image

by Alexandra Mansilla

النوم وحيداً في الظلام: خوف طفولي لا يزال يرافق بعضنا

Photo: Nano Banana x The Sandy Times

ربما حان الوقت لأعترف بأنني، طوال معظم حياتي، كنت أخاف من أن أبقى وحدي ليلاً وأن أنام في الظلام. يمكنني أن أغلّف الأمر بأي تبرير أريده — أن أقول مثلاً إنني فقط أشعر بعدم ارتياح، أو إنني أفضل وجود أشخاص حولي — لكن الحقيقة ليست هذه. أنا. خائفة.

وأتذكر حتى متى بدأ ذلك. كنت صغيرة — لا أذكر بالضبط كم كان عمري — وكان الكبار يشاهدون A Nightmare on Elm Street في غرفة المعيشة. كان فريدي كروغر هناك، في الظلام. وأذكر أنني تخيلت فجأة: ماذا لو كان يقف فعلاً في الظلام الآن، هنا، على الحقيقة؟ منذ تلك اللحظة بدأت أخاف. ليس منه تحديداً، بل من شيء ما. فقط… شيء. صرت أنام ملفوفة بإحكام داخل البطانية، حتى لا تبرز يد أو قدم إلى الخارج.

كنت أخاف بشكل خاص من النوم في بيت جدتي. كان بيتاً خشبياً كبيراً في قرية. أولاً، كان هناك علّية. والعلّية هي… حسناً، علّية. كلنا نعرف أنه إذا كان هناك شيء يختبئ في الظلام، فغالباً سيكون هناك. أو تحت السرير طبعاً. وثانياً، كان البيت يقع بعيداً قليلاً عن البيوت الأخرى (أو هكذا كان يبدو لي وقتها على الأقل). كان السور يبدو هشاً، سهل التسلق. كنت أتخيل كم سيكون الأمر بسيطاً لشخص ما أن يدخل، ويقتحم البيت، ويسرقنا. وكنا هناك أنا وجدتي فقط. من سيحمينا؟ سؤال وجيه. وكما يمكنك أن تتوقعي، لم أنم جيداً.

كل صباح كنت أستيقظ، أستمتع بضوء النهار، وأبدأ منذ ذلك الوقت بالتفكير في المساء، وكيف سأتمكن من النوم من دون خوف. وتعرفين ماذا؟ أحياناً كان الأمر ينجح فعلاً! كنت أقضي اليوم كله أحاول تهدئة نفسي، أركز فقط على الأفكار الإيجابية وأطرد أي شيء قد يخيفني. وكنت أشعر بارتياح كبير لأن الصيف (كنت أقضي هناك شهرين كل صيف) يبقى مضيئاً حتى وقت متأخر. وهذا يعني أنني أستطيع أن أنام قبل أن يحل الظلام.

الذكرى الواضحة التالية كانت عندما بدأت أعيش وحدي. حين يحل الليل، كنت دائماً أختار مكاناً في الشقة أستطيع منه رؤية أكبر قدر ممكن من المساحة. كان ذلك يهدئني، كأنني أسيطر على الأمور — وكأن ذلك لن يظهر.

وما هو ذلك؟ يصعب شرحه. ليس وحشاً بالضبط. أقرب إلى حضور — شيء مظلم، غير محدد، والأكثر إخافة على الإطلاق أنه غير متوقع. ربما ظل. وربما شيء آخر. مجرد إحساس مكثف بالمجهول.

كنت أسهر حتى وقت متأخر — أدرس، أعمل، أشاهد YouTube — أي شيء لأؤجل الذهاب إلى السرير إلى أن أغفو من شدة الإرهاق. وكنت أشعر دائماً براحة كبيرة عندما أستيقظ!

الأمر أسهل بكثير الآن، لكن الخوف لم يختفِ تماماً. لقد تعلمت فقط كيف أتعامل معه. أعني… أنا بالغة، أليس كذلك؟

أنام مع ضوء ليلي صغير — احتياطاً، وكأنه قادر فعلاً على حمايتي. عندما كنا نختار شقتنا الحالية، دخلت وشعرت فوراً: سأتمكن من النوم هنا. كان المكان منطقياً بالنسبة لي — زوايا أقل، انفتاح أكثر، ولا شيء يوحي بأنه مخبأ. ولديّ كلب الآن (مع أنك لو رأيتها: فهي صغيرة جداً). ومع ذلك، وبصراحة، لا يكون الأمر مطمئناً تماماً عندما أكون وحدي ليلاً وتبدأ الكلبة فجأة بالزمجرة.

كما أنني أنام أسرع هذه الأيام. غالباً ما أكون متعبة جداً في نهاية اليوم لدرجة أنني أفقد الوعي فوراً.

لفترة طويلة، لم أستطع الاعتراف بهذا الخوف حتى لنفسي. كان يبدو سخيفاً أن أخاف من شيء كهذا وأنا بالغة. لكنني أدركت لاحقاً أنني لست الوحيدة. كثير من البالغين يشعرون بهذا الشكل. وكنت محظوظة لأنني عرفت بعض الأشخاص الذين شاركوني تجاربهم بصراحة.

فلنستمع إليهم — ممَّ يخافون تحديداً، وكيف تعلموا أن يعيشوا مع ذلك.

image

الصورة: Nano Banana x The Sandy Times

باربرا ياكيمتشوك

محررة، The Sandy Times

عندما وُلد أخي الأصغر كنت في نحو التاسعة. نقلوني إلى غرفة أخرى في الطابق الثاني، بعيداً عن الجميع — وكأنني أنام في شقة منفصلة.

ظلّ يراودني إحساس بأن أحداً يتجوّل في المكان؛ كنت أسمع أصواتاً. لفترة طلبت من والدي أن يبقى معي ليلاً، لكن في النهاية توقّف والداي — ففي النهاية كنت قد أصبحت «كبيرة». لذلك كان عليّ أن أنام وحدي، وكان الأمر مخيفاً جداً.

اليوم عمري 26 عاماً، وما زال يأتيني الكابوس نفسه. أكون فيه داخل تلك الشقة، رغم أننا لم نعد نعيش هناك منذ زمن. يرنّ جرس الباب. أتجه إلى الباب، أنظر من العين السحرية، فأرى رجلاً بوجه مشوّه — يبدو غير متّزن نفسياً، وعلى شفتيه ابتسامة غريبة. ثم أنظر إلى المفاتيح في القفل فأراها تُدار من الخارج. أمسك المزلاج الداخلي بيدي، وفي تلك اللحظة أسمع أحداً يهبط من الطابق الثاني...

هذا أكثر كوابيسي رعباً، وما زال يزورني — خصوصاً عندما أكون مريضة أو مثقلة بالضغوط.

عندما كبرت وبدأت أعيش وحدي، كنت أقفل بابين. كما كانت لدي عادة تفقد الشقة كلها — أنظر في كل زاوية، وخلف الستائر — فقط للتأكد. رغم أنني كنت أقول لنفسي إن الأمر سخيف، وأن لا أحد هناك، كنت ما زلت بحاجة إلى إقناع نفسي بأن شيئاً لا يمكن أن يحدث داخل الشقة.

ممَّ أخاف تحديداً؟ أولاً، أن يقتحم أحدهم شقتي، ويسرقني، أو ما هو أسوأ. وثانياً — شيء أقرب إلى صور أفلام الرعب. مثلاً، شخص يقف في الزاوية بعينين حمراوين، ظلّ أسود. وهذا الخوف ربما يكون أقوى حتى من الأول.

ولكي أهدّئ نفسي، أشاهد YouTube حتى وقت متأخر من الليل ثم أغفو من شدة الإرهاق.

image

الصورة: Nano Banana x The Sandy Times

؛هبة بدّو

الموسيقى التي تهدّئني مرتبطة جداً بذلك الإحساس الذي كان يرافقني في طفولتي.

ليلاً، حين كان البيت يهدأ، كان كل شيء يبدو أكبر مما هو عليه. كنت في نحو السادسة، وكان المكان يكاد يبتلعني. لم يكن الظلام وحده ما يخيفني؛ بل الصمت، وغياب الإحساس بوجود أحد. عندما كان والداي موجودين، كانت هناك دائماً موسيقى وأصوات وحياة. وفجأة، من دون ذلك، كان الليل يثقل.

الصمت، والفراغ، وأفكاري… كان خيالي يصبح حاداً جداً، حاضرًا أكثر مما ينبغي. لم يكن شيئاً أستطيع التحكم به؛ كان يتمدّد ببساطة في غياب الضجيج والحركة.

في النهار، كنت أصنع بالفعل طرقاً للتعامل مع ذلك. كنت أرسم شخصيات بسيطة، تكاد تكون ساذجة، كأصدقاء متخيّلين، بعفوية شديدة ومن دون تفكير طويل. وفي الليل، حتى إن لم أكن أراهم حرفياً، كانوا يبقون معي. صاروا نوعاً من الحضور الهادئ، شيئاً مطمئناً أتشبّث به. كانوا يملأون الفراغ ويمنحونه شكلاً.

ولكي أنام، لم أكن أحاول تهدئة نفسي فعلاً. كان الأمر أقرب إلى محاولة اجتياز اللحظة. كنت أركّز على فكرة أن الصباح سيأتي في النهاية، كشيء لا مفرّ منه. كأنك تعبر نفقاً؛ لا تتوقف داخله، بل تواصل السير حتى تصل إلى الجهة الأخرى.

أعتقد أن ما كنت أحتاجه لم يكن مجرد مواساة، بل نوعاً من التحفيز، شيئاً يشغل ذهني برفق كي لا يبتعد كثيراً. حين أُترك وحدي، كان خيالي يستولي على المشهد، فيحوّل الظلال إلى شيء آخر. الموسيقى ساعدتني على تغيير ذلك. منحتني ما أتمسّك به. كانت كأنها بداية حلم.

كان لحنٌ واحد كفيلاً بأن يملأ الغرفة، فيجعلها أقل فراغاً وأقل رهبة. كان يخلق نوعاً من الاستمرارية؛ شيئاً ناعماً ومطمئناً أتبعه حتى أغفو. وحتى الآن، تحمل الموسيقى التي تهدّئني الجودة نفسها. ليست صاخبة ولا طاغية؛ إنها فقط تستقر بهدوء وتملأ المكان بالطريقة المناسبة. وتؤنسني.

image

الصورة: Nano Banana x The Sandy Times

اليوم أشعر أنني تعلّمت كيف أساير الليل وأتعايش معه، بدل أن أهرب منه. ومع ذلك، يبقى هناك توتّر.

ابتكرت طقوساً صغيرة. أكتب قبل النوم، وأحرص دائماً على تشغيل الموسيقى. يصبح الصوت وسيلة لملء المكان، ولتفادي ذلك الإحساس بالفراغ. أما الصمت، فما زلت أجد التعامل معه صعباً.

كما أنني شديدة الحساسية تجاه الضوء. فالظلال الحادّة والزوايا القاسية قد تثير في داخلي انزعاجاً فورياً؛ إذ ترسم أشكالاً تبدو كأنها «حاضرة» أكثر مما ينبغي، محدّدة أكثر من اللازم. أحاول تليين كل شيء، وأن أجعل المكان أكثر عضويةً وانسياباً.

الحضور يساعد كثيراً أيضاً؛ أن أكون مع شخص ما، أو حتى مع الحيوانات. فهو يضيف دفئاً إلى ذلك الحيّز.

ممَّ أخاف تحديداً؟ أعتقد أنني أخاف مما يكشفه الليل حين يزيل البنية والنظام. يخلق مساحةً تصبح فيها الأشياء بلا ملامح واضحة، وتتسلّم المخيّلة زمام الأمور، ويغدو الغياب أكثر ظهوراً.

ليس الأمر خوفاً فقط؛ بل هو أيضاً افتتان. الليل مساحة للإسقاط، وللوهم، وللتحوّل.

وهذا بالضبط ما يستكشفه فيلمي القصير، Nuit Solaire, . أتخيّل الليل كأنه نفق طويل مظلم، لكنه أيضاً حفلة متخيَّلة. شيء مضيء وباهر، لكنه في العمق شديد الوهم.

في الفيلم، أردتُ تجسيد هذا التوتّر عبر مواجهة إدراكين: إدراك الطفل وإدراك البالغ. صوت الطفل وهو يغنّي تهويدة يحمل شيئاً مطمئناً، يكاد يكون حامياً. لكن في الوقت نفسه، تأتي الصور مشبعة وحادّة ومضطربة. ثمة نشاز.

ثم يتدخّل صوت البالغ، فيقاطع ذلك الإحساس بالأمان ويزعزعه. ويضيف طبقة أخرى، أثقل وأكثر وعياً.

ومن خلال أشياء رمزية، وإيقاع، وتكرار، حاولتُ التعبير عن ذلك الخوف الكامن: الخوف من العتمة، ومن الصمت، ومن الفراغ. لكن أيضاً عن الرغبة في ملئه بالضوء، وبالصوت، وبالأجساد، وبالحضور.

image

الصورة: Nano Banana x The Sandy Times

لطالما راودني الفضول لمعرفة سبب خوف بعض الناس من البقاء وحدهم في المنزل ليلاً، بينما لا يشعر آخرون بذلك — وما الذي يمكن فعلاً فعله حيال هذا الخوف. لذلك قررت أن أسأل اختصاصياً نفسياً. وتحدثت مع Daniil Makarov، وهو اختصاصي نفسي ممارس.

Daniil Makarov: هناك عدة أسباب قد تجعل الشخص يخاف من البقاء وحيداً أو من النوم بمفرده.

أحد هذه الأسباب هو تجربة الوحدة. ففي أحد الأمثلة أعلاه، يقول الشخص إن الخوف بدأ بعد ولادة شقيق/شقيقة أصغر، حين نُقل إلى غرفة منفصلة.

وهذا ما يُسمّى غالباً «صدمة خلع التاج»: يظهر شقيق جديد، فيبدأ الطفل بالتساؤل عمّا إذا كان لا يزال له مكان. يتزعزع إحساسه بالأمان الأساسي. وبدلاً من ترميم هذا الإحساس بالأمان، يُدفع الطفل بعيداً أكثر عن والديه.

في هذه الحالة، يتفاقم الشعور بعدم الأمان. فالطفل لا يستطيع حماية نفسه، فتزداد مستويات القلق. ومع الوقت قد تتشكل ديناميكية أقرب إلى الهستيريا: تتصاعد الأعراض كوسيلة لجذب انتباه الوالدين. وعلى مستوى لا واعٍ، يضخّم الطفل قلقه كي يُلاحَظ.

كما يلعب الخيال دوراً. فإذا تُرك طفل قَلِق وحيداً في مساحة معزولة، يبدأ العقل سريعاً بتفسير كل صوت صغير والتعلّق به. وتصبح الحقيقة مُصفّاة عبر القلق، وقد يظهر نمط يشبه التفكير الزوري.

ومع تقدّم الشخص في العمر، قد تستمر الأعراض. فالعيش وحيداً قد يعيد تنشيط ذلك الألم العاطفي المبكر ويعيد إنتاج الخيالات نفسها. ويبدو جزء من النفس وكأنه «عالِق» في تلك المرحلة الطفولية ويواصل العمل بالطريقة ذاتها.

لذا نعم، قد يكون مصدره صدمة طفولية، كما في هذه الحالة — مزيج من الوحدة والرفض وفقدان المكان داخل منظومة الأسرة.

كما قد ينشأ أيضاً عن صدمة واقعية — على سبيل المثال، إذا مرّ الشخص بتجربة انعدام أمان جسدي، مثل اقتحام المنزل أو العنف داخل الأسرة. في مثل هذه الحالات، تتكوّن حاجة قوية إلى السيطرة. لكن في الظلام تتلاشى السيطرة، ما يطلق شرارة القلق.

وقد تمتد الجذور إلى ما هو أعمق — حتى مرحلة ما قبل الولادة، إذا كانت الأم قد عاشت توتراً شديداً أو فكّرت مثلاً في إنهاء الحمل. فالظلام والأماكن المغلقة قد يعيدان تنشيط تلك الخبرات العاطفية المبكرة جداً.

وثمة عامل مهم آخر هو الإساءة العاطفية. مثل أن يُعاقَب الطفل بالعزل أو بإغلاق الباب عليه في غرفة. في هذه الحالات، يصبح الظلام مرتبطاً بالتهديد بشكل مباشر.

وهناك أيضاً طبقة رمزية مهمة: الخوف من الظلام غالباً ما يعبّر عن الخوف من الوحدة. فجميعنا لدينا حاجة أساسية إلى التواصل. وعندما تُحبط هذه الحاجة، قد يرفع الجهاز النفسي مستوى القلق كإشارة: أحتاج إلى أن يكون أحدهم هنا معي.

وعلى مستوى أعمق، قد يكون هناك أيضاً خوف من اللاوعي لدى الشخص نفسه. وهو ما يُوصَف أحياناً بأنه رهبة «وجودية» أو «صوفية» — خوف من مواجهة مادة داخلية مثقلة بالألم، ومشاعر مكبوتة، وتجارب غير محسومة.

ومن المهم أيضاً فهم أن أي ضغط راهن يميل إلى تضخيم هذه الأعراض. ضغط العمل، مشكلات العلاقات، أو الإرهاق العام قد يزيد القلق ويجعل ردود الفعل أشد.

فما الذي يمكن أن يساعد؟

أولاً، من المهم خلق «مساحات آمنة» — ممارسات أو بيئات تمنح شعوراً بالأمان. وقد تتراوح بين آليات تكيّف أقل فاعلية (مثل مشاهدة YouTube بلا توقف) وأخرى أكثر دعماً، مثل تمارين التنفّس، واليوغا، أو قضاء وقت في الطبيعة.

ثانياً، قد يكون التعرض التدريجي اللطيف مفيداً. أي إعادة ربط الظلام تدريجياً بإحساس الأمان — كقضاء وقت في إضاءة خافتة مع الشعور بالهدوء والثبات.

ثالثاً، في بعض الحالات، قد تكون هناك حاجة إلى دعم طبي. ومع القلق الأشد، من المهم استشارة طبيب نفسي.

وأخيراً، الجزء الأهم هو العلاج النفسي. أي العمل على معالجة الصدمة، والتعامل مع المخاوف المتجذّرة في الداخل، واستعادة الإحساس بالمكان والأمان، واستكشاف الأحلام المتكررة، ودمج المادة العاطفية المكبوتة. وفي الحالات التي تكون فيها الأعراض بهذه الدرجة من الاستمرار، يُنصح بشدة بالحصول على دعم مهني.