:quality(75)/large_Frame_1511851282_a962afee56.png?size=1625.71)
by Barbara Yakimchuk
كيف يبدو الطعام بعين فنان؟
كلما كثرت أحاديثي مع الفنانين، صار من الأسهل أن أتوقع الإجابة حين يُسألون عن مصدر الإلهام: الحياة. التفاصيل الصغيرة. المسرّات البسيطة التي ترافقنا بصمت منذ البداية. وما الذي يحضر في حياتنا بصمت، يوماً بعد يوم، أكثر من الطعام؟ هو يغذّينا، بالطبع، لكنه يسندنا أيضاً. يكون عزاءً حين نتعب، وذاكرةً حين يشتدّ بنا الحنين، وأحياناً، سواء وافق علماء النفس أم لا، يكون الشيء الوحيد الذي يمنع اليوم من الانهيار.
بسيط إلى هذا الحد، ومع ذلك لا يتكرر بالطريقة نفسها مرتين. أشبه بكوب شاي، في الحقيقة؛ فالأمر كله يتوقف على من يعدّه.
اليوم، نتأمل كيف يحضر الطعام في أعمال فنانين من منطقتنا — لا بوصفه زينة عابرة، بل ذاكرةً وهويةً وإرثاً. كيف يتسلل الطعام إلى ممارساتهم الفنية، وكيف يجدون، بدورهم، طريق العودة إليه؟
حسن حجاج
سبق أن استضفنا حسن حجاج على هذه الصفحات قبل نحو عام، حين كنا نتحدث عن الفنانين وعلاقتهم باللون. هذه المرة نعود إلى الفنان نفسه، لكن من زاوية مختلفة تماماً. فعندما يكون الطعام مصدراً للإلهام، لا يكون حجاج مجرد مثال آخر؛ بل يصبح اسماً أساسياً في هذا السياق.
بالنسبة إلى حجاج، لا تُعدّ عبوات الطعام مجرد مرجع بصري. إنها تكاد تكون لغته الأم. كل عمل فني ينجزه يأتي بإطار، وهذه الإطارات تُصنع من علب الزيتون، وعلب السردين، وعبوات معجون الطماطم، وعلب الشاي، وعلب المشروبات الغازية. وقبل أن تسأل: لا، ليست هذه جمالية خردة عشوائية. فكل قطعة من هذا النوع يمكن أن تجدها في بقالة مغربية صغيرة أو في خزانة مطبخ. تذكّر من أين بدأنا: الأشياء الصغيرة غير المتكلفة التي تشكّل الحياة اليومية بصمت. هذا هو جوهر الأمر، وقد تحوّل ببساطة إلى فن.
من حيل حجاج المفضلة إلغاء التراتبية. صورة فوتوغرافية تليق بالمتحف، موضوعة داخل إطار مصنوع من علب السوبرماركت؛ وفجأة يقف «الفاخر» و«اليومي» على قدم المساواة. هذا التوتر يقع في قلب عمله: علامات استهلاكية عالمية تقف جنباً إلى جنب مع أشياء متواضعة يربطها الناس بالبيت، والعائلة، وبقالة الحي، وطقس غلي الماء اليومي لإعداد الشاي.
وهنا تلتقي كل ثيماته. يفتح عمله حواراً بين الثقافة البصرية الغربية والشرق أوسطية، ويقدّم تعليقاً حاداً على النزعة الاستهلاكية (وليس عبثاً أنه كثيراً ما يُلقّب بـ«آندي وارهول مراكش»؛ فالتكرار والأيقونات الاستهلاكية من صميم عالمه)، ثم يغلّف ذلك كله بمودة صادقة للثقافة المغربية ورموزها اليومية.
موزة المطروشي
موزة المطروشي فنانة إماراتية وطاهية وممارسة ثقافية، يرفض عملها أن يُحصر في خانة واحدة؛ فهو مزيج من الفن المعاصر والطعام والتنقيب في الذاكرة التراثية.
تعود أقدم ذكرياتها مع الطعام مباشرة إلى والدها، الذي كان يدير مطبخ العائلة بشغف حقيقي وبلا تكلّف. هو من أراها أن الطعام لا يقتصر على إطعام الناس، بل يترجم الحب في لحظته. وهل من مدرسة أفضل لصقل الحرفة؟
في الإمارات، تُعرف موزة على نحو خاص بمشروعها Ballad Table. غير أن وصفه بـ"الكافتيريا"، كما تفعل تعليقات إنستغرام غالباً، ينتقص كثيراً من قيمته. ففي الموسم المناسب، يبدّل Ballad إيقاعه ليصبح تجربة ثقافية متكاملة تسترشد بفكرة "من المشهد الطبيعي إلى المائدة"، وهي فكرة تقع في صميم كل ما يقدّمه. فالأمر لا يتعلق بتقديم الأطباق الإماراتية الكلاسيكية لمجرد حضورها على المائدة؛ بل يطرح Ballad أسئلة أكثر إثارة للاهتمام: ما الذي ينبت فعلاً في هذا المكان؟ أي حكايات تحتفظ بها الأرض نفسها؟ وكيف يمكن لوجبة واحدة أن ترويها؟
في قلب كل ذلك تقف المواسم المصغّرة في الإمارات، تلك التحوّلات الدقيقة في النباتات المحلية التي كانت ترشد جامعي الثمار والمزارعين بصمت، قبل زمن طويل من ظهور قوائم التذوّق. لكن المطروشي لا تكتفي باستلهامها، بل تجعلها نقطة انطلاق لممارستها. وعلى خلاف كثير من الطهاة، لا تبدأ بوصفة تعيد تنفيذها ثم تختبر ما إذا كان جوهرها الثقافي سيظهر في الطبق النهائي؛ بل تقلب المعادلة تماماً. هكذا يصبح عملها أقل ارتباطاً بالمطبخ بمعناه التقليدي، وأقرب إلى ذاكرة ثقافية تُبنى من نباتات محلية ومكوّنات موسمية ومنطق النظم البيئية في المكان. والنتيجة تبدو أقرب إلى مسرح ثقافي غامر منها إلى عشاء، حيث يتحوّل الطبق إلى خشبة العرض.
وكما تقول، لم تنظر إلى الفن والطهي بوصفهما مجالين منفصلين، بل تركتهما يتداخلان حتى استحال الفصل بينهما. صار المطبخ مرسماً، والمائدة مسرحاً، والوصفات شكلاً من أشكال الأرشيف. لم تتخلَّ عن الفن من أجل الطعام، ولا عن الطعام من أجل الفن؛ بل تركت الاثنين يشكّلان أحدهما الآخر إلى أن وُلد بينهما شيء هجين بالكامل.
سارة أبو مراد
للوهلة الأولى، قد تبدو سارة أبو مراد إضافة غير متوقعة إلى حكاية تتمحور حول الطعام. فالفنانة اللبنانية معروفة أكثر بابتكار عوالم حالمة تسكنها شخصيات متكررة ورموز مرحة، حيث لا تكون الوجبات ولا موائد الطعام في العادة بطلة المشهد الواضحة. لكن في عام 2023، تصدّر الطعام المشهد مع معرضها الفردي Rester ou partir (البقاء أم الرحيل)، حيث تحوّلت مائدة الطعام إلى استعارة قوية للهجرة والبيت والانتماء.
وقبل التعمق في هذه السلسلة تحديداً، لا بد من تنبيه صغير: لوحات سارة لا تُقرأ من نظرة عابرة. فمن اعتاد التكوينات التقليدية، بواجهاتها وخلفياتها الواضحة، وظلالها المرتبة وثباتها الهندسي، سيحتاج إلى لحظة كي ينسجم مع إيقاعها. في عالم سارة، تطير الكراسي، ويرقص الطعام فوق موائد تبدو كأنها تتحرك وتتنفس أمام العين. كل ذلك جزء من كون متخيّل زاخر بالرموز؛ مبهج، نابض بالألوان، وتقطنه كائنات مرحة وفضولية. وكلما طال النظر، بدأت الحكاية تنكشف أكثر.
داخل هذا الكون، تصبح مائدة الطعام أكبر بكثير من مجرد قطعة أثاث. على امتداد Rester ou partir، ترمز المائدة إلى اللقاء والانتماء وكل ذلك الدفء الهادئ الذي يرافق مشاركة الطعام. وُلدت السلسلة من تجربة سارة الشخصية في مغادرة لبنان، لكن شعورها يتجاوز حكايتها الخاصة بكثير. فكل من عاش بعيداً عن البيت سيعرف هذا الإحساس على الأرجح: فجأة، تصبح أصغر الطقوس أكثر ما نفتقده. الجلوس حول المائدة مع العائلة. تقاسم الطعام والحكايات والأفكار. وببساطة، ألّا نكون بعيدين إلى هذا الحد عن الأشخاص الذين نحبهم.
نازانين رجب دوست
نازانين رجب دوست فنانة من الشرق الأوسط، ولعل أعمالها هي التجسيد الأكثر مباشرة لعنوان هذا المقال. لديها موهبة خاصة في جعل الطعام يبدو كأنه فن بورتريه — بلا إفراط في التنظير، ولا إثقال بسرديات خلفية متراكمة. وهي تسميها ببساطة سلسلة الطعام.
لكن لا تخلط بين البساطة وغياب العمق. نادراً ما تجد الطعام في أعمالها ممدداً بسكون فوق طاولة، بانتظار أن يُقطّع. بل يحتل مركز المشهد، ممتزجاً بالطبيعة كأنه كان ينتمي إليها منذ البداية — مثل موضوع بورتريه يستبقي نظرك بهدوء.
وما يميزها أيضاً هو لوحتها اللونية الثرية على نحو آسر. يهيمن على القماش الأحمر القاني، والمغرات الدافئة، والأخضر الزمردي، والبنيات الترابية. وبدلاً من مطاردة الواقعية الفوتوغرافية، تترك للّون أن يتكفّل بإيصال الإحساس.
:quality(75)/large_Save_Clip_App_520563502_18497130661065706_4213055537601493056_n_1_50ae8dd578.jpg?size=283.32)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_442399261_18419840500065706_260113853665958597_n_1_c6ad1a7226.jpg?size=224.96)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_480931569_18470707324065706_396361706724562148_n_1_3e2ea624ed.jpg?size=222.68)
:quality(75)/large_image_1228_df685e4c61.jpg?size=132.99)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_571996012_17928429378135152_4325408775739922920_n_1_2735d8fd19.jpg?size=70.61)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_574131679_17928429303135152_9189409617578163020_n_1_20d990ca75.jpg?size=99.17)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_571799152_17928429414135152_6254772518555133779_n_1_3e4a60fdc4.jpg?size=71.7)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_625478589_18114773062719084_2723966322033863607_n_1_1_8567069400.jpg?size=202.76)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_469049802_17913186000022390_6000485374738457570_n_1_ec973d69e5.jpg?size=192.25)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_469203157_17913185865022390_1762922434958669421_n_1_57af5f9dee.jpg?size=164.96)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_621445978_18087445091325908_1544857189590900302_n_1_fd33399b74.jpg?size=247.46)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_625025754_18083656832183608_8532568743222423230_n_1_5f0b7fb3bd.jpg?size=196.3)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_619171397_18098852332804011_8529587034624533280_n_1_87c4403587.jpg?size=164.97)
:quality(75)/medium_fotor_2026_06_14_19_29_12_bd6e82488e.jpg?size=18.37)
:quality(75)/medium_a_c_5ld_L_Tb_0_Tqc_unsplash_411dc6b69f.jpg?size=43.1)
:quality(75)/medium_Frame_1511851273_d5a0994ac8.png?size=640.86)
:quality(75)/medium_misael_silvera_Ytq_Eis_L7q_UA_unsplash_59b73954e0.jpg?size=69.94)
:quality(75)/medium_660299553_18138892291524718_4492240283750528239_n_b3431a5063.jpg?size=35.04)
:quality(75)/medium_julia_bogdanova_2_Q6rl_Kdlkwk_unsplash_1_6eb477f435.jpg?size=61.67)