image

by Barbara Yakimchuk

داخل «كائنات هشة»: كل ما تحتاج إلى معرفته قبل الزيارة

قبل أسبوع، أعلنت تشكيل افتتاح معرض «كائنات هشّة»، وهو أول معرض فردي للفنان والمعماري الكويتي حمد المزيني. يستمر المعرض حتى 11 أكتوبر، ويروي حكاية بلده الكويت — لكن لا تتوقعوا استكشافاً واسعاً للمدينة. فهو يلتفت بدلاً من ذلك إلى التفاصيل الصغيرة التي يسهل التغاضي عنها، وتلك التي نمرّ بجوارها عادةً من دون أن ننتبه إليها.

فكيف وُلد معرض «كائنات هشّة»؟ وما صلة هذه الأشياء التي تبدو عادية بالكويت؟ وأيّها يستحق وقفة أطول كي نفهمه حقاً؟

جُلنا في المعرض برفقة حمد نفسه لنعرف الإجابة.

image

ما فكرة المعرض؟

إذا عدنا إلى وصف المعرض، نجد أن فكرة كائنات هشة تقوم على الملاحظة وطبيعة تشكّل المكان في مدينة الكويت. قد يبدو الأمر مربكاً بعض الشيء؟ لا بأس — دعوني أوضح.

أمضى حمد سنوات بعيداً عن الكويت، درس خلالها العمارة في جامعة جنوب كاليفورنيا، ثم حصل على ماجستير في التصميم المعماري المتقدم من جامعة كولومبيا. وفي عام 2021، عاد إلى وطنه. هناك، في مدينة الكويت، بدأ يمشي لمسافات طويلة، منتبهاً أكثر إلى التفاصيل العادية التي يمر معظمنا بجانبها من دون التفات — أشياء تبدو كأنها لا تنتمي حقاً إلى مكان محدد، بل كإضافات ملحقة بالمشهد لا جزءاً أصيلاً منه: حاويات القمامة، والأعمدة القصيرة على الأرصفة، وجداول التنظيف المعلّقة في دورات المياه العامة، وحتى كاشطات تنظيف النوافذ.

لكن أكثر ما استوقفه كان اللحظات التي تكف فيها هذه الأنظمة اليومية عن أداء وظيفتها كما ينبغي. فقد يُقتلع عمود قصير من الأرض بعد حادث، أو تنكسر حاوية صُممت لتُعلّق على عمود فتستقر بجانبه، أو يبقى قفاز منسي على الرصيف.

ما بدا لي في البداية محيّراً — بل ومزعجاً أو معطّلاً أحياناً — تحوّل إلى نافذة على شيء عميق وملهم. بدأت أرى المدينة ككيان يتشكّل باستمرار على يد من يعيشون فيها. حتى أكثر المشاهد عادية يمكن أن تكشف حكايات صغيرة عن الطريقة التي يعمل بها المكان فعلياً — من يستخدمه، وكيف يغيّرونه، وكيف تمنح كل تلك الأفعال المدينة شخصيتها بمرور الوقت.
— حمد المزيني

حين سنحت فرصة تطوير المشروع عبر برنامج الممارسة النقدية لدى تشكيل، أخذت تلك الملاحظات تتبلور تدريجياً في كائنات هشّة. وبدلاً من الاكتفاء بتوثيق ما رآه، بدأ حمد يحوّل هذه اللحظات العابرة إلى شيء يمكن للجمهور أن يكتشفه بمحض المصادفة.

وهذا الإحساس بالاكتشاف هو تحديداً ما يمنح المعرض نبضه. عند دخول قاعة العرض، يلحظ الزائر قطعاً خزفية صغيرة متناثرة على الجدران، وومضات لونية تتنافس على خطف الانتباه، وأعمالاً تظهر في أماكن لا تخطر على البال. لا بد من البحث عنها فعلاً — تماماً كما كان على حمد أن يتعلم كيف يفتّش عن المعنى في المدينة نفسها.

image

هذا المعرض يحتاج إلى تمهيد. ابدأوا من عام 1951

فما علاقة عام 1951 بكل ذلك؟ كان ذلك العام نقطة تحوّل في تشكّل مدينة الكويت الحديثة، وبدايةً لكثير من الأنظمة الحضرية التي يتأملها حمد اليوم.

في عام 1951، ومع التسارع الكبير في عائدات النفط وما أحدثته من تغيير في البلاد، كلّفت الكويت بإعداد أول مخطط رئيسي للمدينة الحديثة. بدأت مدينة الكويت تتبدّل بسرعة لافتة: ظهرت طرق وشوارع سريعة جديدة، وقُسّمت المدينة إلى مناطق بحسب وظائفها، وبدأ تنظيم الفضاء العام وفق منطق تخطيطي جديد. لكن إلى جانب هذه التحولات الكبرى، حدثت تغييرات أصغر حجماً. فالطرق الجديدة احتاجت إلى أعمدة إنارة، وأرصفة، وعلامات مرورية، وحواجز، وعدد لا يحصى من عناصر البنية التحتية — وهي في كثير منها الأشياء نفسها التي يصوّرها حمد ويدرسها اليوم.

وهنا يكمن التباين في صميم عمله: المدينة كما خُطط لها في مقابل المدينة كما صارت فعلاً. ففي النهاية، لا تبقى أي مدينة مطابقة تماماً لما صُممت عليه؛ إذ لا بد أن يعيد سكانها تشكيلها مع الوقت.

الوسائط التي يعمل بها الفنان

يلمح حمد شيئاً في المدينة — عمود حماية مكسوراً، أو حاوية موضوعة في مكان غريب، أو تفصيلاً قد يمرّ معظمنا بجانبه من دون انتباه. ماذا يحدث له بعد ذلك؟ وكيف تتحوّل ملاحظة عابرة إلى عمل معلّق على جدار صالة عرض؟

بالنسبة إلى حمد، قد تتخذ هذه الملاحظة أشكالاً عدة: صورة فوتوغرافية، أو رسماً تخطيطياً، أو رسماً بالغرافيت، أو منحوتة. والاختيار هنا ليس عشوائياً؛ فكل وسيط يتيح له التعامل بطريقة مختلفة مع ما رآه في البداية.

1. التصوير الفوتوغرافي — الأسرع

تسير في المدينة، فيلفت شيء ما نظرك، فتلتقط له صورة — غالباً قبل أن تفهم تماماً لماذا يهمّك. يصف حمد التصوير الفوتوغرافي بأنه وسيطه الذي «لا يترك مجالاً للأعذار»: فلا حاجة لأن تعرف ما تريد قوله، ولا إلى ما قد تصبح عليه الصورة لاحقاً. في البداية، يكفي أن تلتقط الملاحظة كما هي.

2. دفتر الاسكتشات — حيث يبدأ التنقيب

لاحقاً، حين يعود حمد إلى تلك الصور، تبدأ الأنماط بالظهور: أشياء متشابهة، أو عناصر بنية تحتية تتكرر، أو سلوكيات بعينها. عندها يبدأ البحث. يرسم، ويكتب، ويبحث، ويترك تفصيلاً واحداً يقوده إلى آخر.

كيف يحدث ذلك عملياً؟ لنأخذ ممسحة نوافذ عادية. قد تقوده إلى براءة اختراع لإيتوري تعود إلى ثلاثينيات القرن الماضي، ثم إلى تخيّل «ممسحة مضادة»، وصولاً إلى مقارنة بين حركتها والخطوط الممشطة في حديقة صخرية يابانية. لا توجد وجهة محددة سلفاً — فالفكرة ببساطة هي تتبّع المسار الذي تفتحه الملاحظة الأولى.

image

3. الرسم — حيث يتباطأ كل شيء

ليست كل اسكتشات حمد تبقى في دفتر الرسم. فبعضها يبدأ في لفت الانتباه، ومن هناك يطوّره حمد إلى رسومات مكتملة بالغرافيت.

هذا الانتقال يغيّر طريقة نظره إلى الملاحظة الأصلية. فما التقطه في لحظة عابرة في الشارع، يعود إليه الآن بإيقاع أبطأ وبقصدية أكبر، ليبنيه طبقة فوق أخرى. يختفي السياق المحيط، تاركاً لغرض أو مشهد عادي أن يستحوذ على انتباهك وحده.

4. النحت — حين يتغيّر الشيء نفسه

ثم يأتي النحت. تخيّل حافة رصيف: ثقيلة، صلبة، ومثبتة في الأرض. والآن تخيّل الحافة نفسها مصنوعة من مادة خفيفة للغاية ومعلّقة على جدار معرض.

هنا يبدأ حمد باللعب على ما نظن أننا نعرفه عن الأشياء المألوفة. يغيّر مادتها أو وزنها أو لونها، لكنه يُبقي منها ما يكفي لنتعرّف إليها. والسؤال بسيط: إذا بدا شيء ما مطابقاً تماماً لغرض نعرفه، فهل نظل نتوقع منه أن يتصرف مثله؟

image

ما وراء الأشياء

لا شك أن الفكرة التي يقوم عليها معرض فردي مهمة؛ الفكرة الكبرى، والسردية الواسعة، وكل ما يتصل بذلك. لكن ما تعلمته من سنوات قضيتها متنقلاً بين صالات العرض هو أنك، ما إن تقف فعلاً داخل القاعة، حتى لا يعود المفهوم العام هو أكثر ما تتوق إلى معرفته.

ما تبحث عنه حقاً هو الحكايات الكامنة خلف التفاصيل الصغيرة: لماذا هذا الشيء تحديداً؟ ولماذا وُضع هنا؟ وما أهميته أصلاً؟ لذلك توجهنا مباشرة إلى حمد بحثاً عن الإجابات.

— تنظّم الأعمال ضمن ثلاث مجموعات: الموضوعات، والمواقف، والمحاكاة. ما الذي يتغير ونحن ننتقل من واحدة إلى الأخرى؟

— تنظر الموضوعات إلى عناصر من البنية التحتية لم تعد تؤدي وظيفتها كما صُممت لها تماماً. خذ حاوية النفايات مثالاً: فقد صُممت هذه الحاويات لتُعلّق على أعمدة في موقف سيارات، لكن بعضها انفصل. قد تجد إحداها مسنودة إلى العمود، وأخرى موضوعة على الأرض وقد انفصل غطاؤها عنها. ما يهمني هنا أن ثمة شخصاً ما لا يزال مضطراً إلى إعادة تلك الحاوية المفكوكة وإسنادها إلى العمود. لقد تعطّل النظام الأصلي، لكن نشأ حوله نمط جديد من السلوك.

image
image
image

مواقف يستلهم ملاحظات من المدينة وينتزعها من سياقها. فالموقف رقم 7، على سبيل المثال، مأخوذ من صفّ من الأعمدة الحاجزة بالقرب من منزلي في الكويت. لم تعد هذه الأعمدة مثبّتة في الخرسانة، لكنها بقيت في مكانها لسنوات. كما رأيت أعمدة مشابهة يُعاد استخدامها تقريباً كأقماع مرورية لإغلاق مداخل السيارات. لقد فقدت وظيفتها الأصلية، لكن ذلك لا يعني بالضرورة أنها أصبحت بلا فائدة.

image

ثم إنّ عمل محاكاة يتلاعب بمواد الأشياء المألوفة وألوانها وما تستدعيه من دلالات. حوافّ الأرصفة الملوّنة، على سبيل المثال، يبدو كشيء صلب وثقيل، لكنه في الواقع مصنوع من ورق الحمّام ومعجون الفواصل وغراء Elmer’s. ما يشغلني هو ما إذا كان لون الشيء وشكله قادرين على أن يوحيا لنا بالوزن، حتى عندما يكون الشيء نفسه خفيفاً للغاية.

— أي عمل في المعرض قد يبدو للوهلة الأولى الأكثر بساطة، لكنه في الحقيقة يحتاج إلى أكبر قدر من السياق لفهمه؟

كوب من الستايروفوم وكيس شاي. قد يبدوان بسيطين جداً في البداية، لكنهما يلمحان إلى شخص تواصلت معه لسنوات طويلة — حارس أمن في موقف سيارات أذهب إليه يومياً. ويشير العملان النحتيان إلى عادته في شرب الشاي.

ثمة أعمال أخرى مرتبطة به أيضاً: ساعة، وسيجارة، وخاتم زواج و«حارس الأمن». مجتمعةً، تُظهر هذه الأعمال كيف أصبح هو، لا العمارة المحيطة به وحدها، جزءاً مما يمنح ذلك المكان طابعه الخاص.

image
image

— أيّ عمل في المعرض يبدو لك الأكثر حميمية وانكشافًا، ولماذا؟

— أقول إنّها جميعًا حميمية ومنكشفة بالقدر نفسه، لكن عملين يحضران في ذهني لأسباب مختلفة.

صندوق الكهرباء كان أول عمل طوّرته، ثم تفرّع عنه لاحقًا أربعة أعمال أخرى ضمن سلسلة «الموضوعات». ولم أدرك إلا بعد إنجازه كم تسلّل إليه من خلفيتي المعمارية. فقد اشتغلت كثيرًا على البناء مسبق الصنع والنمطي، وفجأة صرت أرى تلك الخبرات تعود إلى السطح في الطريقة التي أعدت بها قراءة شيء عادي إلى هذا الحد.

الوضع رقم 2 له طابع شخصي لسبب مختلف تمامًا. بدأ في الواقع بملاحظة من صديق مقرّب؛ إذ كان في إحدى الجمعيات التعاونية يشتري قهوة حين لاحظ أن القضبان المخصّصة عادة لعربات التسوق قد سُدّت بعمودين بدا أنهما ثُنيا عمدًا.

ما جعل تلك اللحظة مميزة ببساطة هو أنه فكّر في التواصل معي ومشاركتها. عندها أدركت أن طريقتي في النظر إلى المدينة بدأت تنتقل إلى الأشخاص المقرّبين مني.

image

— أخيراً، ما أكثر ما يتفاعل معه الزوار؟

— اللافت أنّ الصور المعروضة في غرفة مراحل العمل هي الأكثر جذباً. يطّلع الزوار أولاً على الأعمال في القاعة الرئيسية، ثم يشاهدون صوراً للأشياء والمواقف الحقيقية التي انطلقت منها. غالباً ما تحمل لحظة التعرّف هذه شيئاً من الطرافة؛ إذ يدركون فجأة أنّها أشياء يصادفونها في حياتهم اليومية. وهذا تحديداً ما كنت أطمح إليه.