:quality(75)/large_IMG_7917_1_544f0c6899.jpg?size=133)
by Barbara Yakimchuk
داخل مجموعة زينة خير: صون الذاكرة الثقافية لسوريا
اقتناء الأعمال الفنية من تلك العوالم التي يمكن أن تمضي عمراً كاملاً في استكشافها، إذ لا تتشابه مجموعتان تماماً. فكل مجموعة تروي بهدوء حكاية مختلفة، بحسب الشخص الذي يقف وراءها. اليوم ندخل إلى عالم مجموعة زينة خير — رائدة الأعمال في مجال الأزياء وإحدى أبرز مقتنيات الفن السوري، والتي قد تعرفونها من مقالنا السابق الذي فنّدنا فيه بعض المفاهيم الشائعة حول اقتناء الفن.
ربما كان شغفها بالفن أمراً لا مفرّ منه. فقد نشأت زينة في دمشق وسط عائلة كان الفن فيها جزءاً طبيعياً من تفاصيل الحياة اليومية. كان الفنانون أصدقاء للعائلة، وكانت الأحاديث عن اللوحات تدور حول مائدة العشاء، ولم تكن الأعمال الفنية تُعامل كقطع متحفية نفيسة تُحاط بالرهبة، بل كأشياء تُعاش وترافق الحياة.
واللافت أن رحلتها الشخصية في الاقتناء بدأت بلوحة واحدة لم تكن مقصودة يوماً كبداية لمجموعة فنية. لكنها، كما تبيّن لاحقاً، كانت كذلك. اليوم، لا تكتفي زينة بشراء الفن، بل تحفظ حكايات وعلاقات وجزءاً من الذاكرة الثقافية السورية.
:quality(75)/large_Whats_App_Image_2026_07_02_at_2_40_28_PM_2_1_cf2a7c9104.jpg?size=112.07)
أول عمل فني اقتنته زينة
لا بد لكل مجموعة من بداية. وبالنسبة إلى زينة، بدأت الحكاية مع لوحة «بدويتان» لفاتح المدرّس. واللافت أن اللوحة تنتمي إلى العقد الأخير من مسيرة الفنان، وهي مرحلة كان قد رسّخ فيها تماماً لغته البصرية التي جعلت منه أحد أبرز رواد الحداثة في سوريا.
مع أن المدرّس وُلد في حلب، بقي خياله الفني مشدوداً بقوة إلى الريف السوري. فقد عاد مراراً إلى حياة القرى والثقافة البدوية، متعاملاً معهما بوصفهما خزّاناً لذاكرة البلاد الثقافية الأقدم. كما تحضر النساء في أعماله كعنصر متكرر، لكنهن لا يظهرن أبداً كمجرد جالسات أمام الرسام؛ إنهن رموز للصمود والاستمرارية، ينهضن في كل إطار بعمل صامت وعميق.
في تلك المرحلة، أصبحت لغته البصرية عصية على الالتباس: وجوه مبسّطة تكاد تتحول إلى أقنعة، ومساحات مسطّحة، ولوحة لونية من الأحمر الترابي والمغرة والأسود. وثمة تفصيل يزيد أعماله جاذبية: كان المدرّس يؤمن بأن التاريخ لا يختفي حقاً، بل يبقى أثره عالقاً. ولعل هذا ما يجعل شخوصه تبدو كأنها تنتمي إلى قرنين في آن واحد؛ موغلة في القدم وحاضرة تماماً.
اشتريتُ أول عمل للمدرّس بأول راتب تقاضيته في التسعينيات. لم أكن أخطط لأن أصبح مقتنية أعمال فنية؛ كان الأمر اندفاعاً فطرياً، كأنه شيء موروث. كانت معظم الشابات في ذلك الوقت لينفقن ذلك المبلغ على مجوهرات أو حقيبة يد. أما بالنسبة إليّ، فلم يكن هناك ما يبدو منطقياً سوى لوحة. لم أشعر يوماً بأنه كان خياراً حقاً. فالفن هو ما نشأت عليه، وهو الشيء الوحيد الذي أردت أن أمضي به قدماً.
عندما أنظر إلى الوراء، أجد أن من أهم الدروس التي تعلّمتها في هذه الرحلة أن الاقتناء يتجاوز بكثير فكرة التملّك. فهو يحمل مسؤولية: أن نحفظ ونوثّق ونؤرشف، وأن نضمن ألا يطوي الزمن الفنانين وحكاياتهم. كان والدي يدرك ذلك قبلنا جميعاً بوقت طويل. فقبل أن تصبح الأرشفة جزءاً من النقاش، كان ملتزماً بها بالفعل. ويظل دعمه لفيلم «فاتح المدرّس» (1995)، لعمر أميرالاي ومحمد ملص وأسامة محمد، واحداً من أهم الوثائق البصرية التي أُنجزت عن الفنان. لم يكن الأمر مجرد احتفاء بعمل المدرّس؛ بل كان سعياً إلى صون صوته وأفكاره والإنسان الكامن خلف الفنان، وفصل أساسي من التاريخ الثقافي السوري. واليوم، حين أستعيد ذلك، أدرك أن هذا الحسّ بالأمانة والرعاية، لا الملكية، هو ربما أعظم إرث تركه لنا.— زينة خير
:quality(75)/large_Frame_1511851289_43dc0852a5.jpg?size=171.71)
العمل الفني الأقرب إلى عائلة زينة
تكتسب بعض اللوحات قيمتها من اسم مَن أنجزها، وأخرى من الأشخاص الذين تصوّرهم. أما لوحة سها ومنذر، لكلٍّ مسيحه لفاتح المدرس فتجمع الأمرين معاً. فهي العمل الأقرب إلى عائلة زينة، إذ يظهر فيها والداها، سها ومنذر خير. غير أن المدرس لم يكن يرسم ملامحهما فحسب.
وتوضح ملاحظات مجموعة دبي السبب. فقد جمعت المدرس ومنذر خير صداقة تجاوزت بكثير العلاقة المعتادة بين الفنان والمقتني. وعلى مرّ السنوات، خاضا نقاشات في الفن والسياسة والفلسفة، وأصبح منذر ليس فقط واحداً من أبرز مقتني أعمال الفنان، بل أيضاً مؤمناً عميقاً بتجربته وداعماً لمسيرته، ثم مساهماً في نهاية المطاف في صون إرثه.
:quality(75)/large_Frame_1511851288_d47b8ef04a.jpg?size=85.56)
لا شكّ أن هذه البورتريه لوالديّ هي أثمن عمل في مجموعتنا. فإلى جانب قيمتها الفنية، تحمل إهداءً شديد الخصوصية بخط يد المدرّس، ما يجعلها جزءاً لا يُعوَّض من تاريخ عائلتنا. إنها إرث عائلي بقدر ما هي عمل فني. — زينة خير
:quality(75)/large_IMG_4773_1_6a78fc2024.png?size=1742.64)
:quality(75)/large_Whats_App_Image_2026_07_10_at_12_24_48_PM_a920d4a42a.jpeg?size=68.64)
:quality(75)/large_IMG_4781_1_6cfd11d176.jpg?size=89.37)
العمل الذي يستهوي زينة اليوم
عندما طلبتُ من زينة أن تسمّي عملها المفضّل، اتّضح أن السؤال لم يكن في محلّه تماماً. أوضحت أن اختيار عمل مفضّل أمر يصعب حسمه؛ فما لديها، بدلاً من ذلك، هو العمل الذي تشعر بانجذاب خاص إليه في يوم بعينه. فما الذي لفت نظرها في ذلك اليوم تحديداً؟
كانت الإجابة لوحة أنا وقليل من الحب لأسامة دياب، التي رُسمت عام 2008.
يُعرف دياب على نطاق أوسع بتناوله الصراع السياسي والحرية والنزوح، ما يجعل هذه اللوحة خارجة بعض الشيء عن سياق أعماله المعتاد؛ فهي أكثر خصوصية وحميمية. وبالنظر إلى مجمل تجربته الفنية، يصعب أن يكون ذلك «القليل من الحب» حباً رومانسياً خالصاً. ففي عالم دياب، غالباً ما يأتي الحب مرادفاً للأمل، يلوح في مكان ما وسط الضبابية.
وتكتسب سنة إنجازها أهمية أيضاً؛ فرُسمت أنا وقليل من الحب عام 2008، قبل الحرب الأهلية السورية، ما يمنحها نبرة عاطفية مختلفة عن الأعمال التي سيبدعها دياب بعد عام 2011.
وثمة جانب آخر جدير بالتوقف عنده، وهو مصادر إلهام دياب. كان بيكاسو وباسكيات من بين الفنانين الذين تركوا أثراً في تجربته، لكنه لم يذهب إلى تقليدهم؛ بل استعان بشذرات من لغتهم البصرية ليبني عالماً يخصّه بالكامل. والنتيجة تمزج إشارات إلى الهوية الفلسطينية، إذ تنحدر عائلته من أصول فلسطينية، وإلى الحياة السورية والسياسة المعاصرة، مع طاقة جريئة وتعبيرية تستحضر النزعة التعبيرية الجديدة.
لا أفكر حقًا في المجموعة من زاوية الأعمال المفضلة. بصراحة، أحبها ككل. هذا التآلف، وذلك الحوار الهادئ بين الأعمال، هما ما يجعلان المجموعة تبدو مكتملة في نظري.
أما العمل الذي أجدني منجذبة إليه غالبًا فيتبدّل بحسب اليوم. اليوم هو «أنا وقليل من الحب». يذكّرني بألّا أحمّل الأمور أكثر مما تحتمل — فبعض الحب، وبعض اللطف، وبعض الأمل تكفي أحيانًا. فيه إحساس رائع بالحرية، كأنه رُسم بلا خوف ولا توقعات. أجد ذلك منعشًا للغاية. يذكّرني بأن أتمسّك بالفضول وروح اللعب، مهما أصبحت الحياة جادة— زينة خير
:quality(75)/large_IMG_6878_20_A_1_249ade8c31.jpg?size=218.66)
أحدث مقتنيات زينة
المجموعات الفنية، مثل الأشخاص الذين يقفون وراءها، في تطوّر دائم. وآخر عمل ينضم إلى مجموعة زينة هو لوحة بلا عنوان أنجزتها ليلى نصير عام 1990.
بحلول ذلك الوقت، كانت نصير قد أمضت عقوداً تتنقّل بين الواقعية والتعبيرية والسريالية والتجريد، لكنها لم تستقر يوماً على اتجاه واحد، بل رفضت ببساطة أن تختار. تمتزج في لوحاتها هذه العوالم كلها في آن واحد، لتستقر في منطقة آسرة بين التشخيص والتجريد.
ومن أبرز سماتها الحقيقية حضور المادة نفسها: فقد فضّلت نصير استخدام باستيل الزيت على الخشب، وتعاملت مع السطح الحامل للعمل بوصفه جزءاً من العملية الإبداعية، لا مجرد خلفية تُرسم فوقها.
ثم تأتي الوجوه. ما إن ترى لوحة لليلى نصير حتى تستطيع تمييزها من آخر القاعة: عيون كبيرة لوزية الشكل، ملامح مختزلة، وتعبير هادئ وعابر للزمن على نحو ما، كأن شخوصها يعرفون شيئاً لا نعرفه نحن.
مع تطوّر مجموعتنا، نحرص بوعي على إدراج مزيد من الفنانات، وقد بدت ليلى نصير إضافة طبيعية تماماً. فهي فنانة متمكّنة تنطوي تجربتها على تأمل داخلي عميق. تحتضن أعمالها الهشاشة ورقّة الجسد والوجه الإنسانيين، ومع ذلك يظل فيها إحساس استثنائي بالتماسك وقوة هادئة تكاد تكون متحدّية.
ما أجده لافتاً على نحو خاص أنها لم تكتفِ بالمشاركة في الحداثة السورية، بل وسّعت لغتها، إذ منحت التجربة الأنثوية حضوراً أوضح وفتحت مساحة لم تكن قد استُكشفت بالكامل من قبل.— زينة خير
:quality(75)/large_IMG_6927_49_1_eb888acf37.jpg?size=180.3)
:quality(75)/large_Frame_1511851290_1a14bdb337.jpg?size=114.25)
:quality(75)/large_IMG_6920_42_1_5cde2dbf30.jpg?size=201.28)
العمل الفني الذي تندم زينة على عدم اقتنائه
اسأل أي جامع أعمال فنية عن أكبر ما يندم عليه، وستجد أن الإجابة غالبًا ما تدور حول عمل فني لم يشتره. وزينة ليست استثناءً. فهي لا تفصح تحديدًا عن اللوحة المعنية، لكنها تكشف عن اسم الفنان: مروان قصاب باشي، أحد أبرز قامات الفن السوري الحديث. وقد عُرف خصوصًا بـ«مشاهد الوجوه» الآسرة، حيث تحوّل طبقات الطلاء الكثيفة الوجوه البشرية إلى تكوينات تكاد تكون جيولوجية.
من أكثر ما أندم عليه لوحة لمروان قصاب باشي، لعلها من أجمل أعماله. وما يجعل الحكاية أكثر إيلاماً أنني خسرتها وأنا أحاول التفاوض على مبلغ، بدا لي لاحقاً، غير ذي شأن. إنها من تلك الدروس التي لا تُنسى.
ومع ذلك، صرت أنظر إلى الأمر بطريقة مختلفة مع مرور السنوات. فقد وجدت اللوحة بيتاً رائعاً لدى شخص يحبها حقاً ويعتني بها، وأنا محظوظة بأنني أزورها من وقت إلى آخر. لذا، ورغم أنها لم تكن مقدّرة لأن تكون ضمن مجموعتي، فإنها بقيت جزءاً من حياتي بطريقة أخرى.— زينة خير
الصورة: artsy.net
:quality(75)/large_Frame_1511851291_e0d3643c4e.jpg?size=69.08)
:quality(75)/large_Frame_1511851292_beb3376538.jpg?size=86.55)
:quality(75)/large_Frame_1511851293_90e310e5a5.jpg?size=122.27)
الصورة: artsy.net
:quality(75)/medium_hero_shot_2_courtesy_of_guggenheim_abu_dhabi_1_2724711f74.jpg?size=64.68)
:quality(75)/medium_IMG_2064_1_3_700ce5fde5.jpg?size=62.1)
:quality(75)/medium_abdulmohsen_d66186ffb6.jpg?size=21.33)
:quality(75)/medium_03_1_1_ccbe23e38d.jpg?size=77.48)
:quality(75)/medium_5_R5_A4265_1_9f2c8f521c.jpg?size=66.45)
:quality(75)/medium_Save_Clip_App_456035839_18447836560044161_5656747975832220870_n_1_1_c004c58b99.jpg?size=51.27)