الأجيال؟

ليس الهدف إصدار أحكام، بل الفهم: لماذا نتصرف بالطريقة التي نتصرف بها، وكيف نستجيب لبعضنا البعض، وهل يمكن لتلك الأنماط أن تتبدّل.