image

by Alexandra Mansilla

من أشجار الزيتون إلى الحكايات الشعبية: فنانون فلسطينيون يستكشفون التراث

يمكن للتراث الفلسطيني أن يتجلّى في الفن بطرق شديدة التنوّع. أحياناً يكون واضحاً من النظرة الأولى: شجرة زيتون، أو ثوب مطرّز، أو بيت حجري. وأحياناً يختبئ في نمط هندسي، أو حكاية قديمة، أو في ذكرى نبعٍ كان يجمع قرية بأكملها. يقترب هؤلاء الفنانون الفلسطينيون الخمسة من التراث من زوايا مختلفة جداً، لكن الماضي بالنسبة إلى كل واحد منهم ليس شيئاً منتهياً، بل حضور حيّ يُحمَل إلى الحاضر.

سليمان منصور

يبدو البدء بسليمان منصور أمراً بالغ الأهمية. فقد رحل الفنان الفلسطيني، الذي أسهمت أعماله في صياغة اللغة البصرية للفن الفلسطيني الحديث على مدى أكثر من خمسة عقود، في 24 أغسطس 2026 عن عمر 79 عاماً. وأصبح فنه جزءاً عميقاً من الطريقة التي تُرى بها فلسطين وتُستعاد في الذاكرة وتُمثَّل بصرياً.

طوال مسيرته، كان منصور يعود إلى المشاهد والرموز التي أحاطت به: أشجار الزيتون، وبساتين البرتقال، والقدس، والمصاطب الحجرية، والنساء بالثياب التقليدية المطرّزة. غير أن هذه العناصر لم تكن يوماً مجرد تفاصيل جميلة تصلح للمشهد؛ ففي أعماله حملت معاني الأرض والذاكرة والتهجير والانتماء.

خلال الانتفاضة الأولى، شارك منصور في تأسيس جماعة رؤى جديدة وبدأ العمل بخامات محلية المصدر، مثل الطين والحناء، بدلاً من الخامات الفنية التقليدية. جعل ذلك الصلة بين الفن والأرض شبه ملموسة.

يبدو عمله غير قابل للفصل عن التراث الفلسطيني. لم يكتفِ منصور بتوثيق رموزه؛ بل ساهم، على مدى عقود، في تحويلها إلى لغة بصرية معروفة على نطاق يتجاوز فلسطين بكثير.

نبيل عناني

أمضى نبيل عناني أكثر من خمسة عقود وهو يتأمل فلسطين — حرفياً تقريباً. وُلد في اللطرون عام 1943، ودرس الفنون الجميلة في جامعة الإسكندرية قبل أن يعود إلى فلسطين عام 1969، حيث أصبح فناناً ومربياً وأحد الأسماء المحورية في تطور الفن الفلسطيني المعاصر.

image
image
image

نبيل عناني، عبوين (2020)، سلواد (2025)، بساتين الزيتون رقم 1 (2019). المصدر: artsy.net؛ غاليري زاوية

غالباً ما تمتلئ لوحاته بتفاصيل تبدو يومية عن قصد: تلال وقرى وبيوت حجرية وعائلات ونساء بفساتين مطرّزة، وأناس يحصدون أو يجتمعون معاً. وهذه السمة اليومية بالذات جوهرية في عمله؛ فبدلاً من التعامل مع التراث كشيء محفوظ خلف الزجاج، يرسمه عناني كواقع يعيشه الناس فعلاً.

وتُعدّ الطبيعة الفلسطينية أحد أكثر موضوعاته حضوراً واستمراراً. فكتابه الأرض وأنا، على سبيل المثال، يجمع أكثر من 180 عملاً أُنجزت منذ سبعينيات القرن الماضي وما بعدها، ليشكّل ما يصفه المتحف الفلسطيني بأنه سجل بصري لمشهد طبيعي يمرّ بتحوّلات هائلة.

جمانة إميل عبود

تأخذنا جمانة إميل عبود إلى فضاء مختلف تماماً: إلى عالم الحكايات.

وُلدت عبود عام 1971، ونشأت بين الجليل وكندا قبل أن تعود إلى القدس في مطلع شبابها. تتنوّع ممارستها بين الرسم والأداء والفيديو والتركيب والنص، غير أن كثيراً من أعمالها يبدأ من الحكايات الشعبية الفلسطينية والسير الشفوية، ولا سيما تلك المرتبطة بالمشهد الطبيعي.

وقد شغلتها المياه على نحو خاص: الآبار والأنهار والينابيع الطبيعية، وما كان الناس ينسجونه حولها من حكايات. وعلى امتداد بحثها الطويل، تناولت التقاليد الفلسطينية المرتبطة بمصادر المياه المسكونة أو المسحورة، بما في ذلك قصص الأرواح والكائنات الخارقة المتصلة بينابيع بعينها. بالنسبة إلى عبود، ليست هذه مجرد أساطير قديمة آسرة؛ فالحكايات وسيلة لرسم خريطة المكان، ونقل المعرفة بين الأجيال، واستعادة ذاكرة مشاهد طبيعية تغيّرت أو بات الوصول إليها متعذّراً.

وهذا ما يجعل أعمالها مثالًا لافتًا على التراث الذي لا يكون بالضرورة شيئًا ماديًا. فأحيانًا، ما يبقى هو حكاية يتذكرها أحدهم، ثم يرويها من جديد.

كمال بلاطة

للوهلة الأولى، قد تبدو أعمال كمال بلاطة استثناءً ضمن هذه القائمة. فلا نرى فيها بساتين زيتون واضحة ولا مشاهد قروية. بل نجد مربعات وألوانًا وحروفًا عربية وتكوينات هندسية معقدة.

وُلد بلاطة في القدس عام 1942، ونشأ في البلدة القديمة، ثم قضى جزءًا كبيرًا من حياته البالغة خارج فلسطين بعدما تعذّرت عليه العودة عقب حرب 1967. ومع ذلك، ظلّت القدس ركيزة أساسية في أعماله. فالخط العربي والزخارف الهندسية التي كان يراها في طفولته حول قبة الصخرة ستتسلل لاحقًا إلى لغة فنية خاصة به تمامًا.

image
image
image

كمال بلاطة، نور الله (1982)، نون والقلم (1983)، عاشق من فلسطين (1970)

كثيرًا ما أدخل بلاطة الكلمات العربية في صيغ كوفية ذات زوايا حادة، محوّلًا الكتابة إلى تجريد. وعند التمعّن أكثر في تركيباته الهندسية، تظهر صلة أخرى: فبُناها قد تستدعي أيضًا أنماط التطريز الفلسطيني التقليدي. وقد جمع هذه الإحالات مع التجريد الحديث، بدلًا من إعادة إنتاج الزخارف التاريخية بحرفيتها.

ولعل هذا هو الجانب الأشد إثارة في علاقته بالتراث: ليس ضروريًا دائمًا أن ترسم الماضي كي يكون حاضرًا. أحيانًا يبقى حيًا في طريقة رسم خط، أو بناء كلمة، أو تكرار نمط.