image

by Alexandra Mansilla

بناء روابط إنسانية عبر التصوير الفوتوغرافي: حوار مع أنيسة ضرار

على مدى سنوات، جابت المصوّرة والمديرة الإبداعية الليبية-الأميركية أنيسة درار العالم بحثاً عن الأماكن الجميلة. ثم، في لحظة ما بين مواسم جني الورود في المغرب، ومجتمعات الحرفيين في تونس، والقرى النائية في بيرو، تبدّلت رؤيتها. اليوم، لم تعد الوجهات تشغلها بقدر ما يشغلها الأشخاص الذين يمنحونها معناها: نساء يحافظن على حرف تعود إلى قرون، وعائلات تُبقي التقاليد حيّة، ومجتمعات نادراً ما تتجاوز حكاياتها حدود منطقتها. وباعتمادها أساساً على أفلام 35 ملم، تقضي درار أياماً وأسابيع، وأحياناً أشهراً، في بناء الثقة قبل أن تلتقط صورة واحدة.

في هذا الحوار، تتأمل الرحلة التي غيّرت مسار عملها، ولماذا تسبق الصلة الإنسانية الكاميرا دائماً، وكيف ساعدها السفر في شمال أفريقيا على إعادة الاتصال بجزء من هويتها لم تكن تعرفه حقاً من قبل.

— أنيسة، عند النظر إلى أعمالكِ، يبدو كأنكِ في حركة دائمة. سافرتِ كثيراً، وعشتِ في أماكن مختلفة، ووثّقتِ ثقافات عديدة. لذا يراودني سؤال: أين تشعرين بأنكِ في بيتك؟

— هذا سؤال جميل، لأنه أمر ما زلت أحاول فهمه بنفسي. خلال أسفاري، كنت محظوظة بأن وجدت إحساساً بالبيت في أماكن كثيرة ومختلفة، ولا أعدّ ذلك أمراً بديهياً. فهناك من يمضي حياته كلها وهو يشعر بأنه لا ينتمي حقاً إلى أي مكان.

إذا كان عليّ أن أجيب، فسأقول إنني أشعر بأنني في بيتي أكثر ما يكون في شمال أفريقيا وحول البحر المتوسط. إنها المنطقة التي تلهم جزءاً كبيراً من عملي، لكنني لست متأكدة من أن ذلك يطابق المكان الذي يمكنني أن أسميه بيتي. هذا الجزء لا يزال مفتوحاً بالنسبة إليّ، وأظن أنني متصالحة مع ذلك في الوقت الحالي.

— ما الذي يميز هذه الأماكن؟ ولماذا تمنحكِ هذا الإحساس بالبيت؟

— أدركت، بعد كل هذا التنقّل، أن ما يجعل مكاناً ما يبدو كالبيت هو الطمأنينة في تفاصيل الحياة اليومية. أن تجدي السكينة في روتين بسيط. وبالطبع، الأمر مرتبط أيضاً بالناس الذين تلتقينهم في الطريق.

مررت بأماكن لم أشعر فيها بأي صلة حقيقية مع أحد، لكن شمال أفريقيا كان مختلفاً. وجدت هناك ذلك اليسر في الحياة اليومية، وشعرت أن الأشخاص الذين التقيتهم يشبهون العائلة. كان هناك إحساس حقيقي بالانتماء، وكان ذلك استثنائياً للغاية.

وبالنسبة إلى شخص تنقّل كثيراً مثلي، فهذا أمر أقدّره بعمق. أحب أن أكون في مكان يتيح لي أن أستقر على إيقاع ما: أن أستيقظ، وأمشي إلى الشاطئ، وأتعرّف إلى البلدة، وألتقي الناس. هذه الطقوس البسيطة تعني لي الكثير.

وهذه الطريقة في العيش تؤثر أيضاً في أسلوبي في التصوير. أحب أن أمضي في المكان وقتاً كافياً لأشعر بالألفة فيه، ولأبني روابط إنسانية حقيقية. عندها يبدأ المكان في اكتساب شعور البيت، وعندها أيضاً أجد أكبر قدر من الإلهام لعملي.

— وماذا عن عائلتكِ؟ والدكِ ليبي ووالدتكِ أميركية. كيف بدأت قصتهما؟

— كانت والدتي تدرس الماجستير في كولورادو عندما التقت بوالدي، الذي جاء إلى الولايات المتحدة من ليبيا للدراسة في سبعينيات القرن الماضي. التقيا صدفة في اتحاد الطلبة في الجامعة، والباقي كما يقال أصبح من الماضي.

كان والدي ينوي دائماً العودة إلى ليبيا، لكنه انتهى به الأمر إلى البقاء في الولايات المتحدة. تزوجا، وأنجبا أخي الأكبر، الذي يكبرني بسبع سنوات، ثم وُلدت أنا.

استقر بنا المطاف في كانساس، حيث كان والدي يُنهي دراسته. بنى والداي حياتهما هناك، وهذا جزء لافت من الحكاية، لأن كانساس منطقة ريفية جداً في الولايات المتحدة. في ذلك الوقت، لم تكن هناك جالية كبيرة من الشرق الأوسط أو شمال أفريقيا، وكان التنوع عموماً محدوداً إلى حد بعيد.

هذا شكّل الطريقة التي نشأت بها. والدي ليبي، لكن لم تكن أمامي فرص كثيرة لأعيش ذلك الجانب من هويتي يومياً. ببساطة، لم تكن حولنا جالية تعكس ثقافة عائلتي. كان جميع أصدقائي من خلفيات مختلفة تماماً، لذلك كبرت من دون صلة قوية بذلك الجزء من نفسي.

حين أنظر إلى الأمر الآن، أعتقد أن هذا أحد الأسباب التي جعلت السفر يحمل كل هذه الأهمية بالنسبة إليّ. فرغم أنني قضيت وقتاً طويلاً بعيدة جسدياً عن والديّ، وجدت نفسي أقترب من عائلتي بطريقة مختلفة: عبر اكتشاف الثقافة التي نشأ فيها والدي. لم أزر ليبيا نفسها بعد، لكن السفر في شمال أفريقيا منحني إحساساً بالتقاليد والقيم وتفاصيل الحياة اليومية التي شكّلته قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة.

اليوم، ورغم أن والديّ لا يزالان في كانساس وأن المسافات غالباً ما تفصل بيننا، أشعر بأنني أقرب إلى عائلتي لأنني أفهم جذوري بطريقة لم أعرفها من قبل. كان ذلك من أكثر الجوانب معنى في السفر بالنسبة إليّ.

image
image
image

حصاد الورود في المغرب. الصورة: Annissa Durar

— هل كان واضحاً لكِ منذ البداية أن التصوير هو الطريق الذي ستسلكينه؟

— بصراحة، لا. لم أرَ الإبداع يوماً خياراً مهنياً حقيقياً.

كنت أشعر دائماً بأنني مبدعة وأنا أكبر، وفي سنّ المراهقة انجذبت إلى التصوير والموضة وأشكال مختلفة من التعبير الإبداعي. لكنني لم أتخيّل أن أياً من ذلك يمكن أن يتحوّل إلى مهنة. لذلك درست إدارة الأعمال، لأنني افترضت أنني سأنتهي إلى حياة أقرب إلى عالم الشركات.

لكن مع الوقت أدركت أن الإبداع جزء مني لا يمكنني تجاهله. كان هناك انجذاب دائم نحو الفن والتصوير والسرد البصري، إلى أن فهمت في النهاية أن هذا الشغف لن يختفي. استغرق الأمر مني بعض الوقت كي أحتضنه بالكامل، لأن فكرة بناء حياة حول شيء بهذا القدر من عدم اليقين كانت مخيفة بعض الشيء.

لكن ما إن اتخذت ذلك التحوّل حتى بدأ كل شيء يتّضح. عندما أصبحت مصوّرة وبدأت أسافر وأوثّق العالم من حولي، بدا الأمر طبيعياً على نحو مذهل. لم أشعر قط بأنه عمل بالمعنى التقليدي، بل كان أصدق طريقة أعبّر بها عن نفسي.

— ولم تدرسي التصوير، أليس كذلك؟

— نعم، تعلّمت التصوير بالكامل بمجهودي الشخصي.

في ذلك الوقت، كنت أعرف بالفعل أنني أريد السفر، لكنني شعرت بأن شيئاً ما ينقصني. أردت وسيلة أوثّق بها تلك التجارب، فحملت الكاميرا وبدأت أعلّم نفسي. كل ما أعرفه جاء من التجربة والخطأ.

أصوّر في الغالب على فيلم 35 ملم، ولهذا أسلوبه الخاص في التعلّم. إنها عملية مختلفة تماماً عن التصوير الرقمي، لذلك كان عليّ أن أكتشف الكثير على امتداد الطريق.

تعلّمت عبر التجريب، ومشاهدة الفيديوهات، وحضور بعض الدورات عبر الإنترنت، وقبل كل شيء، قضاء وقت طويل خلف الكاميرا. لم يكن التصوير شيئاً درسته أكاديمياً قط. كان في الحقيقة رحلة لاكتشاف الذات، وأصبح التصوير جزءاً من تلك الرحلة.

image
image
image

موسم قطاف الورد في المغرب. الصورة: Annissa Durar

— ما أول الأشياء التي وجدتِ نفسكِ تلتقطين لها الصور؟

— في البداية، كنتُ أصوّر غالباً المناظر الطبيعية والمشاهد الجميلة. ما زلت أستمتع بذلك، لكن اهتماماتي تبدّلت مع الوقت. لطالما انجذبت إلى السفر المتأني؛ أن أمنح نفسي الوقت لفهم التقاليد المحلية، واكتشاف الحِرف التقليدية، ومعايشة الأماكن بطريقة تبدو أصيلة.

ومع مرور الوقت، أدركت أن التصوير الذي يلامسني أكثر هو ذلك الذي يوثّق هذه التجارب. لم يعد الأمر متعلقاً بالأماكن بحد ذاتها، بقدر ما أصبح مرتبطاً بالأشخاص الذين ألتقيهم في الطريق، وبالحكايات التي يحملونها.

حينها بدأ التصوير يكتسب معنى مختلفاً بالنسبة إليّ. صار شكلاً من أشكال السرد، أقرب إلى مقاربة صحافية في توثيق المجتمعات وحفظ حكاياتها. قد تكون الحكاية عن مجموعة من النساء يصنعن الفخار في الجبال، أو عن تقليد آخر متجذّر بعمق في مكان بعينه. دائماً ما تجذبني القصص المرتبطة بمنطقة محددة، وتكشف شيئاً قد لا يعرفه الناس أو يتوقعونه.

— لفتتني صورة لامرأة من بيرو — هل تخبرينني قصتها؟

— كانت تلك الرحلة إلى بيرو مميزة جداً

زرت مجتمعاً نائياً في أعالي الجبال، حيث لا يزال الناس يصنعون كل ملابسهم يدوياً بالكامل. يستخدمون صوف الألبكة، يغزلونه خيوطاً، ثم يصبغونه بألوان مستخرجة من نباتات محلية قبل أن ينسجوه بأنفسهم. إنه تقليد تنفرد به تلك المنطقة.

لم يكن الوصول إلى هناك سهلاً. احتجت إلى استخدام وسائل نقل متعددة، فهو ليس من الأماكن التي قد يزورها كثيرون بالمصادفة لشدة عزلته. تعرّفت إلى تعاونية نسائية تقضي نساؤها أيامهن في النسج معاً. رحّبن بي في مجتمعهن، وأطلعنني على كل خطوة من خطوات العمل — من غزل الصوف إلى غلي النباتات والأعشاب لاستخراج الأصباغ الطبيعية التي يستخدمنها في منسوجاتهن.

لن أنسى ذلك اليوم أبداً. كان الجلوس معهن في الجبال، ومراقبتهن وهن يعملن، والإصغاء إلى قصصهن والتعرّف إلى تفاصيل حياتهن اليومية، تجربة استثنائية بحق. كنّ مضيافات إلى أبعد حد، وتلك هي اللحظات التي ما زالت تثير مشاعري كلما فكّرت في السفر.

image
image
image

الصورة: أنيسة ضرار

— سافرتِ إلى أماكن كثيرة وعايشتِ ثقافات مختلفة. هل كانت هناك رحلة واحدة غيّرتكِ حقاً أو ألهمتكِ، رحلة بقي أثرها معكِ طويلاً بعد عودتكِ إلى البيت؟

— كنت قد رأيت في البداية صوراً لورود دمشقية وردية شديدة الحيوية، فأثارني الفضول لمعرفة مصدرها. وحين بدأت أبحث، أدركت أن المنطقة نائية جداً: نحو ثماني ساعات بالسيارة من مراكش، عميقاً في الجبال.

ومن خلال شخص محلي، تعرّفت إلى حفصة، وهي تملك معمل تقطير للورد في المنطقة. ما أسرني فيها كان رسالتها؛ فهي تعيد استثمار عائدات المشروع في المجتمع المحلي، دعماً للنساء والتعليم، لذلك أصبح المعمل أكثر بكثير من مجرد عمل تجاري — صار جزءاً من نسيج المجتمع نفسه.

استأجرت سيارة، وقدت إليها بمفردي، وقضيت أسبوعاً مع فريقها. كل صباح، قبل شروق الشمس، كنت أنضم إلى النساء وهنّ يقطفن الورود بأيديهن. وفي وقت لاحق من اليوم نفسه، كانت الأزهار تُفرز وتُقطّر وهي لا تزال طازجة لإنتاج ماء الورد ومنتجات أخرى.

كان ذلك الأسبوع من أكثر أسابيع حياتي معنى. شعرت بترحيب صادق. لم أشعر أنني غريبة أو أنني أوثّق عالماً يخص غيري، بل أحسست كأنني أصبحت جزءاً من عائلة. في معظم الأيام، كنت أقضي وقتي ببساطة في معمل التقطير، أتحدث مع النساء، وأتعرّف إلى حياتهن، ونتشارك تفاصيل يومية عادية.

عندما أستعيد تلك التجربة، أشعر أنني كنت أكتشف جزءاً من هويتي. نشأت في كانساس، ولم تتح لي فعلياً فرصة عيش الثقافة التي جاء منها والدي. وجودي في المغرب منحني إحساساً بالانتماء كنت أبحث عنه من دون أن أعي ذلك تماماً.

— هل غيّرت هذه الرحلات مقاربتكِ للتصوير؟

— بالتأكيد. لقد غيّرت مسار عملي. جعلتني أرغب في التركيز أكثر على شمال أفريقيا، وعلى توثيق تقاليد متجذّرة بعمق في المنطقة. ومن نواحٍ كثيرة، أرى هذا العمل كأنه إنشاء أرشيف بصري: مشاركة أماكن وحِرف ومجتمعات لم تتح لكثيرين، وأنا منهم خلال نشأتي، فرصة رؤيتها أو فهمها عن قرب.

علّمتني تلك التجربة أيضاً أهمية التمهّل. أدركت أنك إذا قضيت وقتاً كافياً في مكان ما، تبدأ الثقة بالتكوّن بصورة طبيعية. عندها لا تعود تشعر بأنك زائر، وتصبح العلاقات أكثر صدقاً وعمقاً.

كما أنها بدّلت أولوياتي. في السابق، كان التصوير يأتي غالباً في المقام الأول. أما الآن، فالتعرّف إلى الناس يأتي أولاً. أصبحت أكثر اهتماماً بأن أعرف الشخص، وأن أقضي وقتاً معه، وأن أفهم حياته. عندها فقط، إذا بدا الأمر طبيعياً ومريحاً، أُدخل الكاميرا في الحوار.

أعتقد أن هذا التحوّل غيّر صوري بقدر ما غيّرني أنا أيضاً.

ومنذ ذلك الحين، أصبحت أتعامل مع كل مشروع بهذه الطريقة. في الصيف الماضي، على سبيل المثال، قضيت ما يقارب شهرين في تونس أوثّق نساء حرفيات يعملن في صناعة الفخار. أردت أن أبقى مدة تكفي كي أفهم حياتهن وحرفتهن حقاً قبل أن أصوّرهن.

image
image
image

صبيحة. الصورة: أنيسة درار

— كنتُ على وشك أن أسألكِ عن رحلتكِ إلى جبال سجنان. التقيتِ هناك نساءً مذهلات. هل سنحت لكِ فرصة التعرّف إلى حكاياتهن؟

— التقيتُ صبيحة، وهي خزّافة موهوبة للغاية تنتمي إلى عائلة تمارس هذه الحرفة منذ أجيال. وصلنا في اللحظة التي كانت تشوي فيها أعمالها، وكان مشهدها وهي تُخرج القطع الفخارية من النار وهي لا تزال متوهجة لا يُنسى. بعد ذلك أضافت القش لتُحدث العلامات الداكنة المميزة، قبل أن تزيّن كل قطعة يدوياً بزخارف مرسومة.

وفي وقت لاحق من ذلك اليوم، زرنا حرفية أخرى، هي حفيدة إحدى أشهر الخزّافات في تونس، وقد واصلت إرث جدتها. وعلى الرغم من أنهن يشتركن في التقنيات التقليدية نفسها، فإن كل حرفية طوّرت لغتها البصرية وأسلوبها الخاص، وهذا ما وجدته آسراً للغاية.

أكثر ما لفتني هو حجم الجهد المبذول في كل قطعة على حدة. فالعملية تبدأ قبل وقت طويل من تشكيل الفخار باليد؛ إذ يُجمع الطين من البيئة المحيطة، ثم يُحضّر ويُشكّل ويُشوى، وأخيراً يُرسم عليه. إنها حرفة تتطلب وقتاً هائلاً وصبراً كبيراً.

أودّ العودة، لأنني لم أوثّق بعد البدايات الأولى لهذه العملية: كيف يُستخرج الطين من الأرض. أشعر أن هذا هو الفصل الناقص الذي سيُكمل الحكاية.

— ما الذي تسعين إلى قوله عبر صورك؟

— أعتقد أن ما أريد أن يفهمه الناس هو أن لكل مكان حكايات تتجاوز بكثير ما نراه عادةً.

تشدّني حكايات الأشخاص الذين يُبقون التقاليد حيّة؛ سواء كنّ نساءً يصنعن الفخار، أو يقطفن الورود في وادي الورود، أو يواصلن ممارسات انتقلت عبر الأجيال. هذه هي القصص التي أريد أن أرويها.

تلهمني بشكل خاص النساء اللواتي يُحدثن فرقاً داخل مجتمعاتهن، ويحافظن على التقاليد الثقافية من خلال تفاصيل حياتهن اليومية. بالنسبة إليّ، هنا تعيش الثقافة حقاً: في الأشخاص الذين يواصلون هذه الممارسات كل يوم.

أريد الاقتراب من هذه الحكايات بتأنٍّ ووعي. فبناء صلة إنسانية يأتي دائماً أولاً. لا أحب أن أصل إلى مكان ما وألتقط كاميرتي فوراً؛ أفضل أن أقضي وقتاً في الحديث والإنصات والتعرّف إلى الشخص قبل أن أبدأ بتصويره.

أعتقد أن هذه هي الطريقة الوحيدة لسرد الحكاية بصدق.

وقبل أي شيء، آمل أن يشجّع عملي الناس على رؤية الأماكن بعيون مختلفة. فهناك جمال كبير يتجاوز التجربة السياحية المعتادة، وأشعر بأنني محظوظة جداً لأنني أستطيع أن أعاين هذه التقاليد عن قرب، بل وأكثر حظاً لأنني أتمكّن من مشاركتها مع الآخرين.

image
image
image

الصورة: Annissa Durar

— إذا نظرتِ إلى المستقبل، هل هناك قصة تحلمين بأن ترويها يوماً؟

— حلمي الأكبر الآن هو أن أذهب إلى ليبيا، البلد الذي تنحدر منه عائلتي.

حين كنت أكبر في الولايات المتحدة، لم أشعر يوماً برغبة قوية في زيارة ليبيا. وحتى لو أتيحت لي الفرصة آنذاك، لست متأكدة من أنني كنت سأدرك معنى ذلك. أما الآن، في هذه المرحلة من حياتي، فأجدني أشتاق إلى تلك الصلة: أن أختبر مكاناً شكّل عائلتي على مدى أجيال.

للأسف، لم أتمكن من الذهاب بسبب الأوضاع السياسية. لكن حلمي أن أسافر إلى هناك، ويفضل أن يكون ذلك برفقة والدي. فهو لم يعد إلى ليبيا منذ ما يقارب أربعين عاماً.

لا تزال جدتي تعيش هناك. اسمها أنيسة (وفي الواقع سُمّيتُ على اسمها)، وأكثر ما أريده هو أن أقضي وقتاً معها. أتخيلنا جالستين معاً، نتحدث عن حياتها، ونطبخ معاً، ونستمع إلى حكايات العائلة، ونكون حاضرتين في تلك اللحظة ببساطة.

لا أنظر إلى الأمر بدايةً كمشروع تصوير فوتوغرافي، بل أراه رحلة عائلية. سيصبح التصوير بطبيعة الحال جزءاً منها، لأنه طريقتي في فهم العالم، لكن الأهم سيكون ببساطة أن أكون هناك.

لا يزال معظم أفراد عائلتي يعيشون في ليبيا. والدي هو الوحيد الذي غادر، لذلك لدي أقارب لم ألتقِ بهم قط: جدتي، وعماتي، وأبناء وبنات عمومتي. أتمنى أن أقضي وقتاً معهم، وأن أتعلم وصفات العائلة، وأستمع إلى قصصهم، وأختبر جزءاً من تاريخي الشخصي ظل دائماً قريباً وبعيد المنال في آن.

هذا هو المشروع الذي أحلم به أكثر من أي شيء. آمل أن أتمكن من تحقيقه في وقت لاحق من هذا العام أو مطلع العام المقبل.