:quality(75)/large_4f0f00af_f2f4_40c4_92cf_13e5a7c122cb_1_1_26a15ce513.jpg?size=83.44)
by Barbara Yakimchuk
مصر التي لا تراها على البطاقات البريدية: تعرّفوا إلى الرسامة أميرة طناني
اسألوا أميرة طناني أين تبدأ مصر، فلن تدلّكم على الأهرامات. ستأخذكم إلى ليلة حنّاء في الريف، أو إلى مثل شعبي لا تزال جدتكم تتمتم به، أو إلى فوضى شارع قاهري وقت الذروة — تلك مصر التي لا تظهر على البطاقات البريدية، لكن كل من عاش فيها يعرفها فورًا.
ومع أن مصر تحتل اليوم قلب أعمال أميرة، فإنها ليست سوى جزء من الحكاية. فطفولة قضتها في السعودية، وسنوات أمضتها في دراسة الأساطير اليابانية، وحكايات تصادفها في الوطن وخارجه، كلها تجد طريقها إلى عالمها — مساحة تلتقي فيها الثقافات والأساطير والفولكلور بتفاصيل الحياة اليومية.
فكيف قادها الرسم بين رمال السعودية وجبالها إلى الأساطير اليابانية، ثم عاد بها من هناك إلى مصر؟ كيف يتحول مثل شعبي إلى صورة، أو شارع إلى فولكلور؟ ولماذا تظل الأمومة تعود إلى أعمالها؟ جلسنا مع أميرة لنعرف الإجابة.
:quality(75)/large_AA_5035_F9_080_E_40_C7_90_C1_30806_D86_B06_F_55943_00002_ED_18_BEFEF_6_A_2_47998309cc.jpg?size=60.33)
— لنبدأ من البداية. كيف كان تعرّفكِ الأول إلى الفن؟
— لم يكن في عائلتي فنانون، لذا يمكن القول إنني وجدت طريقي إلى الفن بنفسي. وإن كان هناك ما شدّني إليه في البدايات، فهو على الأرجح المكان الذي نشأت فيه. قضيت طفولتي في السعودية، محاطة بالجبال والمساحات الخضراء وتلك المشاهد الطبيعية الاستثنائية، وأعتقد أن لذلك المحيط أثرًا بالغًا في الطريقة التي تعلّمت بها النظر إلى الأشياء. لازمني الفضول منذ سن مبكرة جدًا، وكنت أرغب دائمًا في تأمل الأشياء كما هي ورسم ما أراه أمامي فعلًا، بدل الاعتماد على الصور الفوتوغرافية.
في طفولتي، كان الرسم هو المساحة التي تتدفق إليها كل تلك الطاقة والخيال، لكنني لم أكن معنية كثيرًا بحصره داخل ورقة. كنت أجلس على الأرض بكل عفوية وأرسم على الرمل أو التراب، ثم انتقلت إلى الطين وصرت أصنع منحوتات صغيرة. كنت دائمًا منشغلة بتجربة شيء ما، وكان الاتساخ جزءًا أصيلًا من المتعة.
منحت المدرسة ذلك الفضول قدرًا أكبر من التوجيه. كان أساتذتي يعرفون مدى انجذابي إلى المناظر الطبيعية والبيئة السعودية، وكثيرًا ما كانوا يشجعونني على المشاركة في معارض فنية في أنحاء البلاد. ربما كانت تلك المرة الأولى التي يبدأ فيها شيء كنت أفعله بفطرة تامة في الوجود خارج عالمي الصغير.
أما القرار الأكثر جدية فجاء قرب نهاية المرحلة الثانوية، حين أدركت أن الفن ليس مجرد هواية طفولة أتركها خلفي. كنت قد حققت نتائج جيدة في امتحاناتي النهائية، بما أتاح لي خيارات واسعة للدراسة، لكن عندما حان وقت الاختيار، اخترت كلية الفنون الجميلة. كان في ذلك القرار شيء شديد الوضوح: من بين كل المسارات المتاحة أمامي، كان هذا هو الطريق الذي أردت فعلًا أن أواصل استكشافه.
ومع أن عائلتي لم تكن تنتمي إلى خلفية فنية، فإنها دعمت ذلك الاختيار دعمًا كبيرًا. كانوا يتابعون تقدمي، ويشجعونني على مواصلة الرسم، ولم يتوقفوا عن إحضار أدوات وخامات فنية جديدة إلى المنزل لأجربها وأعبث بها.
:quality(75)/large_1_4_1_0a8c467d65.jpg?size=49.21)
:quality(75)/large_2_7_1_f0c3114b56.jpg?size=54.11)
— قبل أن يحضر التراث الشعبي المصري بهذه القوة في أعمالك، أنجزتِ رسالة الماجستير حول الفولكلور والأساطير اليابانية. ما الذي جذبك إلى ذلك العالم منذ البداية؟
— أعتقد أن الأمر بدأ بفضول أوسع تجاه الحكايات: من أين تأتي، ولماذا تبقى بعض القصص حيّة عبر الأجيال، وماذا يمكن أن تكشف لنا عن الشعوب والثقافات التي أبدعتها. لطالما جذبني الرمز، وفكرة أن الحكاية قد تحمل أكثر بكثير مما يبدو على سطحها للوهلة الأولى.
وحين بدأت العمل على الماجستير، كان ذلك الفضول قد أخذ يغيّر طريقتي في النظر إلى العالم من حولي. قبل ذلك بوقت طويل، كنت أرسم اسكتشات في شوارع القاهرة، ولا سيما في محيط خان الخليلي والأحياء التاريخية الأقدم. عندما تمضين وقتاً كافياً في أماكن كهذه، تبدئين في ملاحظة كمّ الحكايات المنسوجة في الشوارع نفسها وفي حياة الناس من حولك. تُروى هذه الحكايات وتُعاد روايتها، وتنتقل من جيل إلى آخر، حتى تصبح في النهاية جزءاً من التراث الشعبي.
كان الماجستير في فنون الكتاب، وقد دفعني ذلك إلى التوقف عن النظر إلى الكتاب بوصفه مجرد كائن جميل التصميم، والتأمل بدلاً من ذلك فيما يقف خلفه: من أين جاءت الحكاية، ولماذا وُجدت، وماذا تخبرنا عن الثقافة التي أنتجتها. انجذبت بشكل خاص إلى الحكايات الشعبية المتجذرة في الحياة اليومية.
في الوقت نفسه، كان اهتمامي بالثقافة اليابانية ممتداً منذ سنوات — بطبعاتها الفنية، وحِرفها، وأساطيرها، وتقاليدها البصرية الغنية بصورة مذهلة. لذلك، حين حان وقت اختيار مسار بحثي، بدا استكشاف الكائنات الأسطورية في فن الكتاب الياباني نقطة التقاء طبيعية؛ إذ جمع أشياء كثيرة كانت تستهويني أصلاً: الأسطورة، والسرد، والرمزية، وفنون الكتاب، وفنون الطباعة، والرسم التوضيحي.
كما غيّر ذلك البحث نظرتي إلى الرسم التوضيحي على نطاق أوسع. لم يعد الأمر مقتصراً على ابتكار صور جميلة، بل صار وسيلة لحمل الحكايات والمعتقدات والذاكرة الثقافية عبر الزمن. ومن اللافت أن هذا الإدراك أعادني في النهاية إلى مصر.
بدأت أتأمل التراث الشعبي المصري والتاريخ والأغاني الشعبية والأمثال والحكايات التقليدية عن قرب، وأفكر في كيفية ترجمة تلك العناصر الموروثة إلى لغة بصرية معاصرة.
:quality(75)/large_3_4_1_b76f7adfda.jpg?size=79.96)
— هل كان التحوّل من الثقافة اليابانية إلى ثقافتك قراراً واعياً، أم أنه حدث بصورة طبيعية مع الوقت؟
— بصراحة، بدا الأمر أقرب إلى تطوّر طبيعي منه إلى قرار واعٍ. لم أصل يوماً إلى مرحلة قلت فيها لنفسي: «حسناً، هذا يكفي من الأساطير اليابانية، حان الوقت للعودة إلى مصر». بل إن دراسة الثقافة اليابانية علّمتني كيف أنظر إلى ثقافتي بتمعّن أكبر.
كلما تعمّقت في الأساطير اليابانية وفنون الكتاب، ازداد إدراكي لمدى الترابط الوثيق بين الثقافة والتاريخ والسرد والفن البصري. ومن هنا جاء الالتفات إلى الوطن بصورة تلقائية، لأرى كم تنطوي الثقافة المصرية على ثراء كبير — في تراثنا الشعبي وأغانينا المتداولة وأمثالنا وحكاياتنا، بل حتى في التفاصيل البصرية الصغيرة للحياة اليومية.
وتطوّر هذا الاهتمام أكثر خلال مرحلة الدكتوراه، التي تناولت تجسيد السفر عبر الزمن من خلال الرسم التوضيحي — وكيف يستخدمه الفنانون ليس فقط لتخيّل المستقبل، بل أيضاً لإعادة بناء الماضي وقراءته من جديد. وقد دفعتني الأعمال التي تعود إلى القرون السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر إلى التفكير في التاريخ لا بوصفه مجرد مجموعة من الحقائق، بل كشيء يمكن تفسيره واختباره أيضاً من منظور الفنان.
وهذا ما أعادني إلى التاريخ المصري والتراث الشعبي، لكن من زاوية أكثر فلسفية. فلم يكن اهتمامي بالتراث الشعبي باعتباره مجرد زينة أو حنين إلى الماضي، بل رأيته عالماً متعدد الطبقات والدلالات، قادراً على أن يخبرنا الكثير عمّن نكونه كجماعة.
لذلك، حين أنهيت درجتي الماجستير والدكتوراه، وجدت نفسي أعود إلى الثقافة المصرية والهوية الوطنية بمنظور مختلف تماماً. لم أرد أن أقدّم رسوماً توضيحية «تبدو مصرية» فحسب؛ بل أردت أن أفهم ما الذي يجعلها مصرية — من أين تأتي هذه الحكايات، وماذا تعني للناس، وكيف تطوّرت عبر الزمن.
— سبق أن قلتِ: «أدركت أنني لست بحاجة إلى خلق هوية؛ فثقافتي تحدد من أكون بالفعل». متى تبلور لديكِ هذا الإدراك للمرة الأولى؟
— لم يتضح لي هذا الإدراك حقاً إلا بعد أن أنهيت درجتَي الماجستير والدكتوراه. خلال بحثي في ثقافات مختلفة، كنت ألاحظ باستمرار مقدار الاهتمام الذي يمنحه الفنانون لتاريخهم وحكاياتهم وفولكلورهم، وكذلك للتفاصيل الصغيرة في الحياة اليومية. عندها بدأت أتساءل: لماذا لا أفعل الأمر نفسه مع ثقافتنا؟
حين يفكر الناس خارج مصر في البلد، غالباً ما تتجه أذهانهم أولاً إلى مصر القديمة — الفراعنة والأهرامات. وهذا بالطبع جزء هائل من تاريخنا. لكن هناك مصر أخرى نادراً ما تُرى بالطريقة نفسها: مصر الحياة اليومية العادية.
في داخلها عالم ثقافي كامل — أغانٍ شعبية من الريف، وأمثال دارجة، وتعبيرات تسمعها في الشارع، وحكايات تقليدية، وباعة جوالون، وطقوس محلية وعمارة خاصة بالمكان. قد تبدو هذه الأشياء عادية بالنسبة إلينا، ببساطة لأننا نشأنا محاطين بها، لكنها تحديداً ما يجعل الثقافة معيشة ونابضة بالحياة. لذلك أردت أن تتاح للناس فرصة رؤية ثقافتنا بأعيننا نحن.
لا أحاول مجرد تصوير مصر؛ بل أريد أن أترجم مصر التي أعرفها إلى لغة بصرية يستطيع شخص من ثقافة مختلفة تماماً أن يفهمها ويتواصل معها.
:quality(75)/large_6_4_1_d6ee8ee386.jpg?size=241.64)
:quality(75)/large_7_20534566_dade35cf40.jpg?size=242.36)
:quality(75)/large_5_3_1_6b1a5abac8.jpg?size=216.39)
— عندما تتحدثين عن «الفولكلور المصري»، ماذا يشمل ذلك بالنسبة إليكِ؟
— بالنسبة إليّ، الفولكلور المصري أوسع بكثير من حكايات ورموز قديمة. إنه حاضر في الأغاني التي يرددها الناس، وفي الأمثال التي تتكرر على ألسنتهم، وفي القصص التي ينقلونها إلى أبنائهم، وفي التعابير التي تسمعينها في الشارع، وفي الطقوس والعمارة، وكل تلك التفاصيل التي تصنع الحياة اليومية.
وتعيدني صلتي به مجدداً إلى كلية الفنون الجميلة. فقد شجعنا أحد أساتذتي على الخروج من المرسم وملامسة الثقافة الشعبية المصرية عن قرب؛ كنا نحمل أدوات الرسم إلى الشوارع، نجلس على الأرض ونرسم الحياة وهي تتكشف من حولنا: الناس، والمباني، والإيماءات، والمشاهد اليومية.
وأتذكر جيداً تجربة أخرى من تلك الفترة تقريباً. ذهبت مع عائلتي إلى عرس ريفي واحتفال بالحنّة — كان أول عرس تقليدي في الريف أحضره — وكان مختلفاً تماماً عن الأعراس التي أعرفها. الأغاني مختلفة، وطريقة الاحتفال مختلفة، وحتى أصغر التقاليد بدت غير مألوفة بالنسبة إليّ. ومع ذلك، كان هناك قدر كبير من المعنى في أمور بدت، للوهلة الأولى، بسيطة جداً.
بطريقة ما، أعادني ذلك إلى طفولتي في السعودية. كنت أجلس على الأرض ومعي ألواني، أرسم الجبال والمناظر الطبيعية أمامي. وبعد سنوات، في الجامعة في مصر، وجدت نفسي أفعل شيئاً قريباً جداً من ذلك؛ لكنني هذه المرة لم أكن أراقب الطبيعة، بل أراقب الناس والثقافة. أعتقد أن هذا الحس كان دائماً جزءاً من طريقة عملي: أن أكون في المكان، أن أتأمله عن قرب، وأن أرسم ما أراه.
وفي تلك الفترة أيضاً بدأ اهتمامي برسامين مصريين مثل حلمي التوني. أحببت قدرته على أن يأخذ أشياء مألوفة تماماً للمصريين ويحوّلها إلى لغة بصرية قائمة بذاتها. جعلني عمله أفكر بطريقة مختلفة في الشكل الذي يمكن أن تتخذه الهوية المصرية في الرسم التوضيحي. لم يكن ضرورياً أن تبدأ بمصر القديمة وتنتهي عند الفراعنة والآثار. فهذه الحكايات، التي تنتقل من جيل إلى آخر، هي في جوهرها ما يبني الفولكلور، وهي أيضاً، بطرق كثيرة، الأساس الذي تتشكل منه الأساطير.
— تحمل أعمالك طابعاً بصرياً شديد التميّز، يكاد يذكّر بالحفر على الخشب. كيف طوّرتِ هذه اللغة البصرية، ولماذا شعرتِ أن هذا الأسلوب تحديداً يناسب الحكايات التي أردتِ سردها؟
— نشأت لغتي البصرية في الحقيقة من التقاء ثلاثة أمور: خلفيتي الأكاديمية، وبحثي، واهتمامي بالفن الياباني.
بدأ افتتاني بالحفر على الخشب أثناء بحثي في فن الكتب اليابانية والأساطير. وقد تركت الطباعة التقليدية بالقوالب الخشبية أثراً خاصاً في داخلي؛ تلك القدرة لدى الفنانين على خلق تعبير كبير عبر أشكال بسيطة نسبياً، وخطوط جريئة، وملمس بصري غني. بدأت أجرب بنفسي الحفر على الخشب والحفر على اللينوليوم إلى جانب عملي الرقمي، وما زلت أعمل بالأسلوبين معاً. ومع الوقت، بدأ ذلك يؤثر في طريقة تعاملي مع الصورة عموماً: إلى أي مدى يمكنني تبسيطها، وما الذي يمكن أن يضيفه إليها الملمس، وكم من العاطفة يمكن أن يحملها خط واحد.
ثم، عندما بدأ عملي يتجه نحو الثقافة المصرية، أخذت أرى صلة لم أكن أبحث عنها بالضرورة. للشوارع المصرية طاقة خاصة جداً: الحركة، والزحام، والأحاديث المتداخلة، والباعة الجائلون، والناس وهم يتحركون باستمرار حول بعضهم بعضاً. وهناك أيضاً انفتاح في طريقة تفاعل الناس؛ يضحكون، ويتحدثون إلى الغرباء، ويتواصلون بشكل مباشر جداً. وأدركت أن اللغة البصرية نفسها التي كنت أستكشفها من خلال الحفر على الخشب يمكنها أن تعبّر عن هذه الشخصية على نحو مدهش.
فالخطوط الجريئة، والملامس الخشنة، والأشكال المبسطة لا تحاول أن تجعل كل شيء مصقولاً أو مثالياً، وهذا الصدق بدا مناسباً لما أردت إظهاره. ومع مرور الوقت، أصبح ذلك جزءاً من طريقة عملي: حدود واضحة، وخطوط قوية، وتبسيط الصورة قدر الإمكان من دون أن تفقد ما أريد لها أن تقوله. إذا كانت الفكرة تنجح ببساطة، أفضل أن أتركها كذلك.
بهذا المعنى، أصبحت هذه اللغة البصرية جسراً بين أمرين مهمين جداً بالنسبة إليّ: فهي تتيح لي تصوير تلك الحياة بروح معاصرة، مع الحفاظ على الملمس والطاقة اللذين أربطهما بشوارعها.
:quality(75)/large_4_3_1_92a78fc62f.jpg?size=293.18)
:quality(75)/large_5_3_1_6b1a5abac8.jpg?size=216.39)
:quality(75)/large_Save_Clip_App_510857307_18507576910013994_1884336106626310512_n_616a15d67d.jpg?size=184.79)
— ثمة توازن لافت في عملك: تغوصين بعمق في الثقافة والفولكلور المصريين، وفي الوقت نفسه توظفينهما لطرح قضايا اجتماعية وسياسية معاصرة. متى أدركتِ أنك تريدين وجود هذه الطبقة الثانية في أعمالك؟
— أظن أن هذه الطبقة الثانية نشأت بشكل طبيعي جداً من جوهر الرسم التوضيحي نفسه. فقد تمحورت رسالتا الماجستير والدكتوراه لديّ حول الرسم التوضيحي، وبالنسبة إليّ، يتلخص هذا الفن في أمر واحد: إيصال رسالة عبر الصورة.
قد تكون هذه الرسالة مرتبطة بالفولكلور، وقد تنبع من شيء نصادفه في حياتنا اليومية. لا أشعر بحاجة كبيرة إلى ابتكار عالم خيالي بالكامل أو غرائبي كي أروي قصة. كما ذكرت، أميل أكثر إلى الاشتباك المباشر مع الواقع. فوجودي الفعلي في العالم ومراقبة ما يجري من حولي يمنحانني مادة إبداعية أوسع بكثير من الجلوس في مكان ما وتخيّل الأشياء بمعزل عن محيطها.
كلما استوقفني شيء في الحياة الواقعية، أميل إلى النظر إليه فنياً وبشيء من التأمل الفلسفي: ما الذي يكمن تحته؟ لماذا يحدث؟ ماذا يقول عن الناس أو عن المجتمع؟ وهل تختبئ داخله قصة أو رسالة ما؟
أحياناً تصل الرسالة بصورة مباشرة، وأحياناً تتشكّل عبر الرمزية أو الاستعارة أو الإحالات الثقافية. وهنا يصبح الفولكلور جزءاً طبيعياً من العمل، لا لمجرد أنه مألوف، بل لأن تلك الحكايات والرموز القديمة قادرة على اكتساب معانٍ جديدة عندما توضع في سياق ما يحدث اليوم.
— تناولتِ موضوع الأمومة في مرحلة مبكرة من خلال Ubume، ثم عدتِ إليه بعد سنوات في الأمومة نداء غير مرئي. هل ترين الأمومة خيطاً يتكرر في ممارستكِ الفنية، أم أن العملين انطلقا من منطلقين مختلفين تماماً؟
— لم أختر الأمومة يوماً، عن وعي، باعتبارها ثيمة متكررة. لكنني حين أنظر إلى الوراء، أجد أنها تسللت إلى عملي أكثر بكثير من هذين المشروعين وحدهما، وفي كل مرة من زاوية مختلفة قليلاً.
من أبرز الأمثلة على ذلك مشروع الشوارع المصرية، حيث أتأمل الشوارع المصرية والحياة اليومية عن قرب. كانت الأمومة أحد الخيوط التي التقطتها في الطريق. شدّتني على وجه الخصوص صورة الأم المصرية، وكل ما تحمله وتتماسك به الأسرة والبيت. إنها صورة نشأتُ وأنا أراها من حولي: امرأة تحمل قدراً هائلاً من المسؤولية، ترعى الجميع، وتدير شؤون المنزل، وغالباً ما تضع احتياجاتها هي في آخر القائمة. لكن ما أثار اهتمامي لم يكن مجرد تصويرها كشخصية تقليدية، بل العمل العاطفي غير المرئي الكامن خلف هذا الدور. فالكثير مما تفعله الأمهات يومياً يبقى غير منظور، ومع ذلك فهو ما يحفظ تماسك العائلة بأكملها.
:quality(75)/large_Frame_1511851329_8daeaca6d5.png?size=652.95)
ثم، في سياق ثقافي مختلف تماماً، حضرت الأمومة مجدداً عبر أوبومي، وهو عمل انبثق من بحثي للماجستير في الأساطير اليابانية والكائنات الخرافية. هناك، تناولتُ الموضوع من منظور الفولكلور هذه المرة، متأملةً الفقدان والتضحية والرابطة العاطفية بين الأم وطفلها.
:quality(75)/large_Frame_1511851328_8c22efec60.jpg?size=32.94)
لاحقًا، عادت الأمومة إلى أعمالي المرتبطة بفلسطين والحرب، عبر صورة الأم الفلسطينية التي تحاول حماية أطفالها في ظروف اختفى فيها حتى أبسط شعور بالأمان. وما ظل عالقًا في ذهني هو تلك الغريزة الصافية للحماية: قد تختلف الحقائق الثقافية والسياسية تمامًا، لكن أمًا تسعى إلى إبقاء طفلها في أمان هي صورة لا تحتاج إلى كثير من الشرح. إنها حاضرة لدى الأم المصرية، والأم اليابانية الأسطورية، والأم الفلسطينية على حد سواء.
ثم جاء عمل الأمومة نداء غير مرئي، الذي أتاح لي تناول الموضوع من زاوية أكثر شخصية ومعاصرة — ولا سيما الجوانب الخفية من الأمومة: العبء العاطفي المستمر، والحضور الذهني الذي لا ينطفئ حقًا، والقرارات الصغيرة الكثيرة التي تُتخذ كل يوم، وكمّ ما يمرّ منها من دون أن يلاحظه أحد.
لذلك، حين أنظر إلى هذه الأعمال جنبًا إلى جنب، لا أرى تكرارًا، بل زوايا مختلفة للموضوع نفسه.
:quality(75)/large_image_1344_57a674b165.jpg?size=205.44)
:quality(75)/large_image_1345_1fa217e39c.jpg?size=248.05)
:quality(75)/large_image_1343_1_15dd6771e1.png?size=1293.36)
— سبق أن كان لك ثلاثة معارض فردية في مصر. أيّها كان الأقرب إلى ذاتك، وأيّها كان، ربما، الأكثر رهبة عند تقديمه إلى الجمهور؟
— نعم، كانت المعارض الفردية الثلاثة مختلفة إلى حدّ كبير من حيث الأفكار والمفاهيم، لكنها جميعًا اجتمعت حول عمود فقري واحد: فنّ الرسم التوضيحي، وميلي الخاص إلى رسم الناس والشخصيات وتركها تحمل الحكاية.
المعرضان الأولان خرجا مباشرة من بحث الدكتوراه الذي أنجزته، وكان يتناول السفر عبر الزمن من خلال الرسم التوضيحي — أي كيف يمكن للفنان أن ينتقل، على مستوى الفكرة، بين فترات زمنية مختلفة، متخيّلًا الماضي أو المستقبل عبر السرد البصري. لذلك كانا، في الحقيقة، الأقرب إلى التجريب والمفهوم؛ إذ طرحا سؤالًا حول إمكانية أن يتحوّل الرسم التوضيحي إلى أداة لتصوّر عصور مختلفة، وإعادة بناء ما مضى، أو تخيّل ما لم يأتِ بعد.
أما المعرض الثالث، «الشوارع المصرية»، فقد أخذني في اتجاه مختلف تمامًا. هذه المرة، كنت راسخة في الحاضر، ألتفت إلى الشوارع المصرية من حولي — الحياة اليومية، والناس والشخصيات، وكل تلك التفاصيل الصغيرة التي تصنع شوارعنا وثقافتنا الشعبية. كما أصبح هذا المعرض الأكثر قربًا إليّ من بين الثلاثة، لأنه ارتبط مباشرة بحياتي وبعلاقتي بمصر.
أما الأكثر رهبة، فربما كانا المعرضين المرتبطين بالدكتوراه. فقد استندا إلى فكرة أكثر تجريدًا بكثير، ولم يكن من السهل جعل شيء مراوغ مثل «الزمن» قابلًا للتلقي بصريًا ومؤثرًا وجدانيًا. تحويل مفهوم فكري إلى تجربة يستطيع المتلقي أن يشعر بها فعلًا احتاج إلى جهد كبير.
:quality(75)/large_Save_Clip_App_560565334_18527846809013994_3191383413708571638_n_56293aa351.jpg?size=189.95)
— هل سبق أن قدّمت عملًا فاجأك تفاعل الجمهور معه حقًا؟
— جاءت إحدى أقوى ردود الفعل على سلسلة من الرسوم أنجزتها حول الأحداث في فلسطين. كنت أدرك أن الموضوع يحمل ثقلًا عاطفيًا حقيقيًا، وتوقعت أن يتفاعل الناس معه، لكنني بصراحة لم أكن أتوقع أن يكون الصدى بهذه القوة. حظيت الأعمال بتفاعل واسع جدًا عبر وسائل التواصل الاجتماعي؛ كان الناس يشاركونها، ويعلّقون عليها، بل ويتابعون أعمالي بسبب تلك السلسلة وحدها.
وصل أحد الأعمال إلى نحو مليون شخص، وحقق آخر ما يقارب 100,000 مشاهدة. لكن الأرقام لم تكن أكثر ما أثّر فيّ، بل ما كان وراءها. كانت التعليقات مليئة بالحزن والغضب والتعاطف والتضامن، وأدركت أن الرسوم استطاعت، بطريقة ما، أن تقول ما تعجز الكلمات وحدها غالبًا عن قوله.
أما رد الفعل القوي الآخر فجاء من مساحة مختلفة تمامًا: مشروع الشوارع المصرية. ما فاجأني هناك هو عمق ارتباط الناس بالفكرة نفسها، لا بصورة بعينها. بدا أن الناس وجدوا فيها شيئًا مألوفًا إلى حد رائع، ومفاجئًا قليلًا في الوقت نفسه. كانوا يتعرّفون إلى مثل شعبي نشأوا وهم يسمعونه، وفجأة يجدونه أمامهم وقد تحوّل إلى شخصيات ومشاهد ومواقف منتزعة من قلب الشارع المصري.
كان الصدى قويًا بما يكفي ليفتح أبوابًا خارج عالم الفن أيضًا. فقد قاد أحد التصاميم في النهاية إلى تعاون مع علامة في كندا، حوّلت العمل الفني إلى تيشيرت وحقيبة قماشية.
كان ذلك مؤثرًا جدًا بالنسبة إليّ، لأنه أظهر إلى أي مدى يمكن للحكاية الثقافية أن تسافر حين تغادر موطنها. شيء متجذّر في تجربة مصرية شديدة الخصوصية استطاع مع ذلك أن يتحوّل إلى غرض يقتنيه ويتفاعل معه أناس في الطرف الآخر من العالم.
:quality(75)/large_Save_Clip_App_504514246_18504435673013994_3812600275793585053_n_1_8be28e79bc.jpg?size=249.29)

:quality(75)/medium_BP_showroom5_8400687405.jpg?size=53.93)
:quality(75)/medium_Photo_15_Echoes_of_Existence_Exhibition_at_the_Nuhad_Es_Said_Pavilion_for_Culture_2026_Photo_by_Christopher_Akiki_1_7a1093d297.jpg?size=53.8)
:quality(75)/medium_Frame_1511851326_2c0eaf49d1.jpg?size=45.93)
:quality(75)/medium_emma_harrisova_U_Ds_O83_Ts6t_Q_unsplash_add4b809bc.jpg?size=73.25)
:quality(75)/medium_Naess_by_Gwendal_Le_Flem_web5_07510a092c.jpg?size=54.29)
:quality(75)/medium_Save_Clip_App_730776655_18095613818614691_6691071653996439490_n_1_2fd225955d.jpg?size=71.84)