image

by Barbara Yakimchuk

هل يمكن تدريب الدماغ كما ندرّب الجسم؟

Photo: Getty Images

نذهب إلى النادي الرياضي، نرفع الأوزان، نتناول حاجتنا من البروتين وندرّب عضلاتنا — والجسم، في الغالب، يستجيب بوضوح. نصبح أقوى، تتحسن قدرتنا على التحمل، وتنمو العضلات.

لكن هل تنطبق الفكرة نفسها على الدماغ؟

لطالما وصفناه على مدى سنوات بأنه عضلة، وفي هذه المقارنة شيء من الحقيقة: فالتعلّم والتعليم والخبرة يمكن أن تغيّر الدماغ فعلياً على المستوى البنيوي. لكن بعد المدرسة والجامعة، يبدو أن كثيرين منا يتوقفون عن النظر إليه كشيء يمكن تدريبه بوعي وفاعلية. قد نستمر في التعلّم طبعاً، لكن أين المعادل الذهني لإضافة خمسة كيلوغرامات أخرى إلى عمود الأوزان؟

لذلك، نغوص اليوم في عالم «تدريب الدماغ» للإجابة عن سؤال واحد: هل يمكن أن ندرّب الدماغ بالنية نفسها التي ندرّب بها الجسم؟ وإذا كان الجواب نعم، فما الذي يُعد فعلاً تمريناً للدماغ؟ هل هو برنامج جاد للتدريب المعرفي؟ أم 15 دقيقة يومياً على واحد من عشرات التطبيقات التي تعدنا بذهن أكثر حدة؟

حان وقت معرفة الإجابة.

ما المقصود فعلاً بتدريب الدماغ؟

قد يبدو أن أي نشاط يجبر دماغنا على بذل جهد كبير يمكن اعتباره تدريباً للدماغ. لكن هل تنطبق التسمية على الكلمات المتقاطعة التي تحلّها مع الفطور؟ وماذا عن مباراة شطرنج مع صديق؟ أو قراءة رواية بوليسية؟ أو ذلك التحليل النفسي الدقيق، الأقرب إلى التحقيق الجنائي، للقطة شاشة من محادثة أرسلها لك صديقك للتو؟

هنا تحديداً تصبح المصطلحات مهمة.

أولاً، لا يوجد في الحقيقة شيء واحد محدد اسمه «تدريب الدماغ». ما نتحدث عنه عادة هو تدريب وظائف معرفية بعينها: الذاكرة، الانتباه، سرعة المعالجة، الاستدلال وما شابه. وهذه القدرات ليست قابلة للاستبدال فيما بينها. تحسين الذاكرة لا يعني تلقائياً أنك ستصبح أسرع في معالجة المعلومات؛ وتدريب الانتباه لا يجعلك بالضرورة أفضل في الاستدلال. لذلك لا بد من طرح سؤال أكثر تحديداً: ما الذي تحاول تدريبه بالضبط؟

لنأخذ شخصين:

الشخص أ يحل كلمات متقاطعة صعبة كل صباح لأنه يستمتع بها. يسترجع الكلمات، يفتش في ذاكرته، يربط بين المعاني ويحل الألغاز. دماغه بلا شك يواجه تحدياً. هذا تحفيز معرفي.

الشخص ب يريد تحديداً تحسين الذاكرة العاملة. يتّبع برنامجاً يتطلب منه تذكّر تسلسلات من المعلومات، وتتكيف صعوبته مع مستوى أدائه، ويتدرّب عليه مراراً على مدى عدة أسابيع. هذا تدريب معرفي.

النشاط الأول ليس أسوأ أو أقل فائدة. لكنه ببساطة غير مصمم لتحسين وظيفة معرفية محددة مسبقاً بطريقة منهجية. والأهم أن النشاط نفسه قد ينتقل بين الفئتين بحسب طريقة استخدامه. إذا لعبت لعبة ذاكرة بشكل عفوي لأنها مسلية، فهذا تحفيز معرفي. أما إذا استخدمت مهام ذاكرة تزداد صعوبة تدريجياً ضمن برنامج منظّم يهدف تحديداً إلى تحسين الذاكرة العاملة، فهذا تدريب معرفي.

ما زال الأمر يبدو مخيفاً بعض الشيء؟ إليك مثالاً أبسط.

لنفترض أنك تريد بناء العضلات. المشي إلى السوبرماركت يحرّك جسمك، وحمل أكياس التسوق إلى المنزل قد يشكّل تحدياً له أيضاً. لكنك غالباً لن تسمي أياً منهما تدريب قوة. لذلك تذهب إلى النادي الرياضي بهدف محدد، تكرر تمارين معينة، ثم تزيد صعوبتها تدريجياً كلما أصبحت أقوى. تدريب الدماغ يقوم إلى حد كبير على المنطق نفسه.

image

الصورة: Kateryna Hliznitsova

كيف تدرّب دماغك: نسخة التطبيقات

نعرف اليوم أن تدريب الدماغ لا يعني، بطريقة ما، ترقية الدماغ بأكمله. فالأمر أكثر تحديداً بكثير: يمكن تدريب الذاكرة العاملة، وسرعة المعالجة، والانتباه، وغيرها من الوظائف الإدراكية، كلٌّ على حدة عبر تمارين مصممة لاستهدافها. وإن كنت ترغب في التجربة، فما الذي قد يكون أسهل من تطبيق على هاتفك؟

ولا شك أن App Store وGoogle Play يزخران بالخيارات. Cogmed وLumosity وNeuroNation تقدّم تمارين تستهدف الذاكرة العاملة. أما BrainHQ فيضم مهام مبنية حول سرعة المعالجة. ويتناول CogniFit مجال الانتباه، بينما يركّز Elevate بدرجة أكبر على المهارات اللفظية، من المفردات وفهم المقروء إلى المعالجة اللفظية. على الورق، يبدو الأمر مريحاً إلى حد يكاد لا يُصدّق: حدّد ما تريد تحسينه، نزّل التطبيق المناسب، وابدأ التدريب.

لكن يبقى سؤال مهم جداً: هل ينجح أي من ذلك فعلاً؟

الإجابة تعتمد على ما نعنيه بكلمة «ينجح».

تخيّل أنك أمضيت شهراً تستخدم تطبيقاً لتدريب ذاكرتك العاملة. في نهايته، أصبحت أفضل في تذكّر التسلسلات، وحققت أداءً أفضل في مهمة أخرى مشابهة للذاكرة العاملة. هذا رائع. لكن ما تريد معرفته على الأرجح هو ما إذا كان أي شيء يتغير خارج التطبيق. هل أصبحت الآن أقدر على التركيز خلال اجتماع طويل؟ هل تتذكر الأسماء بسهولة أكبر؟ هل تستطيع حل مشكلات غير مألوفة بسرعة أعلى؟

في أبحاث تدريب الدماغ، ثمة اسمان لهذين النوعين المختلفين جداً من التحسّن: النقل القريب والنقل البعيد.

الانتقال القريب يعني أن التدريب على مهمة ما يجعلك أفضل في أدائها أو في أداء شيء وثيق الصلة بها. وهنا تحديداً، تستند تطبيقات تدريب الدماغ إلى قدر لا بأس به من الأدلة. فقد نظر تحليل تلوي شمل 43 دراسة شارك فيها 2,636 شخصاً في سبعة برامج تجارية، من بينها Lumosity وBrainHQ وCogniFit وCogmed، ووجد تحسينات صغيرة لكنها ذات دلالة في المهام الوثيقة الصلة بتلك التي جرى التدريب عليها.

لذلك، إذا كان التطبيق يطلب منك مراراً تحديد المعلومات بسرعة، أو تذكّر تسلسلات، أو معالجة أشياء داخل الذاكرة العاملة، فقد تتحسن فعلاً في هذا النوع من المهام.

الانتقال البعيد هو الوعد الأكبر. ويحدث حين يتجاوز التحسن حدود ما تدربت عليه فعلياً ليؤثر في قدرات معرفية أخرى — أو، في النهاية، في أداء دماغك في الحياة اليومية.

وهنا تصبح الأدلة أقل إقناعاً بكثير. فقد وجدت دراسة أجريت عام 2025 حول تدريب الدماغ المحوسب لدى كبار السن الأصحاء أن المشاركين تحسنوا في المهام التي تدربوا عليها، لكن الباحثين لم يجدوا دليلاً على انتقال تلك المكاسب إلى مهام معرفية أخرى، سواء كانت مدرَّبة أم غير مدرَّبة.

إذن، هل تنجح تطبيقات تدريب الدماغ؟ نعم — لكن السؤال الأهم هو: إلى أي مدى؟ أن تصبح أفضل في المهارة المعرفية التي يدرّبك عليها التطبيق أمر، أما توقّع أن تمتد تلك المكاسب لتجعل قدراتك الذهنية عموماً أحدّ وأسرع وأكثر كفاءة، فأمر آخر تماماً.

image

الصورة: Pablo Merchán Montes

هل يحتاج الأصحاء إلى تدريب أدمغتهم؟

تعتمد الإجابة على ما تريده تحديداً من دماغك. فهناك ثلاثة أسئلة متقاربة، لكنها ليست متطابقة، قد تكون في الواقع ما تبحث عنه.

1. هل تريد تحسين مهارة معرفية محددة؟

لنفترض أن عملك يقوم على إلقاء الخطب أمام الجمهور، وأن تذكّر مقاطع طويلة من النصوص لا يقل أهمية لمهنتك عن الطعام والماء. عندها، نعم، قد يكون التدريب المعرفي الموجّه خياراً يستحق الاستكشاف. فهناك تمارين مصممة لتدريب قدرات بعينها، من الذاكرة العاملة إلى سرعة معالجة المعلومات، وكما رأينا بالفعل، يمكن للناس أن يتحسنوا في الوظائف التي يتدربون عليها.

الكلمة الأهم هنا هي محددة. فإذا كنت تعرف ما تريد تحسينه، يمكنك اختيار نوع من التدريب مبني حول هذه المهارة.

2. هل تريد ببساطة أن يعمل دماغك بكفاءة أكبر في حياتك اليومية؟

ربما لا تعاني أي مشكلة صحية، ودماغك يؤدي وظيفته على ما يرام، لكنك ترغب فقط في التركيز بسهولة أكبر، والتفكير بسرعة أكثر قليلاً، والحفاظ على انتباهك لمدة أطول.

في هذه الحالة، لا تمثل التمارين المعرفية سوى جزء صغير من الصورة. فأداء دماغك في أي يوم يتأثر أيضاً بدرجة كبيرة بكل ما يحدث خارج إطار التدريب نفسه: جودة نومك، ومستوى نشاطك البدني، وما تتناوله من طعام، ومستويات التوتر لديك، وصحتك الجسدية والنفسية عموماً.

لنأخذ النوم مثالاً. فقد خلص تحليل تلوي نُشر عام 2024 وشمل 44 دراسة اقتصر فيها نوم المشاركين على 2 - 6 ساعات فقط، إلى أن تقييد النوم حتى لليلة واحدة يضعف الانتباه المستمر: إذ أصبحت استجابات الناس أبطأ، وتكررت لديهم لحظات تشتت الانتباه.

بعبارة أخرى، يمكنك قضاء 15 دقيقة في تدريب انتباهك عبر تطبيق ما، لكن إذا لم تنم سوى أربع ساعات، فلا تتوقع أن يمنحك ذلك دماغاً حاداً كالشفرة في صباح اليوم التالي بطريقة سحرية.

image

الصورة: Andrej Lišakov

3. هل ترغب في إبقاء دماغك نشطاً مع التقدّم في العمر وتقليل خطر التدهور المعرفي؟

هنا يتغيّر مسار الحديث مرة أخرى. فبدلاً من التفكير في «تدريب الدماغ» بمعناه الضيق، قد يكون الأجدى أن نفكّر في كيفية إبقاء الدماغ منخرطاً معرفياً طوال الحياة.

وهنا يظهر مفهوم مهم آخر: الاحتياطي المعرفي. أعرف أنه مصطلح تقني إضافي، لكنني أعدك بأن هذه هي القطعة الأخيرة في الأحجية. ببساطة شديدة، يختلف الناس في قدرة أدمغتهم على التعامل مع التغيرات المرتبطة بالتقدّم في العمر أو مع المرض، قبل أن تبدأ تلك التغيرات في التأثير بوضوح في تفاصيل الحياة اليومية. والاحتياطي المعرفي هو إحدى الطرق التي يحاول الباحثون من خلالها تفسير هذا الاختلاف. والأهم أن العوامل المرتبطة بالاحتياطي المعرفي لا تبدو مهمة في سنوات الشباب فقط. فقد وجد تحليل تلوي نُشر عام 2024 أن ارتفاع الاحتياطي المعرفي ارتبط بانخفاض خطر الإصابة بالخرف على امتداد مراحل الحياة: بنسبة 18% للعوامل المرتبطة ببدايات العمر، و9% لعوامل منتصف العمر، و19% للعوامل المرتبطة بالمراحل المتأخرة من الحياة.

هل تتذكّر من أين بدأنا؟ الكلمات المتقاطعة على الإفطار، مباراة الشطرنج، رواية بوليسية، بل وحتى ذلك التحليل الجنائي لآخر رسائل صديقك؟ هنا تعود هذه الأمور إلى الصورة. قد لا تُعد تدريباً معرفياً موجهاً، لكنها جميعاً وسائل لإبقاء الدماغ منشغلاً ونشطاً؛ وعندما نتحدث عن الاحتياطي المعرفي، فإن هذا الانخراط الأوسع يصبح ذا أهمية.

ولا يبدو أن بناء هذا الاحتياطي يعني تكرار تمرين الذاكرة نفسه كل صباح. فقد ارتبط التعليم، والعمل الذي يتطلب جهداً فكرياً، وتعلّم مهارات جديدة، والحفاظ على النشاط الذهني والاجتماعي، بارتفاع الاحتياطي المعرفي. وحتى أمر عادي مثل البقاء على تواصل اجتماعي له أثره: ففي التحليل التلوي نفسه، ارتبطت الروابط الاجتماعية الأقوى في المراحل المتأخرة من الحياة بانخفاض خطر الإصابة بالخرف بنحو 30%.

لعل السؤال الأفضل إذاً ليس ببساطة: «هل عليّ أن أدرّب دماغي؟»، بل: «ما الذي أريده فعلاً من هذا التدريب؟»

تحسين الذاكرة، والشعور بصفاء ذهني أكبر غداً، ودعم صحتك المعرفية خلال السنوات الـ40 المقبلة، ثلاثة أهداف مختلفة تماماً؛ ولا تتطلب بالضرورة النوع نفسه من التدريب.