لطالما بدا الحديث عن «ثقافة المشي» في مدن الخليج وكأنه تناقض بحد ذاته. فهي مدن تشكّلت لعقود على إيقاع السيارات والطرق العريضة والمسافات الطويلة وحرارة الصيف التي قد تُطفئ الرغبة في القيام بأي نشاط في الهواء الطلق. ومع ذلك، يبدو هذا السؤال أكثر منطقية في عام 2026 مقارنةً بما كان عليه قبل سنوات قليلة. فثقافة المشي في مدن الخليج باتت اليوم مرتبطة بمخططات رئيسية فعلية، ومشاريع عامة، وأحياء أكثر خضرة، وتوجّه أوسع لجعل الحياة الحضرية أكثر سلاسة على مستوى الشارع. لا يعني ذلك أن دبي أو الرياض تحوّلتا إلى مدينتين مثاليتين للمشي بلا عناء، لكنه يعني أن البوصلة تتغيّر، وهذه المرة تقف خلفها سياسات وبنية تحتية واضحة.
لماذا أصبحت مدن الخليج أكثر ملاءمة للمشي
أحد أبرز أسباب تحوّل مدن الخليج إلى بيئات أكثر ملاءمة للمشي هو أن «قابلية المشي» لم تعد ترفاً أو خياراً لطيفاً يمكن الاستغناء عنه. ففي دبي، تنص «استراتيجية جودة الحياة 2033» على أن المدينة تستهدف أن تصبح أكثر ملاءمة للمشاة، وأكثر مراعاة للبيئة، وأكثر صداقة للعائلات. وفي ديسمبر 2024، تمت الموافقة على «الخطة الرئيسية للمشي في دبي» بهدف تحويل الإمارة إلى مدينة صديقة للمشاة على مدار العام. وتشمل الخطة شبكة بطول 6,500 كيلومتر عبر 160 منطقة، تجمع بين مسارات جديدة وتطوير المسارات القائمة.
وتسير السعودية في الاتجاه نفسه ضمن إطار مختلف. فقابلية المشي في المدن السعودية ترتبط ارتباطاً وثيقاً بـ«رؤية 2030» وبالجهود الأوسع في الرياض لتحسين جودة الحياة. ويأتي «بوليفارد الرياض الرياضي» في قلب هذا التوجه؛ إذ يوضح الوصف الرسمي للمشروع أنه يهدف إلى تشجيع أنماط حياة أكثر صحة عبر أنشطة تشمل المشي وركوب الدراجات، إلى جانب الإسهام في جعل الرياض واحدة من أكثر مدن العالم قابلية للعيش.
ويكتسب هذا التحوّل أهميته لأن بنية المشاة التحتية في الإمارات والسعودية لم تعد تُعامل كملف جانبي، بل أصبحت جزءاً من عملية «صناعة المدينة» نفسها. فعندما تبدأ الحكومات بالحديث عن مسارات مترابطة، ومساحات عامة مظللة، وسهولة الوصول إلى الخدمات، والتنقّل بما يتجاوز الاعتماد على السيارة، فهذا يعني بوضوح أن طبيعة النقاش قد تغيّرت.
سهولة المشي في دبي تتحسّن، لكنها لا تزال رهناً بالمكان الذي تتواجد فيه
لنبدأ بالسؤال البديهي: هل تُعدّ دبي مدينة صديقة للمشاة في 2026؟ ليس على مستوى المدينة ككل. فما زالت دبي غير متجانسة، وقد تبدو المسافات مُربكة أحياناً، ولا تزال مناطق كثيرة أكثر ملاءمة بالسيارة. لكن «سهولة المشي» في دبي لم تعد محصورة في بضعة عناوين متفائلة. فهناك اليوم خطة رسمية لتوسيع مسارات المشاة وربطها ببعضها، وهذا وحده يشير إلى تحوّل حقيقي.
عملياً، تتجلى سهولة المشي في دبي بأفضل صورها حيث يدعمها التصميم العمراني أساساً: الواجهات المائية، والمجتمعات الأكثر خضرة، والمناطق متعددة الاستخدامات، والكورنيشات، والأماكن المصممة حول تنقّلات يومية أقصر. ولهذا أيضاً تبدو فكرة «دبي الصديقة للمشاة» أقرب إلى سؤال يُطرح منطقةً بمنطقة، لا وصفاً يُطلق على المدينة بأكملها. فبعض أجزاء دبي مريحة للمشي، فيما توحي أجزاء أخرى وكأن المشي أُضيف إليها في مرحلة متأخرة من التخطيط.
ومن الأمثلة الجيدة على المناطق المناسبة للمشي: دبي كريك هاربور، الهادئة والمترابطة وسهلة التجوّل، وكذلك جميرا القديمة التي يمكن عيشها شارعاً بشارع، لا عبر مسارات المرور. هذه الأمثلة لا تثبت أن دبي كلها سهلة سيراً على الأقدام، لكنها تُظهر لماذا لم تعد «دبي الصديقة للمشاة» فكرة فارغة.
هل دبي مدينة صديقة للمشاة في 2026؟ الإجابة لا تزال محلية
إذن، هل دبي مدينة صديقة للمشاة في 2026؟ الإجابة الصادقة أنها لا تزال «محلية». فإذا كنتِ/كنتَ تعيشين/تعيش أو تزور «الجيب» المناسب من المدينة، يصبح المشي اليومي أكثر واقعية بكثير مما كان عليه سابقاً. أما إذا كنتِ/كنتَ تعبرين/تعبر مسافات طويلة تقودها السيارة، فتتلاشى هذه الإيجابية سريعاً.
لهذا تبدو «المدن الصديقة للمشاة في الشرق الأوسط» إطاراً أدق من محاولة فرض حكم نعم/لا على دبي وحدها. فالمدن لا تصبح قابلة للمشي دفعة واحدة؛ بل تصل إلى ذلك عبر مسارات مترابطة، ومعابر أكثر أماناً، وظلٍّ أوفر، ومساحات عامة أفضل، وأحياء يكون فيها المشي مفيداً لا رمزياً. ودبي باتت اليوم تضخّ المال والجهد التخطيطي في هذا المسار، لكنه لم يصل بعد إلى المستوى نفسه في كل مكان.
والرغبة موجودة أيضاً. فالحدائق ومسارات الجري في دبي والرياض والدوحة تُظهر مقدار الاهتمام الذي بات السكان يولونه للمسارات والحدائق والحلقات والمساحات الخضراء الصغيرة التي تجعل الحركة على الأقدام تجربة ممتعة. قد لا يكون ذلك تحوّلاً عمرانياً كاملاً، لكنه جزء من التحوّل الثقافي نفسه.
أسهل ما يوضح «قابلية المشي» في المدن السعودية يظهر في الرياض
تصبح فكرة «قابلية المشي» في المدن السعودية أوضح عندما ننظر إلى المشاريع العامة في الرياض. ويُعد «سبورتس بوليفارد» المثال الأبرز، لكنه ليس الوحيد. إذ يسلّط برنامج تطوير الحي الدبلوماسي الضوء على مسارات المشاة، والساحات العامة المتصلة، والمناطق المُنسّقة، وأماكن الجلوس المظللة. كما ركّز «الرياض الخضراء» على تحسين الوصول إلى المساحات الخضراء وربط الأحياء بصورة أكثر فاعلية.
لهذا بات من الأسهل اليوم الإشارة إلى أحياء قابلة للمشي في الرياض مقارنةً بالماضي. ويُعد الحي الدبلوماسي المثال الأكثر وضوحاً، لأنه يمتلك بالفعل ثقافة أقوى للحيّز العام مقارنةً بكثير من أجزاء المدينة الأخرى: الساحات، والمناطق المُنسّقة المظللة، وروابط المشاة عناصر مدمجة في تصميمه وليست إضافة لاحقة. ويمكن الإحساس بالروح نفسها في حصص اللياقة الخارجية في الرياض، حيث ترتبط الحركة في الهواء الطلق والرياضة الاجتماعية بأماكن قادرة فعلاً على احتضانها.
وتكمن أهمية ذلك في أن الأحياء القابلة للمشي في الرياض لم تعد مجرد طموح. صحيح أنها ليست القاعدة على مستوى المدينة كلها بعد، لكنها أصبحت أسهل رصداً وأسهل البناء عليها. وهذا تحوّل لافت في عاصمة ارتبطت طويلاً بالقيادة أكثر من التنزّه.
فوائد المدن القابلة للمشي في الشرق الأوسط واضحة إلى حد كبير
فوائد المدن القابلة للمشي في الشرق الأوسط ليست لغزاً. فالبيئات الحضرية الأكثر ملاءمة للمشي ترتبط باستمرار بمستويات أعلى من النشاط البدني، كما تربط الأبحاث بين قابلية المشي ومكاسب أوسع على صعيد الصحة والتواصل الاجتماعي والاستدامة.
وفي مدن الخليج، تكتسب هذه الفوائد أهمية خاصة لأن المشهد الحضري كان غالباً شديد الاعتماد على السيارات. وعندما تصبح الأحياء أسهل عبوراً سيراً على الأقدام، تكون المكاسب عملية: تبدو المشاوير القصيرة أبسط، ويمكن للحياة الاجتماعية أن تمتد خارج السيارة، ويبدأ الفضاء العام بأداء دور أكبر. وهذا جزء أساسي من سبب تحوّل مدن الخليج إلى مدن أكثر قابلية للمشي من الأساس. فالأمر لا يتعلق بالجماليات وحدها، بل بالصحة وجودة العيش أيضاً، وبجعل الروتين اليومي أقل ارتباطاً بالقيادة في كل مرة.
ثقافة المشي في مدن الخليج تتبلور… ولكن ببطء
فهل تتبلور فعلاً ثقافة المشي في مدن الخليج؟ نعم، لكن بطريقة محددة جداً. فهي تتقدم عبر السياسات العامة، والمشاريع الرائدة، والأحياء الأكثر خضرة، ومناطق بعينها تجعل المشي خياراً منطقياً. لكنها ليست بعد وصفاً شاملاً لدبي أو الرياض أو للخليج عموماً.
لهذا، من الأفضل التعامل مع فكرة المدن القابلة للمشي في الشرق الأوسط بوصفها اتجاهاً قيد التشكل لا نتيجة مكتملة. دبي تضع ثقلاً كبيراً خلف تخطيط المسارات المخصصة للمشاة. والرياض تربط قابلية المشي بجودة الحياة وبمساحات عامة أكثر صحة. لا يزال المناخ يعقّد كل شيء، ولا تزال أجزاء واسعة من نسيج المدينة محسوبة للسيارة. لكن المنطق العمراني يتغير. وحين يبدأ هذا التحول بالظهور في المخططات الرئيسية، والساحات العامة، وشبكات الكورنيشات والمماشي، وفي الروتين اليومي، يصبح من الصعب اعتباره مجرد أمنيات.
:quality(75)/large_getty_images_Eo_Jfqu_Ka4_PA_unsplash_e58ca8ccb3.jpg?size=121.91)
:quality(75)/large_polina_kuzovkova_V_Cwf_O_ogrqs_unsplash_d063f98ff1.jpg?size=114.08)
:quality(75)/large_raimond_klavins_kb_Z5_L_Oy_WTBU_unsplash_2f114c906f.jpg?size=138.9)
:quality(75)/large_glenov_brankovic_fls_Xgo_Po_Iu_Y_unsplash_7472c30500.jpg?size=98.34)
:quality(75)/medium_1_9031ca6151.jpg?size=67.73)
:quality(75)/medium_kateryna_hliznitsova_q_Mb_Mi_J34_VQQ_unsplash_3f0e8b68f6.jpg?size=49.29)
:quality(75)/medium_valeriia_miller_bbxh2rl3_Mv_U_unsplash_8c365b0ebf.jpg?size=66.1)
:quality(75)/medium_karolina_grabowska_Heo_Aaw_GJI_2_A_unsplash_3c1c567bbb.jpg?size=33.22)
:quality(75)/medium_kate_laine_m_Us_Byi_X7r8_A_unsplash_1_1_57ee3e3533.png?size=849.01)
:quality(75)/medium_Frame_1511851240_705ffbf9a7.png?size=183.42)