image

by Alexandra Mansilla

«الفن هو حيث توجد حريتي»: فنانون يتحدثون عن القوة العلاجية للفن

Lana Khayat, Seda Salvage Roja (2024)

فهل يمكن للفن أن يشفي؟ هل يمكن أن يساعدنا على تجاوز شيء صعب؟ هل يمكن أن يساعدنا على التعامل مع مشاعر لم نجد لها كلمات بعد؟

طرحت هذه الأسئلة نفسها على ثلاثة فنانين. وما عاد إليّ لم يكن نظريات أو عبارات مصقولة. كان تجربة معاشة. قصصاً عن القلق والفقد، عن الهوية والبقاء، وعن لحظات صار فيها صنع شيء ما طريقة للتنفّس من جديد. طريقة للشعور بالقوة حين بدا العالم خارج السيطرة. وطريقة لملاقاة نفسك حين تعجز اللغة.

فيما يلي، ثلاثة فنانين — Fatspatrol، Ohida Khandakar، وLana Khayat — يجيبون عن الأسئلة نفسها بطرق مختلفة، كلٌ بطريقته الخاصة، لكن بإرشاد فهمٍ مشترك. يتحدثون عن كيف احتضنهم الفن، وتحدّاهم، وساعدهم على الشفاء.

Fatspatrol

— هل تعتقد أن الفن يمكن أن يشفي الناس؟

— بالتأكيد. لا أعرف إن كان الأمر يتعلق بالشفاء بقدر ما يتعلق بمساعدة الفن لك على الوصول إلى طبقات من وعيك لا يكون الوصول إليها متاحاً دائماً.

ويمكنه أيضاً أن يساعدك على صياغة المشاعر والإحساسات، والحزن، والصدمة، والفرح، والأحلام، والخيال والتعبير عنها. أعتقد أن الفن يمكن أن يأخذك في رحلة إلى الداخل، حيث تستطيع استكشاف ذاتك بعمق أكبر، وطرح الأسئلة، وإيجاد إجابات تجلب السلام والفهم إلى حياتك.

إضافة إلى ذلك، أعتقد أن الفن يساعدك على بناء علاقة مع نفسك. وهذا بحد ذاته جزء مهم جداً من الشفاء، وكذلك من التطور الشخصي والنمو.

image

الصورة: Stan Clawson

— ما المكان الذي يحتله الفن في حياتك اليوم؟

— ما المكان الذي لا يحتله الفن في حياتي اليوم؟ أعتقد أنه في مراحل مختلفة من حياتي، مثّل الفن أشياء مختلفة ولعب أدواراً مختلفة.

عندما كنت طفلاً، كان الفن أقرب إلى اللعب والخيال والفضول. ثم عندما أصبحت مراهقاً، صار الفن فعلاً طريقة لبدء استكشاف هويتي. وكان ذلك أيضاً حين بدأت لأول مرة أختبر القلق والاكتئاب — حين شُخّصت للمرة الأولى وبدأت بتناول الدواء للمرة الأولى. أصبح الفن المساحة التي أستطيع فيها أن أكون وحدي مع نفسي وأن أفكّر بصوتٍ عالٍ بصدقٍ تام.

أشعر أن من الصعب أحياناً على الناس أن يكونوا مخلصين تماماً في أفكارهم عندما نستخدم اللغة اللفظية. بينما يمكن للغة التي تخرج بشكل طبيعي من عقولنا، ومن لاوعينا، ومن تعبيرنا عن الذات أن تكون أكثر صدقاً وأكثر حقيقة.

في الجامعة، درست النظرية الثقافية ولاحقاً نلت درجة الماجستير في علم الاجتماع. هناك بدأت أستكشف ما الذي يعنيه الفن للمجتمع، وما الذي يعنيه للعالم — كيف يمكنه مساعدة الناس، وكيف يمكنه أن يضفي طابعاً إنسانياً، وكيف له مكان في الحضارة والتطور الإنساني، وكذلك في الإنتاج الثقافي وكل هذه الجوانب الإنسانية التي تُعد مهمة جداً.

ثم بدأت العمل في المجال الفني، وهناك صار الفن حياتي المهنية — وحياتي المالية. وهناك أصبحت أعمالي أكثر تجارية. كما درست العلاج بالفن لفترة لأنني أردت التأكد من أن حياتي التجارية المرتبطة بالمال ليست الطريقة الوحيدة التي أُقيِّد بها الفن. لقد آمنت دائماً بأن للفن وظيفة أكبر بكثير وأنه جزء أساسي من وجودنا كبشر.

درست العلاج بالفن لأفهم كيف يعمل وكيف يمكنه مساعدة الناس، خاصةً أولئك الذين مرّوا بصدمات. كما قمت بعملٍ ميداني/توعوي مع الأطفال، خصوصاً الذين يعيشون في ظروف صعبة أو مرّوا بمحن. ومن خلال ذلك العمل، رأيت بشكل مباشر كيف يمكن للفن أن يحرّك، ويهدّئ، ويوفّر مهرباً — وهو أمر بالغ الأهمية عندما تكون حياتك وظروفك قاسية جداً.

الآن، الفن موجود في كل قطاع من حياتي. إنه كيف أفهم العالم. إنها رحلتي الوجودية. إنه غايتي — سبب وجودي. إنه حياتي المهنية، وهو أيضاً ما أُظهره للعالم من نفسي. وهو أيضاً حمايتي من العالم أحياناً. وهو كيف أتعامل مع صحتي النفسية يوماً بيوم.

الفن هو المكان الذي تعيش فيه حقيقتي. الرسم مثل التنفّس. إنه كيف أنجو في عالمٍ يصبح العيش فيه صعباً جداً.

— هل كانت هناك لحظة في حياتك دعمك فيها الفن فعلاً أو ساعدك على تجاوز شيء صعب؟

— بالدرجة الأولى، أقدر أقول سنوات مراهقتي. وقتها تغيّر دور الفن في حياتي فعلاً — من شيء كنت أدرسه في المدرسة وأسويه وأنا طفلة إلى شيء ساعدني فعلياً على التكيّف مع الحياة. ساعدني في سنوات المراهقة لما تم تشخيصي بالقلق. وبدأت أعاني من الاكتئاب تقريباً في نفس الفترة، وتم وضعي على أدوية وأنا عمري 14.

كنت أقفل على نفسي في غرفتي لساعات، وأحياناً أيام، أسمع موسيقى حزينة جداً وأحس إني ما أقدر أتعامل مع فقدان السيطرة على اللي كان يصير حولي. أهلي كانوا يتطلقون، والفن عطاني قوة لما كنت أحس إني بلا قوة.

وبعدين، قبل حوالي عشر سنوات، كنت توّي طالعة من علاقة فوضوية جداً ومؤذية وفيها إساءة. كنت في مكان مظلم جداً وأعاني بشكل كبير عشان أقدر أتقدم. رحت الأردن وقضيت يومين تقريباً أرسم مع أطفال في مستشفى لاجئين تابع لـMSF. إنّي أصنع فن معهم وأشوف كيف يقدر يعطيهم حتى لحظة بسيطة من الراحة غيّر شيء في داخلي.

رجعت ومعاي منظور أوسع بكثير عن العالم. تغيّرت طريقة نظرتي للعالم، وطريقة مروري فيه، وطريقة تفكيري في اللي أسويه وليش هو مهم.

لحظات ثانية في حياتي يكون فيها الفن منقذي تصير طول الوقت. طول عمري أعاني مع هويتي. أنا مولودة وتربّيت هنا. أصلي من الهند، بس ما عمري عشت هناك. عندي جواز كندي وعشت في كندا 12 سنة. ما عمري انتميت بالكامل لثقافة وحدة أو هوية وحدة.

الفن هو المكان اللي فيه حريتي. الفن هو المكان اللي فيه قوتي. هو المكان اللي أقدر أقول لك فيه أنا منو — مو أنت تقول لي منو أنا لازم أكون. يشتغل بطرق شبه سحرية عبر كل جانب من جوانب حياتي.

image

الصورة: جيسيكا بلين سميث

— هل ساعدك صنع الفن يومًا في التعامل مع مشاعر ما كنتِ تعرفين كيف تفسّرينها؟

— لما كنت أدرس العلاج بالفن، سوّينا وايد تمارين ورّتْنا قدّيش الفن يقدر يكون مُطهِّراً ومفرِّغاً. كنت أحسب إنها بس تمارين رسم، وبعدين فجأة، خطوة بخطوة، شيء يتغيّر، وكنت أنفجر بالمشاعر.

الفن كان دايم مثل أفضل صديق لي، وفجأة صار هذا الشيء اللي يخلّيني شديدة الهشاشة. هذا كان غير متوقع تماماً. كان في كم لحظة أثناء الدورة انفجرت بالبكاء بدون ما أتوقع، بس بسبب محفزات الرسم اللي كنا نشتغل عليها.

فما أعرف إذا كان يساعدني أتعامل مع المشاعر، ولا كان فعلاً يثير مشاعر أنا أصلاً ما كنت أعرف كيف أشرحها. أتذكر إني كنت أفكر: أنا ما أعرف هالشي من وين ياي. سويت شغل علاجي كثير في حياتي، وبسذاجة كنت أقول إني أعتقد إني أفهم معظم أعماق لاوعيي، واللي هو طبعاً كلام أحمق.

نحن ما نعرف فعلاً شو المدفون في اللاوعي أو في طبقات اللاشعور الكثيرة. والفن له طريقة خاصة ياخذك لأماكن ما كنت تعرف إنها موجودة — أماكن ما كنت حتى تعرف كيف توصل لها.

— هل تغيّر فنّك مع تغيّرك كشخص؟ بأي طريقة؟

— أكيد. حتى مؤخراً كنت أرسم خريطة لرحلتي عبر الفن وكيف توازي فصول حياتي وتطوّري الشخصي. لما كنت أصغر، بعد ما كنت طالعة من كونّي طالبة فن وأتعامل مع قلق كثير، كنت أسوي اللي كنت أسميه Automatic Syndrome. كان شغل تيار وعي — تجريدي، مبني على الخربشات — ومركز جداً على العملية. كنت أحاول أكتسب شوية سيطرة على الفوضى اللي كنت أحس فيها داخلياً، واللي ما كنت أقدر أسيطر عليها خارجياً.

وبعدين كانت في حوالي سبع سنوات من الطيور. كنت أرسم طيور في ذاك الوقت لأني كنت توّي طالعة من علاقة مسيئة وكنت أحاول ألقى قوتي مرة ثانية. كان الموضوع عن إني أوقف على رجولي وأتعلم أطير من جديد.

Then we went into lockdown, and that’s when I started doing the Humans. That body of work was a journey into identity — into deciding how I wanted to represent myself, and into deconstructing and rejecting the ways society tries to define us.

From there, I moved into the body of work I now call The World Out There. I am in a place where I know who I am much better, and I feel strong in my convictions. But my struggle now is negotiating my boundaries with the outside world — whether that is politics, capitalism, or society in general — and how its structures affect how we feel every day.

So The World Out There is really about figuring out how to have autonomy in a shared space, so to speak.

I always say to people: if you really want to know who I am and how I work, you just need to look at my drawings. They have changed alongside my personality. I am more playful these days, with more humour, and that comes through in the work from time to time. It’s also more imaginative — I think my inner child is doing a lot more of the drawing these days.

Another thing I have observed about my work is that I have always been a mark-maker. I tend to work in lines — drawing lines and creating networks of them. What changes is how those lines are controlled, and that usually reflects how I am feeling.

Sometimes I make very, very clean lines. Other times, the lines are much freer — with loose strokes, charcoal, or ink. And then there are moments when I’m almost obsessed with clean lines.

I have noticed that when I am less anxious, I actually make more chaotic work because I allow myself to be freer. When I am more anxious, I tend to make very controlled, clean work. I think having control over the lines helps me feel like I have control over my anxiety, my fears, and the things that are stressing me out.

Ohida Khandakar

— Do you think art can heal people in some way?

— I strongly believe in it. Art is a medium through which one can express personal stories, fears, desires, and freedoms in a creative and honest way. The process of making art often becomes meditative; it offers space for reflection, silence, and emotional release.

Through this process, art can help heal inner conflicts and unresolved emotions. At times, it works almost therapeutically, creating a sense of calm and grounding. Art allows people to reconnect with themselves and find freedom in thought and imagination, even in difficult circumstances.

image

Khandakar Ohida at Jameel Prize: Moving Images, V&A South Kensington, 2024. Photo: Victoria and Albert Museum, London

— What place does art take in your life today?

— Art occupies a very important place in my life. Coming from a rural village in India, art once felt like a distant and sophisticated dream, something not meant for people like us. However, after completing my art education and continuing my practice, I realised that art is for everyone who wants to see the world in a slightly non-traditional way. Art is free; it is a medium of expression where anyone can articulate their thoughts, emotions, and ideas.

As an artist, my work engages with personal encounters, marginalised rural voices, women’s acts of resistance, decolonial methodologies, and non-linear narratives across social structures. Art gives me the freedom to expand these ideas and share them with the world from multiple perspectives. It allows me to question, reflect, and imagine alternative realities.

— Was there a moment in your life when art really supported you or helped you get through something difficult?

— My art practice functions like a daily ritual. Whenever this ritual is disrupted, it can create emotional difficulty. One such moment was during the COVID-19 pandemic, when exhibitions, galleries, museums, and art spaces were closed. During that time, I felt intense paranoia, as if I was losing my freedom. My daily rhythm was broken, and it felt like we were all trapped within invisible concrete walls.

Gradually, I learned how to continue my practice within the limited space of my home. While staying in my village, I began a long-term project with my uncle to create alternative museum narratives that challenge traditional ways of representing objects and artifacts. Through this process, I rebuilt my mental and emotional energy, and art once again became my foundation force.

image

Khandakar Ohida, Dream Your Museum, 2022, installation view, 12th Berlin Biennale, Akademie der Künste, Pariser Platz, 11.6.–18.9.2022

— Has creating art ever helped you deal with emotions you didn’t know how to explain?

— Yes, absolutely. Creating art has helped me deeply, especially growing up in a small village in India, where personal freedom, particularly fundamental rights, can be limited sometimes. When you are experiencing grief, trauma, or internal conflict, and you lack the language or space to express these emotions openly, art becomes a powerful tool.

Through my art practice, I found a way to express emotions, resist societal norms, and articulate experiences that were otherwise silenced. Art allowed me to transform pain and resistance into visual language, giving form to emotions that could not be explained through words alone.

— Has your art changed as you have changed as a person? In what way?

— Art did not change me as a person, but it profoundly transformed my philosophy and my way of seeing the world. Through art, our understanding of reality is shaped by how we perceive politics, society, history, and lived experience. As I continue practising art, I gain deeper awareness of contemporary social conditions and power structures. Art has taught me to look at the world through multiple lenses, to question dominant narratives, and to understand complexity with sensitivity. In this way, art has helped me grow intellectually and emotionally, allowing me to engage with the world more consciously and critically.

لانا خيّاط

— هل تعتقدين أن الفن يمكن أن يشفي الناس بطريقة ما؟

— نعم. لا أعتقد أن الفن يُصلح الأشياء أو يمحو الألم، لكنه يمنح الألم مكاناً يذهب إليه. أحياناً يكون الشفاء ببساطة أن يتم رؤيتك، حتى ولو كان ذلك من قِبلك أنتِ. الفن يصنع مساحة هادئة يمكن لشيء ثقيل أن يوجد فيها دون أحكام أو استعجال، وهذا وحده قد يكون شفاءً.

— ما المكانة التي يحتلها الفن في حياتك اليوم؟

— الفن ليس شيئاً أفعله في حياتي. إنه هو حياتي. هو الطريقة التي أتعامل بها مع العالم، وكيف أبقى متزنة، وكيف أفهم كل ما يبدو كبيراً جداً أو صامتاً جداً. عندما لا أكون أبدع، أشعر بانفصال عن نفسي.

image

— هل كانت هناك لحظة في حياتك دعمك فيها الفن فعلاً أو ساعدك على تجاوز شيء صعب؟ هل يمكنك أن تخبريني عن تلك اللحظة؟

— كانت هناك لحظات خذلتني فيها الكلمات تماماً. أوقات فقد وخوف وعدم يقين عميق، حين لم أستطع أن أشرح ما كنت أشعر به لأحد، حتى لنفسي. أصبح الرسم المكان الوحيد الذي لا أحتاج فيه إلى تفسير. كنت أستطيع فقط أن أحضر وأدع يديّ تتحدثان. ذلك الفعل وحده أبقاني أتقدم إلى الأمام.

— هل ساعدكِ صنع الفن يوماً على التعامل مع مشاعر لم تعرفي كيف تشرحينها؟

— طوال الوقت. معظم ما أُنجزه يأتي من مشاعر لا أملك لها لغة. الخيط، والتكرار، والعمل البطيء في الخياطة والرسم، يسمح لتلك الأحاسيس أن تطفو بأمان. لا أحاول أن أسميها. أتركها توجد عبر العمل.

— هل تغيّر فنكِ مع تغيّركِ كشخص؟ وبأي طريقة؟

— تماماً. أصبح عملي أبطأ، وأكثر قصداً، وأكثر صدقاً. كنت أهتم أكثر بالمظهر السطحي. الآن أهتم بالبنية، بما الذي يُمسك الأشياء معاً. ومع نموي، صار فني أقل تعلقاً بالتحكّم وأكثر بالثقة، وبالسماح للهشاشة أن تكون مرئية.