image

by Barbara Yakimchuk

ما بعد الجلسات الحوارية: ما يستحق المشاهدة في Creative Dialogues Beirut نهاية هذا الأسبوع

اليوم يومٌ مهم لبيروت: Creative Dialogues تعود من جديد. فمن 9 إلى 11 أكتوبر، تعود الفعالية في نسختها الثالثة والأكبر في المدينة، وهذه المرة تتجاوز نطاقها المعتاد لتُدخل الحِرفية والمجتمع والاستدامة والسينما في صميم الحوار.

وقد اتسعت الفعالية فعلاً: 55 متحدثاً، 13 محوراً نقاشياً، 18 ورشة عمل، ستة عروض وخمسة أفلام قصيرة. محاولة الإحاطة بكل ذلك في مقال واحد ستكون فكرة سيئة للغاية — بل إن أسوأ ما يمكن فعله هو إغراقكم بكل ما لدينا من معلومات على أمل أن تواصلوا القراءة إلى منتصف الطريق على الأقل. لذلك، سنبدأ بجزء صغير لكنه مهم من البرنامج: ثلاثة معارض نُسّقت خصيصاً لهذه النسخة، خيوط مضيئة، وبعد الاستخدام: النفايات مهمّة، والطريق الذي اختارته. وعندما تصلون لمشاهدتها، من يدري إلى أين ستأخذكم بقية عوالم Creative Dialogues؟

قبيل الافتتاح، تحدثنا إلى منسّقي ومنسّقات المعارض الثلاثة عمّا سترونه فعلاً، وعن القصص الكامنة وراء الأعمال، والتفاصيل التي تستحق الانتباه عند زيارتكم.

image

ما حكاية Creative Dialogues؟

بدأت الحكاية في بيروت عام 2023 بفكرة تبدو بسيطة: تزخر منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بالفنانين والمصممين وصنّاع الأفلام والمهندسين المعماريين والموسيقيين وغيرهم من العقول المبدعة، لكن كثيراً ما يبقى كلّ منهم ضمن حدود مجاله بأدب. من هنا وُلدت Creative Dialogues لكسر تلك الحواجز؛ مساحة تلتقي فيها هذه العوالم، وتتبادل الأفكار، وربما تبتكر معاً شيئاً جديداً تماماً.

بعد ثلاثة أعوام، تحوّلت تلك الفكرة الأولى إلى سؤال أكبر بكثير: حين نجمع كل هذه العوالم الإبداعية، ما الذي يمكنها أن تغيّره فعلاً؟ هنا يأتي دور ثيمة هذا العام، الثقافة بالتصميم: الإبداع من أجل الأثر. قد تبدو العبارة واسعة بعض الشيء، لكن خلفها فكرة أكثر عملية: النظر إلى الإبداع لا بوصفه شيئاً نصنعه أو نُعجب به فحسب، بل كقوة قادرة على تلبية احتياجات الناس، وتحويل الأفكار إلى حلول ملموسة، وإبقاء التقاليد الثقافية حيّة وذات صلة، بدلاً من الاكتفاء بحفظها في الماضي.

ولتسهيل مقاربة هذه الفكرة، قسّم المنظّمون الأيام الثلاثة إلى ثلاثة محاور مختلفة. اليوم الأول، التعاطف بالتصميم، يتناول كيف يمكن للعمل الإبداعي أن يستجيب لاحتياجات وتجارب إنسانية حقيقية. أما اليوم الثاني، التصميم في الممارسة، فينتقل من الأفكار إلى التنفيذ؛ أي كيف يمكن للتصميم والحِرف والمواد أن تتحوّل إلى شيء ملموس. ويأتي اليوم الثالث، الثقافة عبر الزمن، ليتوقف عند التراث: ما الذي نحافظ عليه، وما الذي نعيد ابتكاره، وكيف يمكن للممارسات التقليدية أن تظل حاضرة في الثقافة المعاصرة.

يتناول البرنامج هذه الأفكار من زوايا متعددة، عبر حوارات عامة وجلسات نقاش مستديرة تجمع أصواتاً من الفن والتصميم وما بعدهما؛ وورش عمل عملية تمتد من الخزف والمسرح إلى الاستدامة والأرشفة؛ إلى جانب عروض أدائية، وخمسة أفلام لبنانية قصيرة يعقبها لقاء مع المخرجين.

ولعل أوضح طريقة لرؤية الإبداع من أجل الأثر على أرض الواقع — وهي ما نركّز عليه هنا — تتمثّل في ثلاثة معارض تستكشف التراث والاستدامة والحكايات الشخصية. المعارض الثلاثة مفتوحة للجميع، مع التشجيع على التسجيل المسبق.

ملاحظة أخيرة: تتوزع المعارض على مواقع مختلفة في المدينة، لذا يُفضّل التأكد من العنوان جيداً قبل التوجّه بسيارة أجرة.

image

خيوط مضيئة

تاريخ الافتتاح: 9 أكتوبر

الموقع: بيت كنز

خيوط مضيئة يأخذنا إلى بعلبك، المدينة العريقة في شرق لبنان، ويدخلنا إلى عالم الطَّرق، وهي تقنية تطريز تعود إلى قرون طويلة وتستخدم مادة غير متوقعة إلى حدّ بعيد. فبينما يتبادر إلى أذهان معظمنا أن التطريز يقوم على الإبرة والخيط، تُنجَز تقنية الطَّرق بشرائط معدنية رفيعة ومسطّحة، تُطوى وتُضغط باليد غرزةً بعد غرزة، إلى أن تتكوّن منها مسطحات هندسية تلتقط الضوء.

واللافت أنّ حرفة بهذا العمق التاريخي لم يُدوَّن عنها إلا القليل جداً. لذلك، قبل بناء المعرض، كان على القيّمة ياسمين دبوس وقائدة البحث فاليريا زوبييتا لوبو القيام بعمل أشبه بالتحرّي. نبش الفريق في صحف القرن التاسع عشر، والأرشيفات والقطع التاريخية، وتحدّث إلى النساء في بعلبك ممن لا يزلن يُتقنّ هذه التقنية.

كان البحث في تقنية الطَّرق رحلة حافلة بالمفاجآت. لا يكاد يوجد شيء مكتوب عنها، لذلك جمعنا تاريخها صفحةً بعد أخرى. لكن الغاية من كل هذا العمل لم تكن التوثيق لذاته؛ بل إبراز حضور هؤلاء النساء وربطهنّ بأسواق التصميم في بيروت وما بعدها. فإذا وُجد الاهتمام وتبِعته التكليفات، فلن تبقى تقنية الطَّرق حيّة في الأرشيف فحسب، بل ستواصل حياتها بين أيديهنّ.
— ياسمين دبوس، قيّمة معرض خيوط مضيئة

غيّر ذلك الحوار مسار الحكاية التي كان الفريق يتوقع روايتها. فبدلاً من حرفة تقف على حافة الاندثار، وجدوا في بعلبك نحو 40 امرأة ما زلن يمارسن «الطرق»، إلى جانب دائرة أوسع من البنات والعمات والجارات اللواتي يتعرّفن إلى غرزاته ويمكنهن تعلّمها وممارستها بأنفسهن. وهكذا انتقل السؤال من كيفية حفظ آخر آثار «الطرق» إلى كيفية منح هذا التقليد الحي مستقبلاً يليق به.

وهذا تحديداً ما يسعى إليه مشروع Luminous Threads. ففي صميمه عمل تركيبي جديد واسع النطاق، صُنع بالكامل بتقنية «الطرق» على أيدي نساء بعلبك. وتحيط به قطع تاريخية من ثلاثينيات القرن الماضي، إلى جانب بحوث أرشيفية وشهادات شفوية، تُعرض جميعها أمام الجمهور للمرة الأولى.

التفصيل الذي آمل أن ينتبه إليه الزوّار هو ملمس العمل. تُنجَز تقنية الطرق بشريط معدني مسطّح يُطوى ويُضغط باليد، غرزةً بعد أخرى، بحيث يمكن أن تشعر بكل قرار تحت أطراف أصابعك. وحين تلتفت إلى ذلك، لا تعود تراها مجرّد زينة، بل ترى اليد التي صنعتها.
— فاليريا زوبييتا لوبو، قائدة الأبحاث في خيوط مضيئة

ما بعد الاستخدام: للنفايات شأن

تاريخ الافتتاح: 10 أكتوبر

الموقع: EcoHub وAhla Fawda Studio

ما بعد الاستخدام: للنفايات شأن من تلك المعارض التي تحمل فكرتها الكبرى أمامك مباشرة، منذ العنوان: فالنفايات لا تعني بالضرورة نهاية عمر المادة. أحياناً تكون بداية لمسار تصميمي جديد تماماً. وهذا تحديداً هو التحوّل الذي يدعونا المنظّمون إلى التفكير فيه. انسَ المسار المعتاد: ابتكار فكرة أولاً، ثم البحث عن المواد المناسبة لتجسيدها. هنا، يبدأ كل شيء من مادة تخلّى عنها شخص آخر، ويصبح السؤال ببساطة: ماذا يمكن أن تصير بعد ذلك؟

طُوّر المعرض بالتعاون مع عدة جهات، من بينها ALBA، الأكاديمية اللبنانية للفنون الجميلة، ليسلّط الضوء على الجيل المقبل من المصممين، ويُظهر كيف يتعلّمون العمل بموارد محدودة، واكتشاف إمكانات إبداعية في ما قد يراه آخرون بلا فائدة.

ويمتد المعرض على موقعين في بيروت، EcoHub وAhla Fawda Studio، مستكشفاً ثلاث طرق مختلفة لمنح المواد المهملة حياة ثانية.

تأتي أولاً إعادة التدوير، حيث يُجمع الزجاج والبلاستيك المستخدمان ويُعالجان ليعودا إلى هيئة مواد خام، في تجربة تجمع الطلاب بالحرفيين والمتخصصين في القطاع. ثم تأتي إعادة الاستخدام الإبداعي، حيث لا يفتّت المصممون المواد إلى عناصرها الأولى، بل يعملون بما هو موجود أصلاً، من أغراض قديمة إلى بقايا وقطع مهملة، ليحوّلوها إلى شيء جديد مع الإبقاء على آثار حيواتها السابقة. وأخيراً، يتخذ المسار طابعاً أكثر تجريبية مع المواد الحيوية. هنا، يستكشف الطلاب كيف يمكن توظيف المخلفات العضوية والعمليات البيولوجية لتطوير مواد جديدة بالكامل. تخيّلوا سعف النخيل، وقشرة الخشب الرقيقة، وحتى SCOBY، تلك الثقافة الحية من البكتيريا والخمائر المعروفة أكثر بدورها في صنع الكمبوتشا.

ما أردنا لطلابنا أن يتخلّصوا منه هو فكرة أن النفايات تمثّل نهاية. عبر إعادة التدوير، وإعادة الاستخدام الإبداعي، والمواد الحيوية، توقّفوا عن السؤال عمّا كانت عليه المادة في السابق، وبدأوا يسألون عمّا لا يزال بإمكانها أن تصبحه. حين تصمّم انطلاقاً من تاريخ الشيء المهمل وقيوده، لا ضدّهما، تتوقف النفايات عن كونها مشكلة ينبغي إخفاؤها، وتصبح مادة يمكن العمل بها.
— ميشيل بريدي، معمارية ومصممة ومحاضِرة في جامعة ALBA

الطريق الذي اختارته

تاريخ الافتتاح: 10 أكتوبر

الموقع: آرتهاوس

المعرض الأخير في قائمتنا، الطريق الذي اختارته، ليس الأقل أهمية بأي حال؛ بل على العكس تمامًا. في صميمه، تأتي حكايات 24 امرأة قررن، في لحظة ما من حياتهن، تغيير المسار أو البدء من جديد أو إعادة تعريف ذواتهن.

ولسرد هذه الحكايات، حوّلها طلاب مدرسة مجال للتصميم إلى أعمال فنية، ليس عبر وسيط واحد فحسب. فالتطريز والخرز والنسيج والكولاج، جميعها تفتح مسارات مختلفة لالتقاط رحلة شخصية، من الرقيق والحميم إلى المتراكم الطبقات، وصولًا إلى ما يبدو غير مكتمل عن قصد.

لكن إذا أمعنت النظر، ستلاحظ أن معظم هذه التقنيات يجمعها خيط واحد: إنها مصنوعة من القماش والخيط، وليس ذلك محض مصادفة. تاريخيًا، ارتبط العمل بالقماش ارتباطًا وثيقًا بحياة النساء، وبالتقاليد المنزلية، وبانتقال المعرفة من جيل إلى آخر. ولزمن طويل، نُظر إليه بوصفه حرفة أكثر منه تعبيرًا فنيًا. أما هنا، فيتبدّل هذا المعنى. فالتقنيات التي ارتبطت يومًا بأعمال النساء اليدوية تصبح الوسيلة ذاتها التي تروي بها هؤلاء النساء قصصهن، وبطريقتهن الخاصة.

ومع أن معرض بيروت يُختتم في 11 أكتوبر، فإن القصص لن تتوقف عند هذا الحد. إذ ينتقل «الطريق الذي اختارته» بعد ذلك إلى السعودية، حيث سيُعرض في إثراء، مركز الملك عبدالعزيز الثقافي العالمي، ضمن أسبوع إثراء للتصميم، من 16 إلى 21 نوفمبر 2026.

بدأت كل قطعة هنا من قصة امرأة بعينها — لحظة فقد أو تحوّل أو قرار — ثم أصبحت سبيلًا لإعادة تلك القصة إلى يديها، بالخيط والقماش. أكثر ما حرّكنا كان أن نرى التصميم يتحوّل إلى لغة لما يصعب قوله بصوت عالٍ. «الطريق الذي اختارته» لا يدور حول 24 عملًا مكتملًا؛ بل حول 24 امرأة اخترن، عبر الحرفة، أن يكتبن سرديتهن بأنفسهن.
— نور تنّير، الشريكة المؤسسة لمدرسة مجال للتصميم