:quality(75)/large_getty_images_MA_Ntp_H_Dx_Ytk_unsplash_f9d5b91c40.jpg?size=98.84)
by Sana Bun
كيف صُممت عمارة الشرق الأوسط لمواجهة الحر الشديد
Photo: Getty Images
ربما غيّر تكييف الهواء شكل الحياة في أنحاء الخليج، لكن قبل ظهور الكهرباء بزمن طويل، كان سكان بعض أشد مناطق العالم حرارة قد طوّروا بالفعل وسائل لافتة الفاعلية للحفاظ على البرودة. ويمكن القول إن تاريخ عمارة الشرق الأوسط هو، في جوانب كثيرة منه، تاريخ التكيّف مع درجات الحرارة القاسية. فبدلاً من مواجهة المناخ، تعلّم البنّاؤون كيف ينسجمون معه. ولهذا لا تزال عمارة الشرق الأوسط تستقطب اهتمام المعماريين ومخططي المدن الباحثين عن أساليب أذكى لتصميم المباني في عالم يزداد احتراراً.
كثير من مبادئ التصميم المرتبطة اليوم بالعمارة المستدامة استُخدم في الشرق الأوسط منذ قرون. وما زالت هذه المبادئ وثيقة الصلة بواقعنا لأنها تستجيب للمناخ عبر التصميم السلبي، لا بالاعتماد على التبريد الميكانيكي وحده.
العمارة العربية التقليدية صُممت انطلاقاً من المناخ
من أبرز سمات العمارة العربية التقليدية أن كل قرار تصميمي فيها كان يخدم غرضاً عملياً.
فالمواد المستخدمة، واتجاه المبنى، وسماكة الجدران، ومواضع النوافذ، وتخطيط الشوارع، كلها عناصر ساعدت في جعل المنازل أكثر راحة خلال فصول الصيف الطويلة والحارة. وبدلاً من الاعتماد على التبريد الميكانيكي، صُممت مبانٍ كثيرة للحد من اكتساب الحرارة، وتعزيز حركة الهواء، وتوفير الظل على مدار اليوم.
هذا النهج جعل عمارة المناخات الحارة متقدمة على نحو لافت، قبل ظهور الهندسة الحديثة بوقت طويل.
:quality(75)/large_getty_images_D_Bdnr88n_E_Bg_unsplash_87b2ce6f78.jpg?size=169.2)
الصورة: Getty Images
أبقت البيوت ذات الأفنية المنازل أكثر برودة بصورة طبيعية
لعل الفناء المركزي هو السمة الأشهر في عمارة الصحراء.
في العمارة العربية، صُممت كثير من البيوت ذات الأفنية حول مساحة داخلية مفتوحة، بدلًا من أن تنفتح مباشرة على الشارع. وكانت هذه الأفنية توفر الظل معظم ساعات النهار، وتساعد في الوقت نفسه على حركة الهواء بين الغرف المحيطة بها. كما أسهمت النباتات والأشجار والعناصر المائية في تحسين الإحساس الحراري داخل الفناء، ليصبح مساحة أكثر راحة خلال أشهر الحر الشديد.
وهذا ما يفسّر حضور الأفنية في مباني الشرق الأوسط؛ فقد وفرت الخصوصية، وحسّنت التهوية، وساعدت على تلطيف درجات الحرارة، مع خلق مساحة معيشة خارجية مريحة للعائلات.
واليوم، لا تزال الأفنية تؤثر في العمارة السكنية في أنحاء المنطقة، لأن منطقها الأساسي ما زال صالحًا وملائمًا.
:quality(75)/large_getty_images_To_L_Ru_VY_Uhzg_unsplash_3ba7ea83be.jpg?size=112.39)
الصورة: Getty Images
أبراج الرياح شكّلت نموذجاً مبكراً للتبريد السلبي
قلّما نجد في عمارة الشرق الأوسط عنصراً يعبّر عن التكيّف مع المناخ بوضوح يضاهي أبراج الرياح.
تُعرف هذه الأبراج في الخليج باسم «البراجيل»، وكانت تلتقط النسمات السائدة وتوجّه الهواء الأبرد إلى المساحات الداخلية، فيما تساعد الهواء الدافئ على الخروج. عمل هذا النظام من دون كهرباء، معتمداً بالكامل على حركة الهواء الطبيعية وفروق الضغط.
ولا تزال هذه المنشآت من أبرز أمثلة أبراج الرياح في عمارة الشرق الأوسط، كما تواصل إلهام المعماريين المعاصرين ممن يستكشفون إمكانات التبريد السلبي القابلة للتطبيق في مباني المنطقة الحديثة.
ولا تزال الأحياء التاريخية، مثل حي الفهيدي في دبي، تحتفظ بنماذج عاملة من هذه التقنية، لتبيّن مدى فاعلية التبريد السلبي قبل قرون من ظهور تكييف الهواء.
:quality(75)/large_Al_Fahidi_Fort_Dubai_Fort_Dubai_Museum_front_view_a7b7672c54.jpg?size=117.41)
الصورة: أمين علوان
كيف تصمد المباني أمام حرارة الصحراء القاسية
نادراً ما يكمن سرّ صمود المباني أمام حرارة الصحراء القاسية في عنصر معماري واحد.
فقد جمع البنّاؤون التقليديون بين الجدران السميكة، والأفنية المظللة، والأزقة الضيقة، والفتحات الخارجية الصغيرة، والتهوية الطبيعية، لابتكار مساحات داخلية مريحة رغم قسوة الظروف المناخية.
كما أدّت مواد البناء دوراً مهماً. فالحجر المرجاني، والطوب الطيني، والحجر الجيري، والجبس، جميعها تتمتع بكتلة حرارية عالية؛ أي إنها تمتص الحرارة ببطء خلال النهار، ثم تطلقها تدريجياً بعد غروب الشمس. وقد ساعد ذلك على الحد من التقلبات المفاجئة في درجات الحرارة داخل المنازل.
شكّلت هذه التقنيات منظومة عالية الفاعلية من أساليب التبريد التقليدية في العمارة العربية، استجابت مباشرةً لخصوصية البيئة المحلية.
:quality(75)/large_getty_images_xx_HSD_08_Fi_Mk_unsplash_92883f852a.jpg?size=93.82)
الصورة: Getty Images
العمارة المستجيبة للمناخ تقليد عريق يمتد لقرون
يتناول المعماريون اليوم العمارة المستجيبة للمناخ بوصفها ركيزة أساسية في التصميم المستدام. لكن الحقيقة أن كثيراً من مبادئها راسخ في الشرق الأوسط منذ أجيال.
فبدلاً من التعامل مع المباني ككتل منفصلة، كانت التجمعات العمرانية التقليدية تنظر إلى اتجاه الرياح والتعرض للشمس وعرض الشوارع وتوجيه المباني كمنظومة واحدة مترابطة.
وفّرت الشوارع الضيقة الظل للمشاة، فيما ساعد تقارب المباني على تقليل أشعة الشمس المباشرة على الجدران. وغالباً ما كانت المساحات العامة تُخطط بما يراعي الراحة بقدر ما يراعي سهولة الحركة.
ويكشف تاريخ عمارة الصحراء أن التفاعل مع المناخ كان منذ زمن طويل أحد المبادئ التصميمية التي تميز المنطقة.
:quality(75)/large_kate_trysh_G_4m_B_DB_77c_unsplash_89ed3774f8.jpg?size=82.18)
الصورة: كيت ترايش
العمارة المستدامة في المناخات الحارة تستلهم دروس الماضي
يعيد كثير من المعماريين المعاصرين اليوم النظر في هذه الأفكار التقليدية، فيما تبحث المدن عن حلول أكثر كفاءة في استهلاك الطاقة.
وتظهر عناصر مستوحاة من الأفنية الداخلية، وأنظمة التظليل، والتهوية الطبيعية، وأبراج الرياح على نحو متزايد في المشاريع الحديثة في مختلف أنحاء الشرق الأوسط، وغالباً ما تُدمج مع مواد وتقنيات هندسية متقدمة.
ويعكس ذلك اهتماماً متنامياً بالعمارة المستدامة في المناخات الحارة، حيث بات خفض الطلب على الطاقة لا يقل أهمية عن تحسين مستويات الراحة.
وبدلاً من أن تحل محل التكنولوجيا، تعمل استراتيجيات التصميم السلبي في كثير من الأحيان جنباً إلى جنب مع أنظمة التبريد الحديثة لتحسين الأداء العام للمباني.
:quality(75)/large_getty_images_a_Ib_Pt6ouv_BY_unsplash_d8d7e866a0.jpg?size=94.66)
الصورة: Getty Images
أفكار قديمة لا تزال ترسم ملامح المدن الحديثة
لعل الدرس الأهم هنا أن كثيراً من التحديات التي يواجهها المعماريون اليوم ليست جديدة تماماً.
ومع ارتفاع درجات الحرارة حول العالم، بات السؤال عن كيفية تكيّف العمارة القديمة مع الحر الشديد أكثر إلحاحاً. فكثيراً ما تكشف مبانٍ شُيّدت قبل مئات السنين عن مبادئ تصميمية لا تزال فعّالة على نحو لافت حتى اليوم.
وهذا أحد أسباب استمرار تأثير العمارة في الشرق الأوسط في التصميم المعاصر؛ فهي تذكّرنا بأن بعض أكثر الحلول المناخية ابتكاراً وُلدت قبل الكهرباء بزمن طويل، اعتماداً على الملاحظة والمواد المحلية وفهم عميق للبيئة.
وفي عصر يزداد تركيزه على المرونة والاستدامة، تبدو تلك الدروس أثمن من أي وقت مضى.
:quality(75)/medium_4_e714f94692.jpg?size=80.38)
:quality(75)/medium_IMG_2064_1_3_700ce5fde5.jpg?size=62.1)
:quality(75)/medium_samuel_arkwright_Moi_QCB_Pc9_CY_unsplash_a800d5108f.jpg?size=74.09)
:quality(75)/medium_monika_borys_iexh7u9_Z_Ls_E_unsplash_e26d874b7a.jpg?size=66.66)
:quality(75)/medium_Julith_interior_6_1_0bfcf26364.jpg?size=61.6)
:quality(75)/medium_albert_klein_0_GML_3_T4_N_Oo_unsplash_9921fff39a.jpg?size=71.77)