image

by Alexandra Mansilla

صعود المجتمعات متعددة الاستخدامات في مدن الخليج

Photo: Kate Trysh

إذا كنت تعيش في مدينة خليجية، فأنت تعرف هذا الروتين جيداً: تغادر المنزل، تركب السيارة، تشتري قهوتك، تقود إلى العمل، ثم إلى مكان آخر لتناول الغداء، وربما تتجه إلى النادي الرياضي بعد ذلك، ثم إلى العشاء، ثم تعود إلى البيت. بطريقة ما، يبدو أن نصف اليوم يضيع بين التنقلات والترتيبات.

في دبي والرياض، باتت مجتمعات خليجية أكثر متعددة الاستخدامات تُصمَّم حول نسخة أبسط بكثير من الحياة في المدينة: منازل ومكاتب ومقاهٍ ومطاعم ومتاجر وحدائق ومساحات ثقافية، كلّها أقرب إلى بعضها بعضاً.

ببساطة، تنقّل أقل بين كل جزء من يومك.

لماذا نرى المشاريع متعددة الاستخدامات في كل مكان فجأة؟

في الحقيقة، مفهوم تعدد الاستخدامات ليس جديداً تماماً. لطالما ضمّت المدن أشخاصاً يعيشون فوق المتاجر، ويعملون على بُعد زاوية، ويتناولون الطعام في الطابق السفلي. ما يتغيّر اليوم هو الحجم. فالكثير من مشاريع التطوير الحضري الحالية في الخليج باتت تنطلق من فكرة أن الحي لا ينبغي أن يؤدي وظيفة واحدة فقط.

فعلى سبيل المثال، تتحدث خطة دبي الحضرية 2040 عن «مدينة العشرين دقيقة»: أي أن تكون كثير من احتياجاتك اليومية في متناولك من دون أن تضطر إلى عبور نصف المدينة. فكرة منطقية، أليس كذلك؟

كلما كبرت المدينة، قلّت رغبتنا في قضاء 30 دقيقة على الطريق لمجرد إنجاز أمر بسيط جداً.

دبي تفعل ذلك بالفعل

ربما يُعدّ سيتي ووك أحد أوضح أمثلة المشاريع متعددة الاستخدامات في الإمارات: يمكنك أن تسكن فيه، وتتناول قهوتك في الطابق السفلي، وتلتقي بأحدهم على الغداء، وتتسوق، وتتمشى، ثم تتناول العشاء — كل ذلك من دون أن تغادر الحي.

نعم، يحب المطوّرون عبارة «عِش، اعمل، استمتع» إلى حدّ أننا على الأرجح صادفناها أكثر مما ينبغي. لكن ثمة سببًا يجعلها تعود مرارًا. فعندما تجتمع أنشطة مختلفة في المكان نفسه، لا يعود الحي مجرد وجهة، بل يبدو أقرب إلى مكان يعيش فيه الناس فعلًا.

لكن سيتي ووك ليس المثال الوحيد بالتأكيد. فدبي هيلز إستيت تنقل الفكرة إلى نطاق أوسع بكثير، إذ تجمع بين المساكن والمدارس وحديقة ضخمة ومتاجر ومرافق رياضية وأكثر من 50 كيلومترًا من مسارات الدراجات. وهناك أيضًا دبي كريك هاربور، حيث تتجاور الشقق والفنادق مع المطاعم والمتاجر والواجهات المائية والحدائق، ومعها، على نحو متزايد، المرافق اليومية التي تحتاج إليها لتعيش هناك فعلًا — لا لتزوره من أجل الإطلالة فحسب.

هل يمكن لمدن الخليج أن تصبح صديقة للمشاة؟

حسنًا، الصيف هنا واقع لا يمكن تجاهله. لذلك، حين يدور الحديث عن مجتمعات صديقة للمشاة في الإمارات، لا يكفي ببساطة إضافة رصيف ثم انتظار النتائج. هنا، يجب أن تعني قابلية المشي وجود الظل، والمسارات المغطاة، والأشجار، والتبريد، وتقارب المسافات بين المباني، والأهم من ذلك، مكان يستحق أن تمشي إليه. فمن الناحية التقنية، نعم، يمكنك أن تمشي بمحاذاة طريق من ست حارات. لكن لا أحد يحلم بذلك.

وهنا تكمن فرادة النسخة الخليجية من قابلية المشي. فالأمر لا يتعلق حقًا بنسخ أمستردام أو كوبنهاغن، بل بفهم الشكل الواقعي الذي يمكن أن يتخذه المشي هنا.

image

الصورة: بولينا كوزوفكوفا

الرياض تفعل الأمر نفسه، ولكن بطريقتها الخاصة

يُعد KAFD مثالاً جيداً على ذلك. فما بدأ كحيّ مالي بات اليوم يجمع بين المكاتب والمساكن والمطاعم والمتاجر والترفيه، ضمن فكرة تقوم على أن تمضي مساحة أكبر من اليوم في مكان واحد. بل يضم أيضاً ممرات علوية مكيّفة تربط بين المباني، وهو ما يبدو، بصراحة، حلاً رياضياً بامتياز لمشكلة رياضية بامتياز.

ثم تأتي الدرعية لتُثبت أن المجتمعات متعددة الاستخدامات في السعودية لا تحتاج دائماً إلى مظهر مستقبلي. هنا، يجتمع السكن والفنادق والمكاتب والمتاجر والمساحات الثقافية ضمن إطار يستلهم العمارة النجدية والمشهد التاريخي. يختلف الشكل تماماً، لكن الفكرة واحدة: تقليل الأسباب التي تدفع المرء إلى مغادرة الحي كلما احتاج إلى شيء.

ولماذا يهمّ كل ذلك؟

الإجابة البديهية هي الراحة. حين يكون السوبرماركت أسفل المبنى، والمقهى على بعد زاوية، والنادي الرياضي على مسافة عشر دقائق سيراً، تصبح الحياة ببساطة أسهل. لكن مزايا الأحياء متعددة الاستخدامات تتجاوز ذلك بقليل.

لنتأمل منطقة أعمال: تعجّ بالحركة خلال ساعات الدوام، ثم تخلو فجأة. ولنتأمل منطقة سكنية بحتة: يغادر الناس صباحاً ويعودون ليلاً. حين تمتزج هذه العناصر معاً، يصبح المشهد مختلفاً: شخص يتجه إلى عمله، وآخر يتمشى مع كلبه، وناس يجلسون في الخارج يحتسون القهوة، وأطفال في الحديقة، ومطاعم تمتلئ لاحقاً. عندها يكتسب الحي حياة تتجاوز غرضاً واحداً محدداً.

وتبدأ أيضاً بملاحظة تفاصيل أكثر. عندما تتنقل في المدينة غالباً بالسيارة، فأنت تعرف وجهتك فقط. أما حين تمشي، فتنتبه إلى ما يقع بين نقطة وأخرى: المخبز الذي لم تلحظه من قبل، والحديقة الصغيرة، والمقهى الذي افتُتح الأسبوع الماضي، والجار الذي يبدو أن كلبه يلتزم بالجدول نفسه تماماً مثل كلبك. من هنا يبدأ المكان بأن يبدو أقل كمشروع عقاري، وأكثر كحي حقيقي.

لا، السيارة لن تختفي

لنكن واقعيين: دبي والرياض لن تتحولا قريباً إلى مدينتين بلا سيارات. المسافات شاسعة، والطقس كما نعرفه، وكلتا المدينتين بُنيتا حول السيارة لفترة طويلة. لكن مستقبل المشاريع متعددة الاستخدامات في دول مجلس التعاون الخليجي لا يعتمد فعلاً على الاستغناء عن السيارة، بل على ألا تحتاج إليها في كل مرة تخرج فيها من باب منزلك.

قد تظل تقود إلى العمل، لكن ربما يمكنك المشي إلى العشاء. وقد تعبر المدينة لرؤية أصدقائك، بينما تكون مشترياتك اليومية وناديك الرياضي وقهوتك على بُعد خمس دقائق. ولعل هذا ما يفسر نمو المجتمعات متعددة الاستخدامات في الخليج حالياً: فمع اتساع المدن، يصبح وجود قدر أكبر من حياتك بالقرب من منزلك رفاهية بحد ذاته.

وبصراحة، قضاء وقت أقل في السيارة لا يبدو أمراً سيئاً أيضاً.