:quality(75)/large_Frame_1511851320_9383b1eb27.png?size=1573.42)
by Barbara Yakimchuk
مبنى تويوتا يُزال… لماذا يبدو الأمر شخصياً إلى هذا الحد؟
في الأسبوع الماضي، نجح خبر واحد في خطف اهتمام الإمارات خلال ساعات قليلة: تقرّر رسمياً هدم مبنى تويوتا بحلول عام 2027. ولم يمرّ الأمر مرور الكرام. بدا السكان المحليون والمقيمون على القدر نفسه من الانزعاج. بعضهم عاد إلى صور قديمة لمبنى تويوتا، وآخرون بادروا فوراً إلى السؤال: لماذا؟ أما البقية منا فاكتفوا بمراقبة القصة وهي تسيطر على صفحاتنا.
لذلك قررنا أن ننظر إلى ما وراء الخبر فعلاً. ما الذي يحدث لمبنى تويوتا، ولماذا؟ ما الذي جعل هذا المبنى السكني العادي نسبياً جزءاً مهماً من الهوية البصرية لدبي؟ وسؤالي المفضل: لماذا نتعلّق إلى هذا الحد بمكان لم يدخله معظمنا أصلاً، وبالكاد يمكن وصفه بأنه أثر قديم؟
عام 1974 لا يبدو بعيداً — إلا إذا كنت في دبي
كنت قد عدت للتو من متحف زايد الوطني عندما بدأت كتابة هذا المقال، وجاء ذلك في توقيت مناسب على نحو غير متوقع. فبعد مشاهدة صور لأبوظبي ودبي حين كانت مساحات واسعة مما نراه اليوم عامراً لا تزال صحراء، بدا عام 1974 — وهو العام الذي اكتمل فيه المبنى الذي نعرفه اليوم باسم مبنى تويوتا — أبعد بكثير مما نتصور.
ففي العادة، لا يبدو كذلك. وهذا جزء مما يجعل خط الزمن في دبي صعب الاستيعاب. تعيش وسط ناطحات السحاب، والطرق السريعة ذات المسارات الستة، وبعض أكبر الشركات وشركات الطيران في العالم، فيصبح من السهل جداً أن تنسى كم هو حديث عهد الكثير من هذا المشهد.
لذلك، لنضع عام 1974 في سياقه.
كيف كانت تبدو الولايات المتحدة في ذلك العام؟ كانت قد أرسلت إنساناً إلى القمر قبل خمس سنوات. وكان مبنى إمباير ستيت — أحد أشهر ناطحات السحاب في مدينة نيويورك — قائماً منذ أكثر من 40 عاماً، فيما كان برج سيرز قد اكتمل في العام السابق، وكان آنذاك أطول مبنى في العالم.
:quality(75)/large_image_1310_f78c0ca56b.jpg?size=108.36)
الصورة: Peter Keegan، Hulton Archive
لا ترغبين في اعتماد الولايات المتحدة معياراً للمقارنة؟ لا بأس — فلنقترب قليلاً. لننظر إلى أوروبا ما بعد الحرب، وفرنسا تحديداً. بحلول عام 1974، كان مترو باريس يعمل منذ أكثر من 70 عاماً. أما Boulevard Périphérique، ذلك الطريق الدائري الضخم المحيط بباريس، فكان قد افتُتح بالكامل في العام السابق. وكانت لا ديفانس — التي قد تكون مألوفة لكِ من مسلسل Emily in Paris — قد قطعت شوطاً كبيراً بالفعل نحو التحوّل إلى حي الأعمال المزدحم بالأبراج المكتبية كما نعرفه اليوم.
:quality(75)/large_image_1311_e7f8aa4a62.jpg?size=109.04)
المصدر: Getty Image
لنعد الآن إلى الإمارات.
في عام 1974، لم يكن عمر الدولة نفسها يتجاوز ثلاث سنوات. وكان عدد سكان دبي بحلول عام 1975 نحو 183 ألف نسمة، مقارنة بالملايين اليوم. أما مركز دبي التجاري العالمي — الذي سيصبح لاحقاً أحد أبرز رموز التحوّل المبكر في المدينة — فلم يكن قد وُجد بعد. وكانت منطقة وسط مدينة دبي لا تزال بعيدة عقوداً، فيما لم تكن أعمال بناء برج خليفة لتبدأ إلا بعد 30 عاماً أخرى.
وهنا نعود إلى مبنى تويوتا. فالمنطقة المحيطة به آنذاك لم تكن تشبه بأي حال شارع الشيخ زايد الذي نعرفه اليوم. كانت طرق جديدة تشق مساحات شاسعة من الأراضي المفتوحة، فيما بدت المباني المنفردة وكأنها تظهر بمعزل عن محيطها على امتداد الصحراء. وعند اكتمال مبنى تويوتا عام 1974، أصبح واحداً من المعالم المبكرة لمدينة بدأت تتمدّد خارج الأحياء الأقدم حول الخور.
مبنى تويوتا الذي لا تملكه تويوتا أصلاً
قبل أن نمضي أبعد، لا بد من توضيح صغير: مبنى تويوتا ليس اسمه الفعلي مبنى تويوتا.
أعرف ذلك. فمع لقب كهذا، من الطبيعي أن تتخيلوا أن وراءه حكاية كاملة مع تويوتا؛ ربما كان أول مكتب للشركة في دبي، أو أنها استثمرت في المبنى مع بداية نمو المدينة، وربما حتى كانت هي من شيّدته. كان ذلك سيبدو منطقياً تماماً.
لكن لا، ليس الأمر كذلك على الإطلاق. فحكاية تحوّل مبنى سكني عادي إلى اسم يرتبط بشركة سيارات يابانية جاءت بمحض المصادفة أكثر مما قد تتوقعون.
اسمه الحقيقي هو مبنى ناصر راشد لوتاه، وهو مجمع سكني من كتلتين و15 طابقاً، يضم شققاً بغرفة نوم واحدة وغرفتي نوم وثلاث غرف نوم، إلى جانب مساحات تجارية في الطابق الأرضي، ولا يزال كثير منها مؤجراً حتى اليوم. وعلى مدى عقود، اتخذت أجيال من سكان دبي، بينهم العديد من العائلات المقيمة، من هذا المبنى بيتاً لها.
فأين دخلت تويوتا على الخط؟ من السطح، حرفياً.
في عام 1981، دفعت تويوتا مقابل تركيب لوحة إعلانية عملاقة فوق المبنى. لا مكتب، ولا صالة عرض، ولا مقر سري لتويوتا — مجرد إعلان. لكنه كان ضخماً، يستحيل ألا تلاحظه، ومع اتساع دبي من حوله، أصبح علامة يستدل بها الناس بسهولة. بدأ السكان يصفون الطرق بالاستناد إلى اللوحة، وصاروا يشيرون إلى المبنى كله ببساطة باسم مبنى تويوتا. وهكذا ثبت اللقب.
وحتى عبارة «ثبت اللقب» قد لا تفي الأمر حقه. فقد اتضح ذلك تحديداً في عام 2018، عندما انتهى عقد تويوتا الإعلاني وأُزيلت اللوحة. افتقدها الناس بصدق؛ فمن اعتادوا المرور بها يومياً في طريقهم إلى العمل، أو استخدامها للاستدلال على المكان، أو رؤيتها كجزء من ملامح المدينة، لم تعد بالنسبة إليهم مجرد إعلان. وصلت الرسالة إلى تويوتا، وفي عام 2022 عادت اللوحة «بناءً على طلب الجمهور» بعد استطلاع عام.
ولعل هذا هو أفضل تفسير لأهمية هذا المبنى السكني العادي نسبياً: إعلان على سطح مبنى تحوّل بالمصادفة إلى معلم، ثم أصبح ذلك المعلم جزءاً من الذاكرة الجماعية لدبي.
فلماذا يُهدم المبنى إذن؟
إذا كان المبنى بهذه الشهرة، وبات معلماً غير رسمي من معالم دبي، فالسؤال البديهي هو: لماذا يُهدم من الأساس؟
الإجابة أقل عاطفية بكثير من حكاية لافتة تويوتا.
ذكرت Khaleej Times أن إخلاء المبنى جاء بعد مخاوف تتعلق بالاكتظاظ وتقسيم الشقق بصورة غير قانونية. ووفقاً لممثل عن مجموعة ناصر راشد لوتاه، قُسّمت بعض الشقق إلى غرف أصغر تؤوي ما يصل إلى 15 شخصاً، فيما وجّهت الجهات المعنية الإدارة إلى إخلاء الوحدات المكتظة. كما أفادت تقارير بأن إدارة المبنى قالت إن بلدية دبي لم توافق على تنفيذ مزيد من أعمال الصيانة بسبب حالة العقار.
وهنا تعود بنا الحكاية إلى بدايتها: عام 1974. بعد أكثر من خمسة عقود، يواجه المبنى تبعات الزمن، إلى جانب الاكتظاظ ومخاوف السلامة. ومع صرامة دبي في تطبيق معايير سلامة المباني والوقاية من الحرائق، يصبح قرار إخلاء العقار تمهيداً لهدمه المخطط في عام 2027 أكثر قابلية للفهم.
لكن حتى الآن، يبقى جزء من القصة بلا إجابة: ما الذي سيحلّ مكانه؟ لم تُعلن بعد أي خطط مؤكدة للموقع.
ظاهرة الارتباط بالمكان
ربما كان بوسعنا أن ننهي المقال هنا وننتقل إلى القصة التالية. لكن ثمة سؤالاً لا أستطيع تجاوزه.
أستطيع أن أتفهم لماذا قد يحزن من نشأوا في دبي على اختفاء مبنى تويوتا. قد يتذكرونه باعتباره أحد معالم دبي مختلفة تماماً، أو ربما يتذكره آباؤهم كذلك؛ مبنى كان قائماً قبل أن تظهر حوله أجزاء كثيرة من المدينة التي نعرفها اليوم.
لكن ماذا عن الوافدين؟
قد تكون إقامتك في دبي امتدت لثلاث سنوات أو خمس أو 10 أو حتى 15 سنة؛ مدة تكفي لتشعر بأن المدينة أصبحت وطناً، لكنها لا تكفي لتتذكر لحظة ظهور مبنى تويوتا فيها. فعندما وصل كثيرون منا، كان المبنى قائماً منذ عقود، فيما كان برج خليفة يهيمن على الأفق، وكان برج العرب قد أصبح منذ زمن أحد رموز المدينة. ربما لم تسكن يوماً في مبنى تويوتا ولم تعمل فيه. ربما كنت تمر بجانبه بين حين وآخر فقط. وقد لا تكون لديك ذكرى محددة تفسر لماذا يعني لك شيئاً. ومع ذلك، يهمّك الأمر. لماذا؟
في علم النفس مفهوم يساعد على تفسير ذلك: الارتباط بالمكان. تقوم الفكرة على أنك لست مضطراً إلى أن تكون قد نشأت قرب مكان ما كي يصبح ذا معنى بالنسبة إليك. أحياناً، يكفي التكرار وحده.
فكر في الطرق التي تسلكها مراراً، وفي المباني التي تمر بها من دون أن تنظر إليها حقاً، وفي الأماكن التي تتحول بهدوء إلى نقاط مرجعية في حياتك اليومية. هذه روتينات زمانية-مكانية؛ قد لا تعني منفردة الكثير. لكنها، مع تكرارها لأشهر أو سنوات، تصبح تدريجياً جزءاً من خريطتك الذهنية للحياة.
وقد تتحول أيضاً إلى ما يسميه علماء النفس إشارات تذكّرية؛ أي محيط مادي يستدعي ذكريات وارتباطات، حتى لو لم يكن المكان نفسه مهماً على نحو خاص في البداية.
وهنا، فجأة، يصبح وقع مبنى تويوتا أكثر وضوحاً. ربما وصلت إلى دبي في عام 2020. كان المبنى موجوداً بالفعل. ثم، على مدى السنوات الست التالية، صرت تمر به في طريقك إلى العمل، أو تلتقي أصدقاءك في مكان قريب منه، أو تسمع عبارة «انعطف بعد مبنى تويوتا» عندما يصف لك أحدهم الطريق. في معظم الأوقات، ربما لم تكن تفكر في المبنى أصلاً.
إلى أن أخبرك أحدهم بأنه سيختفي. فما يختفي هنا ليس مجرد مبنى، بل جزء مألوف من المشهد جرت على خلفيته فصول من حياتك أنت.
في لحظة ما على الطريق، لم يعد جزءاً من تاريخ دبي فحسب، بل أصبح جزءاً من تاريخك الشخصي في دبي.

:quality(75)/large_image_1305_486fbd6234.png?size=2212.78)
:quality(75)/large_image_1306_f60580a2a5.png?size=1559.97)
:quality(75)/G_b_F7a0i_Y3_Md_Up_G0_X_Aj7_Lj_78y_U_a0ba3fad43.avif?size=96.44)
:quality(75)/medium_victor_larracuente_f2_U_Dqwq_C_Pg4_unsplash_bac37b5b16.jpg?size=42.36)
:quality(75)/medium_getty_images_LA_Uu_Kap_ZA_4_unsplash_1_b684b3dcc7.jpg?size=37.07)
:quality(75)/medium_dawid_tkocz_M_Qf_D_Zm_Bk_Le8_unsplash_696717efcb.jpg?size=57.17)
:quality(75)/medium_sectacollective_1786378130_3960740192863035066_2267141115_f7269b3c90.jpg?size=47.88)
:quality(75)/medium_ross_parmly_rf6yw_H_Vkrl_Y_unsplash_94208612ed.jpg?size=33.66)
:quality(75)/medium_im_703_bahrain_gallery_home_cycling_city_jpg_ddb11fef10.jpeg?size=34.97)