:quality(75)/large_Jalel_5945_1_1_78ec369d8e.png?size=1256.21)
by Barbara Yakimchuk
لطالما كانت الموسيقى حاضرة: الثورة الثقافية غير المروية في السعودية
في الآونة الأخيرة، MDLBEAST — وهي واحدة من أكبر شركات الترفيه في المنطقة ووجهة يحلم بها كثير من الفنانين المحليين — أصدرت فيلماً وثائقياً يتتبّع صعود المشهد الموسيقي الحديث في السعودية.
يتناول الفيلم، «CUE: القصة غير المروية للمشهد الموسيقي السعودي»، سؤالاً قد يفاجئ كثيرين من خارج المملكة: إذا كان الازدهار الموسيقي في السعودية قد بدا وكأنه انطلق فجأة في عام 2019، فما الذي كان يجري قبل ذلك؟
شاهدنا الوثائقي وخرجنا بانطباع قوي ودهشة حقيقية، ثم جلسنا مع الرئيس التنفيذي للإبداع في MDLBEAST، Baloo، للحديث عنه. ومعه، نتخذ من الفيلم دليلاً يقودنا في حكاية بلد بقيت ثقافته الموسيقية لعقود بعيدة إلى حد كبير عن الأضواء العالمية، قبل أن تبرز كإحدى أكثر القوى الإبداعية تأثيراً في المنطقة.
وثمة أمر آخر: كنا نتوقع درساً في تاريخ الموسيقى، لكننا لم نتوقع أن نتأثر عاطفياً. غير أن الحكاية حين تصبح عن الناس لا عن التواريخ، يصعب ألّا يحدث ذلك.
:quality(75)/large_image_1192_7d3fba9437.png?size=1192.37)
ما حكاية هذا الفيلم؟
هل يبدو لك اسم ساوندستورم مألوفاً؟
لدى كثيرين خارج السعودية، تبدو الإجابة واضحة: إنه أكبر مهرجان موسيقي في الشرق الأوسط، ابتكرته وتنظمه MDLBEAST. حدث ضخم يجمع نجوماً عالميين، ومسارح هائلة، وجماهير باتت تُقدّر بمئات الآلاف. مشهد لافت بلا شك، لكنه لم يعد مستغرباً في ظل الحضور السعودي المتنامي على الساحة الثقافية العالمية.
أما بالنسبة إلى السعوديين، فساوندستورم يحمل معنى مختلفاً تماماً.
فهو ليس مجرد مهرجان، بل أصبح رمزاً لتحوّل أوسع شهدته المملكة، وتجاوز أثره حدود الموسيقى نفسها.
ومن هنا ينطلق الوثائقي.
ورغم أن ساوندستورم يقع في قلب الحكاية، فإن الفيلم يروي في جوهره قصص الأشخاص الذين عاشوا تلك المرحلة من التغيير، وأسهموا خلالها في رسم ملامح المشهد الموسيقي السعودي.
من بينهم Baloo، أحد الأعضاء المؤسسين لـ MDLBEAST ورئيسها الإبداعي، والثنائي السعودي DISH DASH، الذي انتقل من فعاليات محلية تحت الأرض إلى مسارح مهرجانات عالمية كبرى، وVinyl Mode، أحد رواد مشهد الموسيقى الإلكترونية في المملكة وشخصية محورية في تأسيس ساوندستورم نفسه.
السعودية قبل ساوندستورم
حين نقول إن المشهد الموسيقي السعودي كان «مغلقًا»، فإننا نغفل جزءًا مهمًا من السياق. ما المقصود تحديدًا بـ«مغلقًا»؟ هل يعني ذلك أن الفنانين العالميين لم يكن بإمكانهم تقديم عروضهم؟ أم أن النساء لم يكنّ قادرات على أن يصبحن منسقات موسيقى؟ أم أن الفعاليات المختلطة كانت محظورة؟
الواقع أكثر تعقيدًا بقليل.
غالبًا ما يُنظر إلى السعودية بوصفها بلدًا ظل مغلقًا حتى نحو عام 2019. لكن الأدق أن المملكة دخلت بعد عام 1979 مرحلة أشد محافظة بكثير، واستمرت على هذا النحو لعقود. وهذا يغيّر الحكاية إلى حد كبير.
في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن الماضي، عرفت السعودية دور السينما والحفلات الموسيقية والعروض المسرحية والإطلالات التلفزيونية لنجوم عرب، إلى جانب ثقافة موسيقية حاضرة للعيان. وفي عام 1962، استضافت المملكة حتى ما يُعد أول حفل موسيقي حديث فيها بمصاحبة آلات موسيقية.
ثم جاء عام 1979، نقطة التحول التي دفعت السعودية إلى مرحلة أكثر محافظة بكثير، مرحلة ستطبع الحياة العامة لعقود لاحقة.
ومن أبرز سمات تلك الحقبة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر — المعروفة أكثر باسم الشرطة الدينية. كان دورها يتمثل في فرض الأخلاق العامة وفق تفسير المملكة للشريعة الإسلامية: منع اختلاط الرجال والنساء غير المحارم في الأماكن العامة، ومراقبة قواعد اللباس، وفض التجمعات التي تُعد غير لائقة.
لم تكن الموسيقى بحد ذاتها غير قانونية. لكن الحياة الموسيقية العامة أصبحت أكثر تقييدًا على نحو متزايد. لم تكن لتسمع الموسيقى في المقاهي أو المطاعم، ولم يكن بوسعك ببساطة تشغيلها في مكان عام. كانت الحفلات نادرة. لم تختفِ الموسيقى قط — بل انتقلت إلى ما وراء الأبواب المغلقة: إلى حفلات الزفاف، والمجمعات السكنية الخاصة، والتجمعات السرية.
وإن بدا ذلك دراميًا، فربما سيخبرك كثير من السعوديين أن الواقع كان أشد وطأة.
لم تكن القيود دائمًا مرتبطة بقوانين صريحة؛ ففي كثير من الأحيان كان الغموض هو العامل الأثقل. لم تكن تعرف تمامًا أين يقع الحد، أو ما إذا كانت فعالية ما ستجذب انتباهًا غير مرغوب فيه، أو ما العواقب التي قد تترتب عليها. وبالنسبة إلى كثيرين، كان هذا الغموض كافيًا لإبعاد الموسيقى عن المجال العام.
الثقافة لم تختفِ قط. كل ما في الأمر أنها انتقلت إلى الداخل.
وجاءت نقطة التحول في عام 2016 في عهد ولي العهد الأمير محمد بن سلمان، حين قُلّصت صلاحيات الشرطة الدينية على نحو كبير. فلم يعد بإمكانها توقيف الأشخاص أو احتجازهم، وتحولت إلى حد بعيد إلى جهة ذات دور إرشادي.
ثم تسارعت الإصلاحات: في عام 2017، حصلت النساء على حق قيادة السيارة؛ وفي عام 2018، عادت دور السينما بعد عقود من الغياب، وبدأ الفنانون العالميون تقديم عروضهم علنًا في المملكة.
:quality(75)/large_Eminem_Big_Beast_Day1_1_1_1_02f1c92913.png?size=1131.59)
نحو 70% من السعوديين دون سن الثلاثين، وولي العهد ينتمي إلى الجيل نفسه. هناك شعور بأنه أراد التغيير للشباب ولمستقبل البلاد. لقد انفتحت السعودية على العالم بطرق كان من الصعب تخيّلها قبل بضع سنوات فقط. والنتيجة تبدو أشبه بثورة ثقافية؛ كأن عالماً جديداً بالكامل قد انفتح. — DISH DASH
:quality(75)/large_Save_Clip_App_497618319_18506233336025106_8468920601732657897_n_1_24ba99219a.png?size=1169.19)
Instagram: @dishdash_music
لحظة وصول ساوندستورم
وجاء ساوندستورم تتويجاً لذلك التحوّل الثقافي. فمن الخارج، بدا كأنه مهرجان موسيقي. أما بالنسبة إلى كثير من السعوديين، فكان يعني ما هو أكبر بكثير: خروج ثقافة ظلّت لعقود طويلة خلف الأبواب المغلقة إلى الفضاء العام. كان نقطة تحوّل ثقافية، بل إن بعضهم قد يصفه بالثورة.
بصراحة، كان الأمر يبدو أشبه بالحلم في ذلك الوقت. كثيرون منا أمضوا سنوات في بناء مجتمعات موسيقية بهدوء، من دون أن نتوقع أن يحدث شيء بهذا الحجم علناً في السعودية. لذلك، حين بدأت الفكرة تتبلور، كان الحماس هائلاً، لكن كان هناك أيضاً شعور كبير بالمسؤولية.
ما ينساه البعض أحياناً هو أننا لم نبدأ من الصفر. منسقو الموسيقى والفنانون والمنتجون والمروّجون والجمهور كانوا موجودين بالفعل هنا. أما التحدي الحقيقي فكان في بناء البنية التحتية حولهم، ومنحهم المنصات التي يستحقونها.
أدركتُ منذ البداية أن الأمر يتجاوز بكثير فكرة مهرجان واحد. كان الهدف خلق شيء مستدام — منظومة تتيح للناس أن يتطوروا ويبدعوا ويبْنوا مسارات مهنية طويلة الأمد في الموسيقى.— Baloo
:quality(75)/large_33_1_949befeab9.png?size=1182.67)
حين يصبح التاريخ تجربة شخصية
للسياق التاريخي أهميته. لكن لنكن صريحين: نادرًا ما يصبح التاريخ ملموسًا إلا عندما يرتبط بالأشخاص الذين عاشوه.
وهذا بالضبط ما يفعله CUE. فبدلًا من التركيز فقط على المهرجانات ونموّ الصناعة، يتتبع العمل مسارات الموسيقيين ومنسّقي الأغاني والمبدعين الذين عايشوا هذا التحوّل عن قرب — أشخاص انتقلوا من العروض خلف الأبواب المغلقة إلى الوقوف على بعض أكبر مسارح المنطقة.
ما يجعل الفيلم مميزًا بالنسبة إليّ هو أنه يوثّق أشخاصًا عاشوا تلك المرحلة فعلًا وأسهموا في تشكيلها بطرق كثيرة.
وبعيدًا عني، يضم الفيلم شخصيات مثل Dish Dash وVinyl Mode وCosmicat وآخرين. يعكس الوثائقي هذه الحقيقة: هذا المشهد لم يظهر فجأة بين ليلة وضحاها. كان موجودًا بالفعل، لكن بشكل خاص وبعيدًا عن الأضواء.— Baloo
وما كانت تلك الوقائع؟ رفض العائلة. شكّ دائم في النفس. وصعوبة أن تسعى وراء ما تحب من دون أن تعرف إن كان سيُقبل يوماً أو سيُؤخذ على محمل الجد.
- بالو — أحد الأسماء المحورية وراء مشهد الموسيقى الإلكترونية في السعودية، ولاحقاً أحد الأعضاء المؤسسين لـ MDLBEAST. كان محظوظاً لأنه نشأ في عائلة ساندت شغفه بالموسيقى، وهي تجربة لم تكن متاحة للجميع.
ما زلت أتذكر مدى فخر والدي عندما بدأت أحقق حتى دخلاً جانبياً بسيطاً من الموسيقى وتنسيق الأغاني، لأنه رأى أن ذلك مرتبط بشيء أحبه بصدق وأهتم به فعلاً.
وفي الوقت نفسه، كان هناك إدراك اجتماعي بأن بعض جوانب ثقافة الموسيقى تظل ضمن الدوائر الخاصة. داخل الأجواء العائلية، كانت الموسيقى حاضرة ومحتفى بها، لكن في العلن كان الناس ما زالوا يتعاملون مع الأمر بحذر خلال تلك الفترة.— بالو
- Vinyl Mode، أحد روّاد الموسيقى الإلكترونية السعودية، وشخصية محورية في تأسيس ساوندستورم، وإنسان وثيق الصلة بإيمانه. في هذا الفيلم، يتحدث بصراحة عن توتر ظل يرافقه حتى مع التحول الكبير الذي شهده المشهد من حوله.
يؤلمني أن يكون جميع أصدقائي فخورين بما أقدمه، بينما لا تشعر والدتي بذلك. هي ترى أن الموسيقى محرّمة في ديننا، وأنها حرام. ومع مرور الوقت، آمل أن تدعمني.— Vinyl Mode
- كوزميكات — إحدى أبرز فنانات الموسيقى الإلكترونية في السعودية — أمضت سنوات وهي توازن بين عالمين شديدي الاختلاف. نهاراً، كانت تعمل طبيبة أسنان. وليلاً، أخذت تبني مسيرتها كمنسقة موسيقى، مع إبقاء شغفها بالموسيقى بعيداً إلى حد كبير عن حياتها العائلية.
حتى الآن، لم أجلس فعلاً مع عائلتي لأخبرهم بالتحديد ماذا أفعل. لا يمكن للمرء ببساطة أن يلتفت إلى والديه ويقول: «اسمعوا، سأترك دراسة طب الأسنان — سأصبح منسقة موسيقى».— كوزميكات
:quality(75)/large_Save_Clip_App_573213662_18546378094010889_1303281076119153823_n_1_f3e40dc9f0.png?size=920.41)
إنستغرام: @cosmicatx
هذه الحكايات الصغيرة هي ما يمنح القصة الكبرى معناها. فهي، مجتمعة، تجيب عن سؤال مهم: كيف استطاع مشهد فني تحت الأرض أن يصمد كل هذا الوقت حتى يتحول إلى حركة عالمية؟
كما أنها تفسّر لماذا تأثر كثيرون ممن ظهروا في الفيلم بعد النسخة الأولى من ساوندستورم. فالأمر لم يكن يوماً مجرد مهرجان تحقق أخيراً، بل كان دليلاً على أن سنوات من المثابرة والشك والإيمان لم تذهب سدى.
:quality(75)/medium_cover_bdf107049e.jpg?size=80.64)
:quality(75)/medium_Whats_App_Image_2024_05_17_at_8_17_53_PM_71df42eecc.jpeg?size=50.31)
:quality(75)/medium_IMG_6040_JPG_1_9d492e7df9.png?size=687.41)
:quality(75)/medium_Ahmed_Saati_03_0b6dfbbec4.jpeg?size=29.48)
:quality(75)/medium_20240906_Dylan_Rod_hassan6_1_1_46fc4263cc.png?size=466.44)
:quality(75)/medium_KH_promo_17_af3e561277.jpg?size=66.56)