image

by Alexandra Mansilla

أحمد طلعة: ما نعيشه يصبح مرئياً

Photo: Antoine Deeb

في لوحات أحمد طلاع، يحضر الوجه دائماً — لكنه لا يتبدّى بوضوح كامل. بورتريهاته ضبابية قليلاً ومخففة الملامح؛ يمكنك بلا شك أن تتعرّف إلى وجه، لكن ليس دائماً إلى تفاصيله الدقيقة. ولعل هذا هو المقصود: فطلاع لا يعنيه أن يرسم شبهاً مطابقاً لشخص ما، بل ما يمكن للوجه أن يحمله في داخله.

«لا يحضر الوجه لمجرد تصوير شخص ما»، يقول. «إنه وسيلة لعكس ما في الداخل».

بالنسبة إلى طلاع، بدأ الفن مبكراً. فقد نشأ في عائلة فنية: والده خطاط وموسيقي، كما ارتبط أفراد آخرون من عائلته بالفن. كان الرسم جزءاً من طفولته، لكن اللغة التي يعمل بها اليوم جاءت لاحقاً، وتشكلت بفعل واقع أشد قسوة بكثير.

ينحدر طلاع من دمشق، وقد تبلورت ممارسته الفنية في سياق الحرب. وسط التوتر وضجيج الشارع وعدم الاستقرار، احتاج إلى مساحة يستعيد فيها توازنه الداخلي. وهكذا أصبح الفن، على حد تعبيره، نوعاً من العلاج الذاتي.

ويقول: «أصبح الفن اللغة التي طوّرت من خلالها ممارستي البصرية وعبّرت عنها، حيث ينبثق كل عمل فني كلغة خاصة من تلاقي الشكل والتكوين والهيئة والخط والملمس، ليسهم كل عنصر في بناء العمل ككل موحّد».

image
image
image

لا تزال تلك اللغة حاضرة في أعماله: خامات خشنة، خطوط تعبيرية، درجات لونية خافتة، شخوص عائمة، وتكوينات مفتوحة. لا تسعى لوحاته إلى تفسير كل شيء؛ بل تترك مساحة للمتلقي كي يدخل إليها، يتوقف عندها، ويشعر بها.

كثيراً ما يتحدث طلاع عن الشهادة بوصفها مسؤولية. فبالنسبة إليه، لا ينبغي لما يمر به الناس — ولا سيما في أزمنة العنف والضغط واللايقين — أن يتلاشى. بل يتحول إلى أرشيف.

«لسنا مجرد ضحايا»، يقول. «بل شهود مؤتمنون على مسؤولية حفظ ما رأيناه. تحمل هذه التجارب قيمة جوهرية، وتستحق أن تُوثَّق كأرشيف حي».

تشكّل هذه الفكرة جوهر معرضه الفردي المرتقب، الأرشيف الحي، الذي تستضيفه فيريتي كونتمبراري. يوحي العنوان بشيء نابض وفاعل، لا ينتمي إلى الماضي فحسب. فالأرشيف، في نظر طلاع، لا يتكوّن فقط من وثائق أو أشياء؛ بل يظهر أيضاً في الجسد، وفي الوجه، وفي الطريقة التي يتبدّل بها الإنسان مع مرور الوقت.

«كل ما تمر به يترك أثره على وجهك»، يقول. «ومصدر ذلك كامن داخل الأرشيف — في ما عشته ومررت به».

image
image
image

أحمد طلاع، بلا عنوان (2026)

لهذا تبدو بورتريهاته ضبابية بعض الشيء. ولا يعود هذا الغموض البصري إلى نقصٍ ما، بل إلى وجود شيء خلف الصورة — شيء لا يُرى للوهلة الأولى، لكنه حاضر. فالصورة الواضحة يمكن فهمها سريعاً، أما طلّاع فيريد للمشاهد أن يمكث أمام العمل وقتاً أطول.

«حين يُقدَّم للمشاهد شكلٌ ذو معنى ثابت، يراه ثم يمضي»، يقول. «أما الغموض، فيفتح مساحة للتأمل، ويدعو العين إلى التمعّن والتريث والتفكير».

تمتلئ أعماله بهذا التوتر بين ما يُرى وما يُحَسّ. وفي العام الماضي، ضمن المعرض الجماعي «الحضور غير المرئي»، اكتسبت هذه الفكرة أهمية خاصة. فبورتريهات طلّاع لا تتمحور حول شخص بعينه، بل حول حالة شعورية غير مرئية. يتحوّل الوجه هنا إلى أداة للتعبير عمّا لا يمكن إظهاره مباشرة.

image
image
image

أحمد طلّاع، بلا عنوان (2026)

لكن الممارسة الفنية لدى طلاع لا تقتصر على البورتريهات. ففي الأرشيف الحي، نرى كيف تنتقل اللغة البصرية نفسها إلى صيغ أخرى — كتب مصنوعة يدوياً، وأسطح معاد تدويرها، وأعمال نحتية.

بالنسبة إليه، ليست هذه مسارات منفصلة، بل أجزاء من مشروع واحد متصل. غالباً ما يعمل بمواد قديمة أو معاد استخدامها — كالورق والخشب والقماش وغيرها من الأسطح التي تحمل أصلاً آثار الزمن. فالسطح المعاد تدويره، شأنه شأن الوجه الإنساني، يحتفظ بشيء من ماضيه، ويغدو نوعاً آخر من الأرشيف.

تواصل الكتب المصنوعة يدوياً هذه الفكرة على نحو أكثر حميمية. يمكن لكل صفحة أن تستقل بذاتها، لكنها معاً تصنع تسلسلاً: تارةً عبر التضاد، وتارةً عبر الانسجام. قد تضم الصفحة خطاً، أو يداً، أو وجهاً، أو شذرة من كتابة. وبالنسبة إلى طلاع، يتحول الكتاب إلى مساحة حرّة، تتجاور داخلها تكوينات مختلفة ضمن جسم واحد.

image
image
image

أحمد طلاع، النائم (2024)؛ آثار الضوء (2024)

تأخذ منحوتاته، ومنها النائم وآثار الضوء، هذا البحث نفسه إلى فضاء ثلاثي الأبعاد. فالشخصيات النائمة لا تبدو مستغرقة في الراحة فحسب؛ بل كأنها تبحث عن ملاذ، تحاول الفرار من الضجيج والعثور على مكان هادئ. ومن هذا المنظور، تعود إلى بدايات ممارسة طلاع الفنية: الفن بوصفه مساحة للحماية والتوازن والسكينة الداخلية.

ملحوظة: أود أيضاً أن أشكر يعرب، صديق أحمد، الذي أتاح إجراء هذا الحوار بفضل ترجمته السلسة بين العربية والإنجليزية.