image

by Arfa Shahid

تجربة شخصية: أنا أتعلم كيف أقرأ في الثلاثينات من عمري

Image: Gemini x The Sandy Times

كبرت وأنا قارئة نَهِمة. كطفلة، كنت غالباً ألقى نفسي غارقة في عوالم إنيد بليتون، ورولد دال وهاري بوتر. لما كنا نزور باكستان في عطلة الصيف، كنت أرجع لدبي — شنطتي محشّية للآخر بكتب اشتريتها بمصروفي، وذراعي توجعني لأني قررت، بعقلانية أو لا، أحمل بعد حوالي 12 كتاب زيادة من المكتبة الصغيرة في صالة المغادرة بمطار كراتشي. وحتى عندي صورة من طفولتي وأنا ماسكة كتاب في عرس عائلي.

وعمري 9 سنوات، التقطت نسخة أخوي من Angela’s Ashes. وشو اللي فهمه عقلي الصغير وقتها، ما أذكره تماماً. لكن سرد فرانك مكورت لطفولة مُعدَمة في أيرلندا انغرس في مكان ثابت بذاكرتي. إلى اليوم، أفكّر في الحي المبلّل بالمطر اللي وصفه — مكان ما قد شفته من قبل، وحياة مختلفة تماماً عن حياتي — مُجسَّد بوضوح لدرجة إني تقريباً أصدّق إني عشت هناك بعد. هذا الكتاب (الحاصل على جائزة بوليتزر) رافقني إلى سن الرشد.

كنت أقرأ أي شيء وكل شيء. بحسب مزاجي ونزواتي، كنت أتخيّل نفسي مثقفة عظيمة، أتمسّك بباولو كويلو بجدية كانت تبدو عميقة وقتها؛ فلسفات غريبة وأفكار باطنية ساعدتني أفهم قلق المراهقة، أو على الأقل أعطيه قيمة. وعلى مضض قرأت برونتي، واجباً بفضل المدرسة الخاصة اللي درست فيها. وابتلعت سيراً ذاتية فضولية لأميرات عربيات «أنقذتهن» نسويات غربيات، قصص زرعت أسئلة مبكرة عندي عن القوة، وعدم المساواة بين الجنسين، ومن له الحق يروي قصة من. قرأت عن جرائم قتل الشرف وإبادات عرقية، سرديات شكّلت لاحقاً رغبتي في أن أصبح صحافية.

ومهما كان الكلام مبتذلاً، الكتب عطتني دخولاً لعوالم وطرق عيش ما كانت الحياة تسمح لي أكتشفها فعلياً بعد.

ومع ذلك. في مكان ما على الطريق، تغيّرت القراءة.

أو بالأحرى، أنا اللي تغيّرت.

image

الصورة: Gemini x The Sandy Times

لما دخلت الجامعة في 2010، كانت وسائل التواصل الاجتماعي في بداياتها. إنستغرام كان للتو انطلق، وظهرت مسارات جديدة للتعبير عن الذات، تعيد — ببطء لكن بإصرار — تشكيل كيف ننتبه للعالم. ومع تشدد قبضة الحياة الأكاديمية، صارت القراءة لها هدف، استخراجية. عشان الناس ياخذونك بجد، لازم تقرأ غير روائي. لازم تعرف حقائق، وسياق، وتبعات واقعية.

القراءة للمتعة انسحبت بهدوء للوراء. والمفارقة إني كنت محاطة بنصوص أكثر من أي وقت. صار الخيال ترفاً، شيء ترجع له بعد ما تكسب مصداقيتك «الفكرية». شو ممكن تعلمني رواية ما تقدر تعلمنيه دراسة حالة أو تحقيق طويل؟

أشياء كثيرة، على ما يبدو.

خيال أم لا خيال

بطريقة ما، صرنا كمجتمع نتعامل مع غير الخيال كأنه الخيار الأفضل، كأن الكتب اللي تعلّم أو توثّق هي وحدها اللي تستاهل. وهنا أعتقد إن «تفكيرنة» القراءة تبدأ تقتل الفضول — مو لأن التفكير العميق شيء سيئ، لكن لأن القراءة تصير استعراضية.

للتوضيح، غير الخيال مهم جداً. يعلّمنا عن ماضينا كبشر. يعطي لغة للظلم ودليلاً على وجودنا. لكن لما يصير غير الخيال هو الشكل الوحيد «الشرعي» للقراءة، يضيع شيء أساسي. الخيال يسوي شيء غير الخيال كثيراً ما ما يقدر يسويه: يدربك إنك تجلس مع الالتباس. إنك تسكن عقل شخص آخر بدون ما تصنّفه فوراً. إنك تفهم العالم مو كبيانات، بل كنسيج معيش — متناقض، عاطفي، وغير محسوم. ويعلّمك التعاطف.

ومن بعدها أدركت إن ابتعادي عن الكتب ما كان فشلاً شخصياً في الانضباط أو الذائقة. القراءة وقفت تكون ممتعة لما صارت عرضاً — لما رُفع غير الخيال كخيار «جدي» وتم تهميش الخيال كخيار اختياري. ضغط «تفكيرنة» كل صفحة خلّى الفضول يبدو مخاطرة، والدهشة ترفاً. وزاد التجربة تعقيداً وجود فجوات بنيوية: كانوا يتوقعون منا نخلص كتب، لكن ما علمونا كيف نتفاعل معها. ما علمونا كيف نجلس مع الحيرة، أو نجادل النص، أو نرجع لجملة ونسمح لها تغيّرنا.

image

الصورة: Gemini x The Sandy Times

بدل هذا، كان لازم نحفظ سطور ونكرر «اقتباسات مهمة». الأدب رقصة معنى بين صوت الكاتب وعقل القارئ. في المدرسة، كان تقييم على اللغة، والأساليب الأدبية، والموضوعات اللي لازم «تطلع فيها».

الشيء الوحيد اللي «طلعت فيه» هو إن القراءة كانت وحيدة، محددة بوقت، وتقييم لقدرتك الأكاديمية.

ما كان فيه ثقافة قراءة واضحة، ولا فرح مشترك حول الكتب. ومع استقرار سن الرشد، صار الوقت نادر. بين فترة وفترة، كنت أمسك تكملة كتاب لبودكاست صار ترند وألتهمه في يوم. سرديات تحقيقية عن نساء قُتلن باسم الشرف، أو فضائح عن العالم السري لأضرحة الصوفية، كانت تثير اهتمامي على فترات. وبنفس القدر، كنت أتأثر برؤية كاميلا شمسي وأروندهاتي روي لهوية ما بعد الاستعمار. لكن القراءة صارت متقطعة؛ قوية، ثم غائبة.

وأجد هذا لافتاً، لأني كبرت في بيت يقرأ. أخوي كان دودة كتب هادئة. أختي ما كانت تقدر تهضم وجبة بدون كتاب يصاحبها وقت الأكل. أمي كانت تقرأ أكثر من أي امرأة أعرفها وقتها، ومكتبتها الشخصية كانت نصباً هادئاً لعظماء الأدب الأردي: العلامة إقبال، فيض أحمد فيض، حبيب جالب. الكتب كانت موجودة بكل مكان حولي، ومع ذلك ما كنت أعرف كيف أصنع منها معنى.

حين يتدخل النظام

هنا يظهر دور أنظمة التعليم. عشان نربي جيلاً من القرّاء، لازم المدارس تعلّم القراءة كممارسة: بطيئة، حوارية، وغير مكتملة. مو بس وش يعني النص، بل كيف نتعامل معه. بدون هذا، كثير من الناس ما يفقدون حب القراءة بس؛ هم ببساطة ما يتعلمون كيف يحافظون عليه.

الجدل حول مدى الانتباه وسياسات مثل حظر أستراليا لوسائل التواصل الاجتماعي على صغار السن محتدم جداً. والمفارقة إن نفس المنصات المتهمة بإضعاف الانتباه هي اللي رجعتني للقراءة. كانت وسائل التواصل الاجتماعي هي اللي ساعدتني ألقى طريقي من جديد للقراءة للمتعة. ترشيحات الكتب، والحواشي اللي تُنشر علناً، وغرباء مهووسين جماعياً بالشخصيات والحبكات خلّوا القراءة شيء أكبر بكثير: مجتمع.

image

الصورة: Gemini x The Sandy Times

قدّمت دولة الإمارات جهوداً ملموسة لترسيخ ثقافة القراءة عبر مبادرات وطنية للقراءة، وحملات عامة، ومهرجانات أدبية، وبناء المكتبات. وتكتسب هذه الجهود أهميتها في الهدف الأوسع المتمثل في صناعة ثقافة قراءة، وهي ثقافة لا تقوم على الإتاحة وحدها، بل على المشاركة الجماعية.

فكيف تتعلّم القراءة؟

القراءة اليوم شكلٌ من أشكال المقاومة الهادئة. تطلب منا شيئاً جذرياً: انتباهاً ممتداً. في عالمٍ يكافئ السرعة، أصبحت القراءة واحدة من المساحات القليلة المتبقية التي تسمح بالتمهّل بلا اعتذار. إنها تمنح عودة قصيرة إلى طريقة عيشٍ تناظرية. وبصفتي شخصاً بالغاً، لاحظت كلفة تهميش القراءة. في العمل، كنت أستطيع صياغة الكلمات، وحشد الحقائق، والتنفيذ بدقة، ومع ذلك بدأت ألاحظ حدود منظوري الشخصي.

تعلّمت أن عدم القراءة ليس فشلاً أخلاقياً. لكن إيجاد طريق العودة مسؤولية. ثغراتنا المعرفية ليست دائماً خطأنا، لكنها مسؤوليتنا نحن. لا نظام، ولا مهرجان، ولا خوارزمية يمكنها أن تقوم بهذا العمل نيابةً عنا.

لقد بدأت أقرأ مجدداً، أدوّن ملاحظات وأكتب أسئلة على هوامش كتبي. هذا يُبقيني على اتصال حين يهدد ذهني بالشرود. صرت الآن أرتّب قائمة قراءاتي بصدقٍ لم أسمح لنفسي به من قبل. يجلس «فرانكنشتاين» و«آنا كارينينا» إلى جانب قصص معجبين مطبوعة ذاتياً وتوصيات «الأكاديميا المظلمة» الرائجة من BookTok. قائمة TBR (قائمة ما سأقرأه، لمن لا يحبون الاختصارات في البرّية) غير إقصائية تماماً، تحرّكها قاعدة واحدة بسيطة: الفضول قبل التظاهر بالمثقف.

يقال إن الكتب لديها طريقة في أن تعثر عليك في الوقت المناسب. أو لعلنا نصل إليها أخيراً بوصفنا الأشخاص الذين نحتاج أن نكونهم كي نتلقاها.

وها أنا هنا، في الثلاثينات من عمري، أتعلّم كيف أقرأ.