:quality(75)/large_auaen8auae_206c6d26a5.jpg?size=144.22)
by Sofia Brontvein
حين يتحوّل الفعل إلى فوضى: كيف نتعلّم التوقّف عندما يبدو كل شيء عاجلاً
Image: Gemini x The Sandy Times
حين يصبح العالم فجأةً غير مستقر، يتولد لدى البشر دافع يكاد يكون لا يُقاوَم للتحرّك.
احجزي تذاكر. غيّري الرحلات. راقبي لوحات المطار. اتصلي بشركات الطيران. حدّثي الأخبار باستمرار. تابعي الخرائط. أعدّي خططاً بديلة لكل سيناريو محتمل. خزّني المستلزمات. تحرّكي بسرعة. انتقلي إلى مكان أكثر أماناً. إلى مكان مألوف. إلى أي مكان يبدو أكثر استقراراً من هذه اللحظة.
هذه الغريزة مفهومة. فعدم اليقين يطلق واحدة من أكثر الحالات النفسية إزعاجاً التي يمكن أن يختبرها الدماغ البشري. وعندما نعجز عن توقّع النتائج، يبدأ الدماغ بالبحث عن طرق لاستعادة السيطرة — حتى لو كانت تلك السيطرة في معظمها وهمية.
يسمّي علماء النفس هذا السلوك الانحياز إلى الفعل.
في المواقف غير المؤكدة، يميل الناس غالباً إلى تفضيل القيام بشيء على عدم القيام بأي شيء، حتى عندما لا يُحسّن الفعل نفسه النتيجة بشكل ملموس. وتُظهر دراسات العلوم السلوكية أن الإقدام على الفعل يمنح الدماغ شعوراً مؤقتاً بالسيطرة، ما يخفف القلق على المدى القصير. لكن الحركة الدائمة قد تخلق أيضاً حملاً معرفياً زائداً، فتزيد الإرهاق وتفاقم التقلّب العاطفي.
والمفارقة أن ما يبدو منتجاً قد يكون أحياناً هو نفسه ما يعمّق التوتر.
خلال الأيام القليلة الماضية، عشتُ هذه الديناميكية على نحو يكاد يكون مثالياً.
:quality(75)/large_h893izh893iz_64cd47be85.jpg?size=138.3)
الصورة: Gemini x The Sandy Times
بعد عدة أيام من الاضطرابات في السفر وتبدّل الجداول، وجدتُ نفسي مضطرة إلى خوض معركة لمجرّد انتزاع حقّي في السفر من سان خوان إلى مدريد، بعدما أُلغيَت رحلة الربط الأصلية من مدريد إلى دبي. أرادت شركة الطيران أن أثبت بطريقة ما أنني لا أخطط للبقاء في إسبانيا بقية حياتي. يا له من افتراض منفصل عن الواقع، حين تتحدث إلى شخص مقيم في دولة الإمارات. على أي حال، نجحتُ في إقناعهم وصعدتُ إلى الطائرة. كان ذلك وحده أشبه بانتصار صغير. لكن الوصول إلى مدريد لم يمنحني الهدوء الذي توقّعته. على العكس، اشتدّت غريزة التخطيط.
رحلات جديدة. مسارات مختلفة. شركات طيران بديلة. كل احتمال ممكن للعودة إلى دبي. تحديث الجداول باستمرار. الاتصال بخدمة العملاء. مراسلة روبوتات الدردشة. البحث عن حلول أسرع مما يمكن للوضع نفسه أن يستقرّ.
المشكلة أن الوضع ظلّ يتبدّل. رحلات تظهر ثم تختفي. مواعيد تتغيّر. معلومات جديدة تناقض ما سبقها. وكل محاولة لاستعادة السيطرة كانت تضيف طبقة أخرى من عدم اليقين. وفي لحظة ما، يصبح الإرهاق أمراً لا مفرّ منه.
يصف علماء النفس المعرفي هذه الظاهرة بأنها إرهاق اتخاذ القرار. فعندما يعالج الدماغ عدداً كبيراً من القرارات المعقّدة خلال فترة قصيرة، تتراجع جودة تلك القرارات. تضعف القدرة على ضبط المشاعر، ويتصاعد الإحباط، ويتلاشى الإحساس بالوضوح. وبدلاً من حل المشكلة، يجد العقل نفسه عالقاً داخلها.
هنا تكتسب السكينة قوة غير متوقعة. فالسكينة ليست غياب الفعل، بل هي الامتناع المتعمّد عن التصرّف قبل أوانه.
:quality(75)/large_7unq7q7unq7q7_2ff1474a9c.jpg?size=169.78)
الصورة: Gemini x The Sandy Times
في المواقف التي تتبدّل فيها المتغيّرات بسرعة — مثل جداول الرحلات، والتطورات السياسية، والاضطرابات اللوجستية — غالباً ما يمنحك الانتظار معلومات أكثر مما تمنحه لك خططٌ محمومة. يصبح الوقت نفسه أداة حلّ المشكلات الأكثر كفاءة. ومع ذلك، يبقى الانتظار مرهقاً على المستوى العاطفي.
يفسّر الجهاز العصبي البشري السكون وسط حالة عدم اليقين على أنه هشاشة. فتندفع الغريزة إلى الاستعداد لكل احتمال: تخيّل كل خطر، ورسم كل طريق للهروب، وتوقّع كل تعقيد. لكن حين يكون عدد المتغيّرات المجهولة كبيراً، نادراً ما تفضي تلك المحاكاة الذهنية إلى حلول مفيدة؛ إنها لا تنتج سوى ضجيج. ضجيج يستنزف الطاقة ويبعدك عن التفكير الهادئ.
وفي النهاية أدركت أن هذا بالضبط ما كان يحدث. كنتُ منهكة أصلاً بعد أيام من السفر وترتيبات لا تنقطع، ثم أزيد إنهاكي بمحاولة السيطرة على وضعٍ كان واضحاً أنه يرفض أن يُسيطر عليه.
لم يبقَ سوى ردّ عقلاني واحد: أن أتوقف. أتوقف عن البحث عن رحلات كل خمس عشرة دقيقة. أتوقف عن الاتصال بشركات طيران كانت غارقة أصلاً في الضغط. أتوقف عن التعامل مع كل معلومة جديدة على أنها عاجلة.
وبدلاً من ذلك: راحة. طعامٌ جيد. نوم. أن أتيح للجهاز العصبي أن يستعيد توازنه. وأن أمنح الموقف وقتاً ليتضح قبل اتخاذ القرار التالي.
:quality(75)/large_gzeeoxgzeeox_2104dfeab9.jpg?size=152.4)
الصورة: Gemini x The Sandy Times
من الخارج قد يبدو هذا الخيار استسلاماً أو سلبية. لكنه في الحقيقة يحتاج إلى انضباط.
السكينة صعبة تحديداً لأنها تناقض الغريزة. فهي تتطلب ثقةً بأن ليس كل مشكلة تتحسن عبر فعلٍ فوري. أحياناً لا تتكشف الرؤية إلا بعد أن يهدأ الضجيج.
هذا لا يعني تجاهل الواقع أو رفض التكيّف. بل يعني إدراك الفرق بين الفعل ذي المعنى وبين الحركة المحمومة. الأول يحلّ المشكلات، والثاني يضاعفها.
في لحظات عدم اليقين، غالباً ما تصبح أبسط السلوكيات هي الأصعب ممارسة: أن تتنفّس ببطء، أن تجلس، وأن تتقبل أن مسار الوقت ليس كله تحت سيطرتك.
ومع ذلك، تكون هذه السلوكيات في كثير من الأحيان الأكثر قدرةً على منحك الثبات.
العالم لا يكافئ السرعة دائماً. أحياناً يكافئ الصبر.
وأحياناً تكون الخطوة الأذكى هي تلك التي تبدو الأقل إنتاجية: أن تتوقف، تأخذ نفساً، وتنتظر حتى تتضح الصورة بما يكفي لتتحرك من جديد.
:quality(75)/medium_01_3c2c59626e.jpg?size=99.66)
:quality(75)/medium_rizki_ardia_Ra_L_Pz_D0h_OE_8_unsplash_1_fa6df02493.png?size=137.33)
:quality(75)/medium_annie_spratt_P2j_W_Hm3m1_Nw_unsplash_1_04f9274652.jpg?size=43.87)
:quality(75)/medium_ava_sol_Ni_Ohazj_VVCA_unsplash_1_0fe4b1fbe7.jpg?size=47.28)
:quality(75)/medium_getty_images_qsxh_Ufn_CO_38_unsplash_4c1b7368c1.jpg?size=31.51)
:quality(75)/medium_nuno_alberto_Myk_FFC_5zol_E_unsplash_1_39dcd9bc94.jpg?size=88.68)