Photo: Erwan Hesry
حين تفكر في حلويات الشرق الأوسط، قد تتبادر إلى ذهنك صواني الكنافة الغارقة بالقطر، أو البقلاوة المغطاة بالفستق، أو اللقيمات المقلية للتو. لكن عالم حلويات الشرق الأوسط يضم أيضاً آيس كريم مطاطياً، ومهلبية باردة بالحليب، وشعيرية مثلجة رقيقة تفوح بماء الورد.
تتميّز الحلويات الباردة التي أبدعتها ثقافات المطبخ الشرق أوسطي بتنوّع لافت. بعضها مثلّج، وبعضها الآخر يُقدَّم مباشرة من الثلاجة، وتمتد تقاليدها عبر بلاد الشام ومصر وإيران والمناطق المجاورة. وما يجمع بينها ليس وصفة واحدة أو أصلاً مشتركاً، بل متعة مفهومة تماماً: فالحلويات الباردة والعطرة والكريمية تغدو أشهى بكثير حين يصعب تجاهل حرارة الطقس في الخارج.
حلويات الشرق الأوسط لا تقف عند الآيس كريم
في بلاد الشام واحدة من أكثر المثلجات تميّزاً في المنطقة: البوظة.
ترتبط البوظة التقليدية خصوصاً بسوريا ودمشق، وتُحضَّر بمكونات من بينها المستكة والسحلب، وهما ما يمنحانها قوامها المطاطي المميز. وبدلاً من خفق المزيج فحسب كما يحدث في الآيس كريم التقليدي، كان يُدقّ ويُمدَّد أثناء تجمّده، ليكتسب قواماً كثيفاً وكريمياً يختلف تماماً عن الجيلاتو العادي.
وغالباً ما يُرصّ الفستق بسخاء حولها من الخارج، فيما تضيف النكهات الزهرية مثل ماء الورد لمسة تكمل غناها.
وتُظهر البوظة أيضاً لماذا يصعب الحديث عن آيس كريم الشرق الأوسط بوصفه فئة واحدة. فالدوندرمة التركية معروفة كذلك بقوامها المطاطي القابل للمضغ وباستخدام السحلب والمستكة في تحضيرها التقليدي، بينما طوّرت تقاليد الآيس كريم الإيرانية نكهات وتقنيات خاصة بها.
تتقاطع هذه الحلويات المثلجة في الشرق الأوسط عبر تواريخ الطهي والحدود الجغرافية، لكنها لا ينبغي أن تُعامل كما لو كانت شيئاً واحداً قابلاً للاستبدال. فلكل منها ثقافة طعام محددة، بتقاليدها وتنويعاتها الخاصة.
:quality(75)/small_Bakdash_Icecream_2789962718_1e072627a2.jpg?size=23.62)
الصورة: Graham van der Wielen
فالوده: حلوى إيران المثلجة بطابعها الفريد
قلّما تشبه حلويات الشرق الأوسط الشهيرة حلوى الفالوده الإيرانية في شكلها وقوامها.
فبدلاً من كرة كريمية من المثلجات، تتكوّن الفالوده من شعيرات رفيعة جداً من النشاء، تسبح في شراب شبه متجمد يُعطَّر تقليدياً بماء الورد. وتُقدَّم عادةً مع عصير الليمون، فيما يُعدّ شراب الكرز الحامض من الإضافات المحببة معها.
وسرّ تميّزها يكمن في هذا التباين: باردة كالثلج لكنها قابلة للمضغ، عطرية بنفحات زهرية وفي الوقت نفسه لاذعة.
ترتبط الفالوده على نحو خاص بمدينة شيراز، وإن كانت تُحضَّر وتؤكل بصيغ مختلفة في مناطق أخرى من إيران. وكثيراً ما تُستمتع بها إلى جانب «بستني سنتي»، وهو الآيس كريم الفارسي التقليدي المنكّه بمكونات مثل الزعفران وماء الورد والفستق.
ومعاً، تكشف هذه الأصناف مدى تنوّع الحلويات المثلجة في الشرق الأوسط؛ فواحدة تتمدّد بخيوطها، وأخرى تذوب في قوام كريمي غني بالزعفران والفستق، وثالثة تجمع بين الشراب المتجمد والشعيرات الرفيعة.
:quality(75)/large_7rbgoi7rbg_fbdc19d061.jpg?size=118.26)
حلويات عربية تقليدية مبردة تتجاوز فكرة المجمّد
ليست كل حلوى صيفية بحاجة إلى الثلج.
المهلبية — وتُكتب باللاتينية أيضاً muhallabia وmahalabiya وبصيغ نقل صوتي أخرى عدة — هي حلوى حليبية تنتشر بأشكال مختلفة في أنحاء الشرق الأوسط. تُكثّف عادةً بالنشا وتُقدّم باردة، ويمكن تنكيهها بماء الورد أو ماء زهر البرتقال، ثم تزيينها بالفستق أو غيره من المكسرات.
وتنتمي حلوى الأرز بالحليب إلى العائلة نفسها. تُعرف بأسماء منها رز بحليب ورز باللبن، بحسب البلد واللهجة، وتُحضّر منها نسخ في مختلف أنحاء العالم العربي، ويمكن تقديمها باردة مع المكسرات أو النكهات العطرية.
ثم هناك ليالي لبنان، أي حرفياً «الليالي اللبنانية». تجمع هذه الحلوى اللبنانية عادةً بين طبقة من حلوى السميد والقشطة، مع قطر معطّر وفستق، قبل أن تُبرّد جيداً.
قد تكون هذه الحلويات العربية التقليدية المبردة أقل استعراضية من البوظة الممطوطة، لكن التبريد يغيّر قوامها بالكامل. تصبح المهلبية حريرية وناعمة؛ وتتماسك حلوى السميد في طبقات طرية؛ فيما يكتسب الأرز بالحليب قواماً كثيفاً وكريمياً.
في الحلويات المنعشة المناسبة للطقس الحار، ليست البرودة سوى نصف المتعة؛ فالقوام لا يقل أهمية.
:quality(75)/large_5825690651_aa8ec71c1e_k_8ab8ee8b7b.jpg?size=86.18)
الصورة: Amasou Umasou
تقاليد الحلويات في الشرق الأوسط لا تعترف بالحدود الحديثة
فمحاولة نسب كل وصفة إلى بلد واحد بعينه قد تتحول سريعاً إلى مسألة خلافية.
الكنافة مثال واضح على ذلك. فالكنافة النابلسية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بمدينة نابلس الفلسطينية، إلا أن أشكالاً مختلفة من الكنافة تُؤكل في بلاد الشام ومصر والعالم العربي الأوسع. وعلى نحو مشابه، تنقّلت أطباق المهلبية والحلويات المشبعة بالقطر والمثلجات بين المناطق، وتبدلت أسماؤها وتطورت لها تنويعات محلية عبر الأجيال.
هذا التداخل أساسي لفهم تقاليد الحلويات الإقليمية في الشرق الأوسط. فقد حملت التجارة والهجرات وتعاقب الإمبراطوريات وتقاليد العائلات الوصفات والمكونات عبر المنطقة قبل زمن طويل من ظهور الحدود الوطنية الحالية.
لذلك تروي الحلويات التقليدية في البلدان العربية حكايتين في آن واحد: حكاية ثقافات غذائية محلية متمايزة، وأخرى عن قرون من التبادل المطبخي.
وهذا أيضاً ما يفسر كيف قد يتبدل تهجّي اسم الحلوى مرات عدة قبل أن تتغير الوصفة نفسها كثيراً.
:quality(75)/large_Qwaider_al_nabulsi_kunafa_al_nama_11389641075_16d5de4cf5.jpg?size=165)
الصورة: كريستا
حلويات الصيف في الشرق الأوسط: باردة وكريمية ومثلّجة
ما يجعل أفضل الحلويات الباردة في الشرق الأوسط لافتة حقاً هو اختلاف الطرق التي تمنح بها المتعة ذاتها في جوهرها.
تعتمد البوظة على قوامها المطاطي وغناها، فيما ترتكز الفالوده على الثلج والعطرية والحموضة. أما المهلبية فناعمة ورقيقة، بينما تجمع ليالي لبنان بين البرودة الكريمية والسميد والمكسرات.
هذا التنوع يجعلها حلويات صيفية طبيعية في الشرق الأوسط، يختارها الناس بحسب شهيتهم. فطبق بارد من بودينغ الحليب بعد عشاء دسم يمنح تجربة مختلفة تماماً عن حصة من البوظة المغطاة بالفستق، رغم أن كليهما يُقدَّم بارداً.
وهو ما يفسّر أيضاً لماذا لا تندرج الحلويات التي تُؤكل صيفاً في الشرق الأوسط ضمن فئة واحدة مرتبة. فبعضها حلوى منزلية يومية، وبعضها الآخر يحتاج إلى تحضير متخصص. منها ما يستند إلى قرون من التقاليد الإقليمية، ومنها ما يعيد تقديم النكهات المألوفة بصيغ معاصرة.
:quality(75)/large_94os9194os9194os_copy_7b02d2ea14.jpg?size=96.98)
حلويات الشرق الأوسط لا تزال تتطوّر
فالنكهات التقليدية تجد طريقها أيضاً إلى ثلاجات الآيس كريم العصرية.
تقدّم متاجر الآيس كريم المعاصرة في الإمارات وغيرها من دول المنطقة نكهات مستوحاة من مكوّنات وحلويات مألوفة لدى الذائقة المحلية، من الزعفران والهيل إلى القهوة العربية والبقلاوة وأم علي.
ينبغي التمييز بين هذه الابتكارات والحلويات التقليدية في البلدان العربية نفسها. فآيس كريم القهوة العربية ليس وصفة إماراتية قديمة لمجرّد أنه يستخدم نكهة مألوفة؛ بل هو حلوى معاصرة تستلهم مرجعاً راسخاً في المطبخ.
وهذا التمييز تحديداً هو ما يجعل هذا التطوّر مثيراً للاهتمام. فتاريخ حلويات الشرق الأوسط ليس جامداً عند لحظة بعينها؛ إذ تنتقل الوصفات، وتجد المكوّنات أشكالاً جديدة، وتعيد المشاريع الشابة قراءة النكهات من دون أن يعني ذلك بالضرورة إزاحة الأصول.
والنتيجة ثقافة حلويات تتجاور فيها البوظة التقليدية مع الجيلاتو التجريبي، من دون أن يحتاج أيّ منهما إلى ادّعاء أنه الآخر.
:quality(75)/large_Siron_oval_plate_a9d68688d7.jpg?size=210.02)
الصورة: E4024
أشهى الحلويات الباردة في الشرق الأوسط تحكي حكايات متنوّعة
تكشف أشهى الحلويات الباردة في الشرق الأوسط عن مدى اتساع عالم الحلويات الشرق أوسطية. فهناك مثلجات مطّاطة القوام وخيوط شعيرية مثلجة، ومهلبيات منزلية الطابع وحلويات طبقية متقنة، إلى جانب مثلجات معاصرة تستعير نكهاتها من وصفات عريقة.
لمن يستكشف ما يقدّمه الشرق الأوسط من حلويات باردة، قد تكون القوامات هي المفاجأة الأكبر. فالبوظة تتمدّد، والفالوده مثلجة وذات مطاطية رقيقة، أما المهلبية فلا تكاد تحتاج إلى مضغ، فيما تجمع ليالي لبنان بين طبقات السميد الطرية والقشطة الباردة وقرمشة الفستق.
ولا تزال حلويات الصيف التي تقدّمها مقاهي الشرق الأوسط ومطاعمه وبيوته اليوم تعكس هذه التقاليد المتنوّعة. بعض الوصفات تناقلته الأجيال، وأخرى تجارب حديثة تستلهم نكهات مألوفة لدى الناس.
ولعل هذه هي الطريقة الأجدى للنظر إلى الحلويات الشرق أوسطية في الصيف. فلم تكن هناك يوماً إجابة إقليمية واحدة على الحر، وبالتأكيد لا توجد طريقة واحدة لاختتام العشاء. من دمشق إلى شيراز، ومن بيروت إلى القاهرة، تأتي متعة تناول شيء بارد بأشكال مدهشة التنوع.
:quality(75)/large_erwan_hesry_Ol_Q_Na_Ey_Vm_Q_unsplash_4bc789bdfd.jpg?size=93.02)
:quality(75)/medium_natalie_behn_50s_T_Javvcb_A_unsplash_1_eedf099ba2.jpg?size=58.85)
:quality(75)/medium_monika_borys_iexh7u9_Z_Ls_E_unsplash_e26d874b7a.jpg?size=66.66)
:quality(75)/medium_moistpaperparty_1782997220_3932385079358332893_53231101417_1f3fda300c.jpg?size=49.47)
:quality(75)/medium_Frame_1511851286_ba02079f1b.jpg?size=40.1)
:quality(75)/medium_Frame_1511851282_a962afee56.png?size=907.11)
:quality(75)/medium_fotor_2026_06_14_19_29_12_bd6e82488e.jpg?size=18.37)