:quality(75)/large_patrick_schneider_yw1y_al_K_Grg_unsplash_94632b6254.jpg?size=54)
by Alena Anishchenkova
تجربتي في فيباسانا في رأس الخيمة: يوميات، الجزء 1
فيباسانا هي نوع من التأمل تتخلى فيه عن العالم الخارجي، وتُنقّي نفسك، وتُعالِج تجاربك. والتخلي عن العالم الخارجي حرفيّاً: ما تستخدم هاتفك، وما تتكلم (ولا حتى مع اللي يسوّون فيباسانا مثلك)، وتسوي هذا لمدة 10 أيام. كاتبتنا، ألينا أنيشينكوفا، خاضت هالتجربة في رأس الخيمة وكتبت يوميات لمدة 10 أيام، وسجّلت أفكارها. هذا هو الجزء الأول، ويغطي أول خمسة أيام من فيباسانا.
كل شخص يعيش تجربة فيباسانا بطريقته الخاصة، ولكل واحد انطباعات وردود فعل مختلفة. هالمقال يشارك تجربة الكاتبة الشخصية — ورحلتك أنت في فيباسانا ممكن تكون مختلفة تماماً.
اليوم 0: حرج اجتماعي
تقام فيباسانا في رأس الخيمة (RAK) في الإمارات في فندق سابق. تيين يوم السبت بعد الظهر للتسجيل والاستقرار. في كل دورة فيه 30 امرأة وحوالي 15 رجل. في اليوم 0، توقّع الأوراق وتسلّم مقتنياتك الثمينة، ووثائقك، وهاتفك للمنظمين. يشرحون لك القواعد (لازم تبقى 10 أيام، تلتزم الصمت، وتتبع الجدول) ويورونك المكان. النساء يسكنّ في غرفة لثلاثة، يعني في اليوم 0، طالما بعدك تقدر تتكلم، لازم تتفقون على كم شغلة مثل منو ينظف الغرفة ومتى، وكيف نستخدم الحمام في الصباح إذا بننام والمكيف شغال أو مطفي، إلخ.
بعدها يكون فيه عشا يتعارف فيه الكل على بعض، وعند الساعة 7 مساءً نسوي أول جلسة تأمل، ومنها يبدأ «الصمت النبيل». وهني يصير الموضوع غريب. قبل شوي كنت تتفاعل مع المشاركين بطرق مختلفة؛ مع بعضهم سوالف أعمق؛ ومع غيرهم كلام خفيف؛ ومع البعض بس نظرات أو إيماءة تعرّف بوجودهم. لكن بعد التأمل مباشرة، كلكم تتحولون كأنكم أشباح لأن الصمت النبيل يعني مو بس ما في كلام، حتى ما في تواصل غير لفظي.
فجأة الناس حتى ما يطالعون بعض: لا نظرات، لا ابتسامات، لا إيماءات، لا تربيت، لا تواصل جسدي، ولا شي—كأنك لازم من الحين تتصرف وكأنك ما تشوف الناس اللي حولك. كان هذا أصعب جزء في اليوم لأنه ما كان يحس صح. إحنا كائنات اجتماعية، ومو هذي طريقة عيشنا في حياتنا اليومية.
:quality(75)/large_marcos_paulo_prado_Llr_QF_5_JFR_Is_unsplash_a141d4bafe.jpg?size=53.54)
الصورة: Marcos Paulo Prado
اليوم 1: 10 ساعات تأمل. صعب؟ إي والله
في اليوم الأول، تصحى الساعة 4 الفجر، وأول تأمل يبدأ الساعة 4:30. فيه جلسات تأمل مدتها 60 و90 و120 دقيقة موزعة على اليوم، ومجموعها 10.5 ساعات تأمل يومياً. وخلّيني أقول لك شي واحد: التأمل صعب.
نبدأ بالجانب الجسدي: لازم تقعد ثابت في وضعية اللوتس طول الوقت. يكون عادي لـ 5 أو 10 أو 15 دقيقة، لكن بعدها تحتاج تتحرك. رقبتك، أعلى الظهر، أسفل الظهر، الركب، والرجلين يبدأون يعورونك أو يخدرون، فتضطر تغيّر وضعيتك بشكل متكرر. وهذا التحرك المستمر طبعاً ما يساعد على التركيز أبداً.
وبعدين فيه الجانب الذهني: ملايين الأفكار تهجم عليك يوم يدري عقلك إنك عملياً مو مشغول بأي شي. هالأفكار تتراوح من أسئلة عميقة عن الحياة بعد الموت إلى أشياء تافهة. مهمتك إنك تلاحظها، تخليها تروح، وترجع تركز على تنفسك. هذي هي مهمتك الوحيدة للثلاثة أيام الجاية. لكن من الصعب جداً تهدّي العقل لدرجة إنك تقدر فعلاً تركز على تنفسك لفترة طويلة. أول ما تتشتت حتى لثانية، عقلك يرجع يقصفك بالأفكار مرة ثانية.
اليوم 2: قلة نوم. أصعب يوم في حياتي
البارحة نمنا الساعة 9 مساءً، وأنا ما قدرت أنام لين 12 منتصف الليل. فـ يوم رنّ الجرس عشان يصحّونا، ما كان عندي إلا أربع ساعات نوم، وتعرفون… قلة النوم شي حقيقي.
ما تقدر تقاوم سؤال واحد بسيط طول اليوم: ليش أنا هني؟ ليش؟ ما استوعبت. ليش سويت هالشي بنفسي؟ الغضب والإحباط هم أحسن ربعي اليوم لأنّي ما أفهم ليش حطّيت نفسي في هالموقف. عندي حياة حلوة في دبي، شغل، ربع، هوايات، إلخ… فليش أنا هني؟
المهم، فهمتوا الفكرة. اليوم الثاني كان صعب جداً لأن في اليوم الأول بعدك تتأقلم مع المكان الجديد. لكن في اليوم الثاني تضربك الحقيقة: أنت محبوس هني 10 أيام، والتجربة كلها مرهِقة بشكل كبير نفسياً وجسدياً.
عشان تفهمون شكثر كان اليوم سيّئ، بعطيكم مثال واحد. بس خلّوني أقول لكم شي أول: الكل يعرفني كشخص غير عنيف أبداً، فأتمنى اللي بقوله ما يخوفكم وايد.
في قاعة التأمل، الكل يقعدون قريب من بعض. لك مكان مخصص طوال العشرة أيام، وما تقدر تغيره. هو basically بساط تأمل مربع (70*70 سم) يحدد مساحتك الشخصية، ومعاه 20 سم قدامك. أنا عادةً كنت أقعد في نص بساطي، بس البنت اللي جدامي كانت تقعد على حافة بساطها بالضبط، قريب مني. في اليوم الثاني، قررت تميل للأمام والخلف قبل كل جلسة تأمل وايد مرات، وكانت تقريباً بتضربني في وجهي. لأنك محروم من حياتك الطبيعية، تصير تعصب مو بس على نفسك، حتى على الناس اللي حولك. ما كان عندي أي طريقة أقول لها أو أوضح لها إنها تتعدى على مساحتي الشخصية، فكنت أغلي من داخل، وكان هذا صعب جداً.
اليوم 3: حماية الرجلين
في اليوم اللي قبله كانت ركبتي توجعني، ونمت وأنا أفكر إنه في اليوم اللي بعده لازم أركز عليها وأتأكد إني أرتّب وضعيتها بشكل أفضل عشان يقلّ الألم.
صحيت اليوم الساعة 4 الفجر مرة ثانية، وركبتي اليمين بعدها توجع، يعني ست ساعات نوم ما ساعدت بعد 10.5 ساعات تأمل أمس بنفس الوضعية. هذا خلاني أتوتّر شوي، بس لازم أستعد للتأمل. وأنا في طريقي للحمّام، خبطت الخنصر في رجلي بالجدار. بعد أول جلسة تأمل، شفت إصبعي وصار لونه بنفسجي شوي. بعد ثلاث ساعات زيادة، بيصير بنفسجي بالكامل. فصار عندي خيارين بس: يا إنه مكسور أو لا.
في احتمال إني أطلب مساعدة (في ثلاث سيدات يسمّونهم “سيرفرز” تقدر تراجعينهم لأي سؤال غير تقنية التأمل — لهالشي عندك معلمة). ما كنت أدري عن سياستهم بخصوص الإصابات؛ يمكن لازم يرسلونك للمستشفى إذا كنت مو بخير، يعني تجربة الفيباسانا بتنتهي. ومرة ثانية، كله في راسي: «إذا الإصبع مكسور، مو مشكلة كبيرة لأنّي أصلاً ما أستخدمه كثير في حياتي اليومية (إنتو تستخدمونه؟)، فحتى لو كان مكسور أنا متأكدة أقدر أتحمّل سبعة أيام زيادة. أنا أصلاً تحمّلت ثلاثة أيام في هالمكان المجنون، وما أقدر أطلع الحين؛ وصلت بعيد.»
:quality(75)/large_jd_mason_x_C_Pdjit_Y5s_Q_unsplash_724fe3b23c.jpg?size=21.74)
صورة: Jd Mason
اليوم 4: وهم الحمّام
اليوم 4 ماشي تمام. عطونا تقنية تأمل جديدة: نسوي مسح للجسم من فوق لتحت، ونركّز على الإحساس في كل جزء من الجسم. شكله شي غريب، بس أنا حرفياً ما عندي أي إحساس في جبيني. تبونّي أسوي شو يعني؟
أمشي يومي كالمعتاد لين ما يصير موقف الوهم. غير إنك تمرّ بأصعب صراعات نفسية كل يوم، حتى جسدياً ما تكون بخير. أولاً، الجو برع +35-36° مئوية، وهذا بحد ذاته متعب. وثانياً، ما تاكل كفاية (تقريباً عندك وجبتين كاملتين: فطور 6:30 الصبح وغدا 11 الصبح، وبعدها سناك فواكه الساعة 5 العصر، وأنا بصراحة ما أحسبه). وما مسموح لك تتمرن (ولا حتى يوغا أو تمطّط)، وجسمك كله يوجع. راسك يكون مشوش، وأحياناً تحس نفسك ضعيف لدرجة ممكن تطيح.
وهذا يوصلني لموقف الوهم نفسه. كنت متوترة إني ما أكمّل خطواتي، فبين كل جلسة تأمل كان عندنا بريك 5 دقايق. كنت أروح الغرفة أمشي كم خطوة، أشرب ماي، وأستخدم الحمّام، وغالباً أكون أول وحدة توصل. في اليوم 4، دخلت، وشغّلت تلقائياً مفتاح النور في الحمّام، وبعدين استوعبت إن الباب كان مسكّر وفيه شباشب عند المدخل، يعني في أحد داخل. بعدها قلت لنفسي: أنا فعلاً لمست المفتاح ولا لا؟ مخّي على طول قال: "لا، ما لمستيه"، بس أنا كنت شبه متأكدة إني لمسته. بعدين صار في بالي: هل كان فيه شخص داخل ولا لا، وهل حاولت أفتح الباب ولا لا؟ وما كنت أدري.
في هاللحظة خفت، لأنه حسّيت إني أفقد عقلي، وما أقدر أعرف أبسط الأشياء. ذكّرني بفيلم أنتوني هوبكنز "The Father"، يوم يلعب دور شخص كبير بالعمر عنده خرف وما يقدر يميّز الواقع من الوهم. المشكلة إننا ما نقدر نتواصل، فحتى لو كان في أحد داخل الحمّام، ما بيقدر يقول: "هيه، شغّلي النور." هذا يضايقني وايد لأنّي أفهم قدّيش كلنا منهكين وتعساء، وكيف حتى موقف صغير مزعج ممكن يخلي يومنا أتعس. بس كان لازم أروح لجلسة تأمل ثانية، فطلعت، وما قدرت أركز أبداً.
ظلّيت أفكر إني لازم أروح وأعتذر (حتى لو كان ضد قواعد الصمت)، بس بعدين: شو أقول؟ "إذا كنتِ هناك، أنا آسفة وايد، بس إذا ما كنتِ، لا تهتمّين." هذا شي غريب بصراحة. بتفكر إني مجنونة، وأنا مو متأكدة إني مو مجنونة بهالمرحلة. أبي أرجع البيت؛ ما عدت أفهم شو هو الواقع أصلاً.
اليوم 5: ابتسامة الصباح. أهمية الروابط الاجتماعية. إحباط في المساء
اليوم أول يوم أصحى وأنا مبتسمة. الشي الوحيد اللي تغيّر إنّي تقبّلت الظروف. ما كنت أدري إنه بيكون مرهق لهالدرجة. أكبر نصيحة عندي لأي شخص يفكر في فيباسانا: اقرأوا أكثر عشان تكونون فاهمين تماماً على شو قاعدين تسجّلون.
التقبّل عامل مهم لراحتنا وسعادتنا لأنك لسه محروم من كل الناس والأشياء اللي تحبها، وهذا شي صعب جداً، لكن أول ما تتقبل هالتجربة، كل شي يصير أسهل بكثير من بعدها.
اليوم فكّرت وايد في أهمية الروابط الاجتماعية وكمّ التواصل اللي يصير حتى بدون كلمات. بس فكّروا بيومكم؛ في أشياء كثيرة نقولها بدون ما نتكلم: نبتسم للبنت عند ممر المشاة، يعني: "يا سلام على الفستان، شكلج رهيب"، أو نميل براسنا للباريستا في الكوفي شوب، كأننا نقول: "دوم التعامل معاك ممتع، أشوفك باچر"، أو نلوّح لحد نعرفه، يعني: "شايفك، يومك سعيد!" لو بس نقدر نتفاعل هنا بدون كلام، كان بيكون ارتياح كبير.
جاء المساء ورجعت أحس بالإحباط؛ مع إني لسه متقبّلة مكاني، بس ما صار أسهل أبداً إنك بس تقعد وتتأمل طول اليوم.
:quality(75)/medium_josue_sanchez_j7u_Pq7_P6z_UE_unsplash_1_845645b214.jpg?size=52.66)
:quality(75)/medium_tesson_thaliath_K9h_Rf_WMYUFY_unsplash_a251ae2c02.jpg?size=63.34)
:quality(75)/medium_RAK_Art_3802_bb9aa3e7dc.jpg?size=48.35)
:quality(75)/medium_emma_van_sant_6_Aakvv7_A_Jk_E_unsplash_3690c5e3ed.jpg?size=102)
:quality(75)/medium_faa6b9_58e9ee305cdf4d5f839d07b6f0dd5eb2_mv2_80ea66dc73.webp?size=85.35)