image

by Alexandra Mansilla

أزقة دبي القديمة التي تبدو كأنها مشهد سينمائي، بقلم كينيث ساغار

Al Seef. Photo: Kenneth Sagar

في دبي أماكن تشعر فيها فجأة وكأنك دخلت عالماً مختلفاً. يتبدّل الضوء، ويخفت ضجيج السيارات، ويغدو كل شيء أكثر هدوءاً ونعومة.

هذه الأماكن موجودة بالفعل. لكننا لا نلتفت إليها دائماً، لأننا غالباً ما نكون منشغلين أكثر مما ينبغي. فمن يلتقطها على أفضل وجه؟ الفنانون، بالطبع.

لهذا توجهنا إلى Kenneth Sagar — مصوّر فوتوغرافي يمتلك عيناً ترى الجمال حيث قد يمرّ الآخرون من دون أن يلتفتوا — ليجمع لنا قائمته لأماكن في دبي تبدو وكأنها مشاهد من فيلم.

image
image
image

حي الفهيدي التاريخي. الصورة: Kenneth Sagar

حي الفهيدي التاريخي

في مدينة تُعرَف بتغيّرها الدائم، يبدو حي الفهيدي كاستراحة هادئة خارج الزمن. وبين أزقته الضيقة، وجدرانه ذات الملمس الغني، وأبراج الرياح، وجدتني أنجذب إلى السكون الكامن في قلب دبي. أكثر ما لفتني في الفهيدي هو هدوؤه. وعلى النقيض من إيقاع دبي المتسارع، بدا هذا المكان راسخاً وقريباً من الإنسان. عيوب الجدران البسيطة، ودفء ألوان العمارة، والصمت الذي يملأ الممرات؛ كلها صنعت إحساساً بخلود اللحظة.

الفهيدي من تلك الأماكن التي أعود إليها كثيراً. في كل زيارة يتبدّل الإحساس بحسب الضوء، ووقت اليوم، وحتى حالتي المزاجية. في هذه الزيارة تحديداً، وصلتُ باكراً، لأترك هدوء الصباح يرسم ملامح الصور. وفي مدينة لا تتوقف عن الحركة، يذكّرنا الفهيدي بأن بعض الحكايات لا تُعاش إلا على مهل.

image
image
image

حي الفهيدي التاريخي. تصوير: Kenneth Sagar

السيف

يبدو السيف كأنه جسر يصل بين دبي القديمة ودبي الحديثة؛ مكان لا يكتفي بحفظ التاريخ، بل يعيد تخيّله أيضاً. وبينما كنت أتجوّل في ممراته ذات الملامس الغنية، وأبراج الرياح، والأروقة المظللة، والأسواق النابضة بالحياة، شدّني كيف ينسج المكان التراث في تفاصيل الحياة اليومية. أكثر ما لفتني في السيف كان أجواؤه؛ فعلى عكس سكون الفهيدي، يحمل السيف حركة رقيقة: أناس يمشون، ومتاجر تفتح أبوابها، وضوء شمس يتبدّل وهو يتسلّل عبر الممرات المظللة.

السيف مكان أعود لاستكشافه كثيراً من دون خطة محددة. أحب أن أمشي في شوارعه على مهل، وأترك اللحظات تتكشف بطبيعتها. في هذه الزيارة، صنع الضوء الذهبي والحركة الخفيفة للناس توازناً مثالياً بين السكون والحياة. ثمة أماكن تحفظ التاريخ، وأخرى تتيح له أن يتطور. والسيف يفعل الأمرين بهدوء.

image

السيف. تصوير: Kenneth Sagar

image

السيف. تصوير: Kenneth Sagar

محطة العَبْرة، خور دبي

على ضفاف خور دبي، تروي محطة العَبْرة حكاية أكثر هدوءاً عن بدايات المدينة. قبل الأفق العمراني، وقبل الإيقاع المتسارع، كانت هناك حركة تعبر الماء؛ بسيطة، ثابتة، ولا غنى عنها. في هذا المكان خشونة صادقة تبدو كأن الزمن لم يمسّها. تمايل الماء الرقيق، وسكون القوارب الراسية، وتباين دبي الحديثة في البعيد… كلها تصنع تذكيراً هادئاً بمدى المسافة التي قطعتها المدينة.

محطة العَبْرة من تلك الأماكن التي تُبطئك تلقائياً. قضيت وقتاً أمشي بمحاذاة الأرصفة، أراقب القوارب وتفاصيلها الصغيرة: حبالاً معقودة بعناية، وانعكاسات تتبدّل على سطح الماء، وملامس دقيقة صاغها الزمن. قبل الطرق، وقبل الأبراج، كان الخور… وكانت القوارب التي حملت دبي إلى الأمام.

image

محطة العبرة. تصوير: كينيث ساغار

image

محطة العبرة. تصوير: كينيث ساغار

فلل جميرا القديمة

قبل الأبراج الشاهقة والمشاريع الحديثة، كانت أحياء مثل جميرا القديمة ترسم ملامح الهوية السكنية في دبي. وبينما كنت أتجول في هذه البيوت الخالية، شدّتني السكينة: أبواب مكسورة، وضوء خافت يتسلل عبر نوافذ مفتوحة، وحدائق متروكة نمت أعشابها، وأحواض سباحة بقيت بلا لمس.

ثمة إحساس بأن الزمن متوقف؛ آثار الحياة ما زالت حاضرة، لكن أصحابها مضوا في طريقهم. في الأماكن المهجورة شيء إنساني عميق. الصمت، والملمس، والألوان الآفلة… كلها تروي حكاية من دون حاجة إلى كلمات. وأكثر ما لفتني هو كيف بدأت الطبيعة، ببطء، تستعيد هذه البيوت: أشجار تنمو قرب أحواض سباحة فارغة، وزهور تتفتح بمحاذاة جدران متصدعة، وشمس تملأ غرفاً احتضنت يوماً تفاصيل الحياة اليومية.

image
image
image

فلل جميرا القديمة. الصورة: Kenneth Sagar

لطالما كانت جميرا القديمة منطقة تثير فضولي. ومع بدء المشاريع الأحدث في الحلول محل البيوت القديمة، وجدتني أنجذب إلى الفلل التي بقيت هناك—مساحات معلّقة بين الماضي والمستقبل. بعض الأماكن لا تختفي دفعة واحدة؛ بل تتلاشى ببطء، تاركةً وراءها أصداءً هادئة لحيواتٍ احتضنتها يوماً.

image

فلل جميرا القديمة. الصورة: Kenneth Sagar

سوق التوابل وديرة

في قلب ديرة، يبدو سوق التوابل والشوارع المحيطة به كأنه أرشيف حيّ لماضي دبي. أزقة ضيقة، وجدران ذات ملمس غني، وضوء خافت يتسلّل بين المباني، كلها تصنع إيقاعاً يوحي بأن الزمن لم يمسّه. ما جذبني إلى سوق التوابل وديرة هو أصالتهما؛ فعلى عكس كثير من مناطق دبي التي تتبدّل باستمرار، لا تزال هذه المنطقة متمسكة بطابعها.

image
image
image

سوق التوابل وديرة. تصوير: Kenneth Sagar

في كل مرة أمرّ بحالة جمود إبداعي، أتجه إلى سوق التوابل وأمشي لساعات، وسرعان ما أستعيد شغفي بالتقاط الصور. ومن دون خطة مسبقة، منحت نفسي مساحة للتجوال بين الأزقة، وعلى امتداد الخور، وصولاً إلى الزوايا الأكثر هدوءاً في السوق. وفي مدينة يطبعها التغيّر، تواصل ديرة السير على إيقاعها الخاص، محافظةً بهدوء على الحكايات التي شكّلت دبي.

image

سوق التوابل وديرة. الصورة: Kenneth Sagar