image

by Alexandra Mansilla

في عالمٍ من الطيور والزهور والحب: حوار مع مريم هارفاني

نشأت مريم هارفاني في غابة، تحيط بها مياه نهر أراس، والزهور البرّية الحمراء، وأدغال مُغان الكثيفة في شمال غرب إيران. كانت الطبيعة عالمها بأكمله. كانت تتسلّق شجرة التفاح في فناء المنزل الخلفي فقط لتشعر بالهواء والضوء على وجهها، وهي تتمايل مع الأغصان.

في الثالثة عشرة من عمرها، أمسكت بالفرشاة للمرة الأولى وبدأت تتعلّم فن «غُلّ ومرغ» — التقليد الفارسي في رسم «الزهرة والطائر»، وهو أحد فروع المنمنمات الكلاسيكية. لم تكن طالبة مجتهدة في البداية. لكن في يومٍ ما، وقد عقدت العزم على أن تثبت نفسها لمعلّمها، أنجزت رسماً بطول مترٍ ونصف باستخدام أقلام التلوين. ومن هناك بدأت الحكاية.

بعد سنوات طويلة، ما زالت لوحات هارفاني تأسر الأنظار. طيورها تنام وتستيقظ، وأحياناً بلا عيون على الإطلاق. وزهورها تتفتّح على الورق بأطياف لونية لا تختارها بقدر ما تستشعرها. التكوينات مقتصدة — لا تتجاوز ثلاثة أو أربعة ألوان — ومع ذلك تحمل ثقلاً عصياً على التفسير التقني.

تحدّثنا مع مريم عن مصدر ذلك الثقل: عن دوستويفسكي (استمعت إلى «الإخوة كارامازوف» مرتين)، وعن أنها ترسم بأكبر قدر من الحرية حين تكون متألّمة، وعن الصور التي تحملها معها لسنوات قبل أن تسمح لنفسها بتحويلها إلى عمل، ولماذا تختصر كلّ ذلك، بالنسبة لها، كلمة واحدة: الحب.

— مريم، أحببتِ الطبيعة إلى حد أنكِ كنتِ تدرسين دروسكِ وأنتِ جالسة على أشجار التفاح في بيتكم. يبدو ذلك جميلاً! هل تخبرينني أكثر عن تلك الأيام؟

— لعبت الطبيعة دوراً بالغ الأهمية في تشكيل هويتي ومن أكون، لأنني نشأت في غابة، وكانت الحياة في المدينة تبدو مختلفة تماماً عن تلك التجربة. عندما انتقلنا إلى المدينة بسبب المدرسة وعمل والدي، شعرت وكأن جزءاً من ماضيّ، جزءاً من طفولتي، قد تُرك هناك في الغابة. كانت شجرة التفاح في فناء منزلنا الشيء الوحيد الذي يربطني بذلك الماضي ويجعلني أشعر أنني ما زلت غير منفصلة عن الطبيعة.

عندما كنت أتسلّق الشجرة، كان الهواء هناك يبدو أكثر انطلاقاً. أحياناً كانت الريح تحرّك الشجرة، فأتمايل معها. وحين تلامس أشعة الشمس وجهي، كنت أغمض عينيّ، ومع حركة الشجرة كنت أشعر بحرية عميقة وبإحساس لطيف على نحو لا يُصدَّق. كنت أغمض عينيّ وأشعر بالضوء على وجهي، وأحب ذلك الإحساس داخل الحركة الرقيقة التي تصنعها الريح وهي تحرّك الشجرة. لهذا كنت أتسلّقها وأدرس هناك.

حتى الآن، وأنا في الأربعين، كلما رأيت شجرة أشعر كأنني ألتقي أصدقاء قدامى جداً من جديد.

— قضيتِ طفولتكِ محاطة بطبيعة مدهشة — زهور حمراء، ونهر أراس، وأدغال مُغان. هل أثّرت هذه البيئة في فنّكِ؟

— أعتقد أن البيئة أثّرت فيّ بنسبة مئة في المئة. من الصباح حتى الليل، كنت محاطة بالزهور والنباتات والطيور والأشجار، وكانت كل ألعاب طفولتي مرتبطة بعمق بهذا العالم الطبيعي. حتى عندما كنا نريد التأرجح، كنا نذهب إلى وسط نهر أراس، حيث كان والدي قد صنع أرجوحة بربط حبال بين شجرتين. كنا نجلس على الأرجوحة ونتحرّك فوق الماء الجاري — شيء ما زال يبدو سحرياً عندما أفكر فيه اليوم.

كان لوالدي أيضاً تأثير عميق فيّ. فهو خبير متميّز في مجال النباتات، وقد سجّل حتى نبتة باسمه. علّمني أسماء الزهور والنباتات، إلى درجة أنني كنت أستطيع أحياناً أن أغمض عينيّ، وأشم نبتة، وأتعرف تماماً إلى ماهيتها.

— هل كان واضحاً منذ البداية أنكِ ستصبحين فنانة؟

— بصراحة، لم يكن واضحاً تماماً بالنسبة لي منذ البداية أنني سأصبح فنانة. كنت مهتمة بأشياء كثيرة، وما زلت كذلك. لطالما كان لدي شغف بتعلّم شيء جديد، لذلك لم أكن، وأنا طفلة، أستطيع أن أقول بيقين إنني سأصبح فنانة.

لكنني أتذكر أنني كنت منجذبة إلى الرسم منذ سن صغيرة جداً. كنت في الثامنة أو التاسعة تقريباً عندما رسمت خالتي بأقلام التلوين، محاوِلة التقاط كل تفصيلة في وجهها، حتى الشامات الصغيرة على بشرتها.

عندما أعود بذاكرتي الآن، أشعر أن هذا الميل كان يسكنني دائماً. وحتى اليوم، لو كان عليّ أن أختار مهنة من جديد، لاخترت الفن بلا تردد — مهما كان المجال، كنت سأصبح فنانة على أي حال.

image
image
image

— هل هناك من يعمل في الفن من أفراد عائلتك؟

— نعم، لديّ أخت كبرى راقصة ماهرة جداً، ولديّ أيضاً أخ أصغر موسيقي بارع. في الواقع، كلاهما ناشطان في المجال الفني، ونحن الثلاثة نمارس الفن بطرق مختلفة.

— استلهمتِ من التقليد الإيراني في لوحات «الزهرة والطائر (Gol-o-Morgh)». هل تتذكرين متى صادفتِها للمرة الأولى؟ وما الذي أسركِ فيها أكثر؟ وماذا شعرتِ؟

— تعرّفت إلى هذا الفن في نحو الثالثة عشرة من عمري. في مدينتنا كان هناك أستاذ ممتاز يُدعى Seyed Reza Najafi، وهو حتى اليوم فنان متمكن للغاية. اصطحبتني والدتي إليه. أتذكر أنني كنت في ذلك الوقت كثيرة اللعب ولم أكن أرغب حقاً في حضور الدروس، لأن هذا الفن بدا لي صعباً. لكن أستاذي، بلطف كبير وصبر، أبقاني منخرطة في الدروس، وكان أحياناً يأتي إلى منزلنا ليرى أعمالي.

وبصراحة، لم أكن طالبة جيدة لديه إطلاقاً، لكنه بذل جهداً كبيراً في تعليمي. وفي يومٍ ما، ولأثبت له أنني تعلمت ما علّمني إياه، أنجزت رسماً كبيراً بحجم مترٍ ونصف تقريباً في متر واحد باستخدام أقلام التلوين، وخرجت النتيجة رائعة. ما زلت أحتفظ بتلك القطعة، بل إن إحدى صديقاتي علّقتها على جدار منزلها.

كانت تلك بداية طريقي. فهذا الفن أحد فروع المنمنمات الفارسية، وقد مارست مجالاته المختلفة، بما في ذلك التذهيب (Tazhib)، والتشعير (Tash’ir)، و«الزهرة والطائر (Gol-o-Morgh)»، والمنمنمة نفسها. لكنني في النهاية شعرت أن روحي أقرب بكثير إلى «الزهرة والطائر»، وفي هذا المجال تحديداً أدركت أنني قادرة حقاً على تطوير بصمتي الفنية الخاصة.

— أعلم أنكِ تستمعين إلى الكتب الصوتية لساعات أثناء الرسم، ولا سيما أعمال فيودور دوستويفسكي. لماذا كتبه تحديداً؟

— دوستويفسكي يترك أثراً عميقاً في داخلي بسبب عمق فلسفته. فهو يقدّم كل شيء بطريقة طبقية ومتعددة الأبعاد، ويشدّك إلى التاريخ كما إلى تعقيدات العقل البشري. وهو يختبر إدراكك للأشياء باستمرار، ويوقظ فيك إحساساً دائماً بـ«لماذا» و«كيف».

كما أن قوته في بناء الشخصيات ملهمة جداً بالنسبة لي؛ فالدقة والتفاصيل التي يشكّل بها شخصياته تجعلها تبدو حيّة تماماً. ومن أهم تجاربي قراءة The Brothers Karamazov. كانت عميقة وجميلة إلى حد أنني توقفت في منتصفها وعدت لأبدأها من جديد. وحتى بعد أن أنهيتها، ظللت غارقة في أجوائها وشخصياتها لفترة طويلة.

بالنسبة لي، كتابة دوستويفسكي مزيج فريد من الفلسفة وعلم النفس والأدب؛ نفاذٌ إلى الروح الإنسانية يظل يرافقني.

image
image
image

أعمال فنية لمريم هارفاني

— سبق أن قلتِ: «أحياناً ما أتركه بلا تلوين يحمل ثقلاً أكبر». هل يمكنكِ أن تذكري لنا أمثلة على أعمال من هذا النوع؟ ولماذا تحمل معنى أعمق؟

— أحياناً تتشكّل صورة في ذهني، لكنها لا تكون جاهزة بعد لأن تولد. هذه الحالة غير المكتملة تُبقي ذهني في انشغال دائم—أتساءل متى وكيف ينبغي أن ترى النور. لا أفرضها أبداً ولا أحاول خلقها قبل أوانها، لأنني أؤمن أنه عندما تحين اللحظة ستنساب تلقائياً على الورق.

ولهذا أقول إن ما لم أرسمه يحمل ثقلاً أكبر، لأنه يبقى معي ويشدّني باستمرار إلى أسئلة: لماذا، ومتى، وكيف سيتخذ شكله.

— ما الذي تأملين أن يشعر به الجمهور عندما ينظر إلى أعمالك؟

— الشيء الوحيد الذي يهمني هو أن يتمكّن المشاهد، حين ينظر إلى عملي، من رؤية جزء من نفسه فيه؛ أن يستيقظ في داخله شيء ما، شيء ربما لم يلتفت إليه من قبل.

— في بعض أعمالك تبدو الطيور نائمة، وفي أعمال أخرى تبدو مستيقظة. لماذا؟

— وأحياناً لا تكون لها عيون أصلاً! هذا الاختيار نابع من فكرة أن كل طائر يحمل طابعه الخاص، وأن هذه التفاصيل تتحول إلى نوع من لغة الجسد. للعين دور قوي في التعبير عن المشاعر، لذلك أختار هذه التنويعات بحسب الفكرة التي أريد إيصالها. بالنسبة لي، العين نافذة الروح، ولهذا أقرر بعناية إن كنت سأُظهرها، أو أُغمضها، أو أستبعدها تماماً.

image
image
image

أعمال فنية لمريم هارفاني

— كيف تختارين ألوانك؟ وهل تحمل دلالات محددة بالنسبة لكِ؟ وما الذي يؤثر في اختياراتك اللونية؟

— عندما أُنجز عملاً فنياً، أستسلم له تماماً وللإحساس الذي يرافقني في تلك اللحظة. غالباً لا أقرر مسبقاً أي لون سأستخدم؛ بل هناك شيء في داخلي يقودني نحو لون بعينه. هذه العملية حدسية بالكامل، وليس من السهل عليّ شرحها.

ما إن أختار لوناً واحداً حتى تتبعه الألوان الأخرى بشكل طبيعي، واحداً تلو الآخر. وفي الوقت نفسه، أميل إلى العمل بلوحة ألوان محدودة، عادةً ثلاثة أو أربعة ألوان. بالنسبة لي، الإبداع ضمن هذه الحدود يحمل معنى ويبعث على الإلهام في آنٍ واحد.

— كيف بدأت شراكتك مع Starbucks؟ لقد أنجزتِ ثلاث أعمال فنية لثلاث دول مختلفة—هل تخبرينني المزيد عنها؟ ولماذا تبدو على هذا النحو؟ وما الدلالات التي ضمّنتِها في كل عمل؟

— كان لي شرف التعاون مع Starbucks. بدأت هذه الشراكة برسالة بريد إلكتروني من مكتبهم في الولايات المتحدة، وبعد مكالمة عبر الفيديو طُلب مني ابتكار أعمال فنية لثلاث دول مختلفة. كان عليّ أن أبحث في نباتات القهوة في تلك الدول، وكذلك الطيور المحلية في المناطق التي تُزرع فيها القهوة.

انطلاقاً من هذا البحث ومن قراءتي الشخصية، بدأت بتطوير الأفكار. أنجزت عدة اسكتشات أولية، تم اختيار بعضها، ثم مُنحت حرية متابعة العملية. في هذه الأعمال، أعدتُ تقديم الطيور المحلية لكل بلد بأسلوبي الفني الخاص، لأصنع صلة بين الطبيعة والقهوة ولغتي البصرية.

كانت تجربة تعاون إيجابية جداً، وأنا سعيدة حقاً وراضية عن هذه التجربة.

image
image
image

تعاون مع Starbucks

— أشعر أن كثيراً من أعمالك تدور حول الحب. لماذا؟ هل ينبع ذلك من تجربة شخصية أم من شيء آخر؟

— نعم، تماماً. أحاول بوعي أن أُدخل الحب إلى عملي. أشعر أن العالم في حالة تبادل مستمرة؛ كل شيء قائم على الأخذ والعطاء. وضمن ذلك، لطالما راودتني رغبة في تقديم الحب، كأنني أريد أن أقدّمه هدية للجميع.

بالنسبة لي، جوهر الحياة يختزل في الحب. لذلك أفكر فيه بعمق وأدرسه من زوايا مختلفة، من الرومي إلى فرويد وإريك فروم وغيرهم من المفكرين. وقد تركت هذه الرؤى أثراً بالغاً في الطريقة التي أرى بها العالم.

مفهوم «الحب» واسع ومتعدد الطبقات بالنسبة لي إلى حدّ أشعر معه أنني قد أقضي حياتي كلها وأنا أبدع أعمالاً تتمحور حول هذه الفكرة وحدها.

image
image
image

— أؤمن بأن معظم الفنانين ينجزون أعمالهم لسبب ما. هل يمكنكِ مشاركة القصة وراء بعض قطعك؟ لماذا صنعتِها؟ وهل كانت هناك أحداث معيّنة في حياتك ألهمتك؟

— إن كنتُ صادقة، فأمر واحد يمكنني قوله عن نفسي: إنني أبدع بسهولة أكبر حين أكون تحت ضغط عاطفي، عندما تبدو الحياة صعبة، حين أمرّ بألم أو أتعامل مع توتر خارجي. في تلك اللحظات تتحرك يدي وكأنها بلا عناء، وتتدفق الأفكار تلقائياً إلى الرسومات الأولية.

أما عندما تكون الحياة هادئة وسهلة، فأجد غالباً أنني لا أملك الكثير لأبدعه.

— كيف تطوّر فنك على مرّ السنوات؟ وهل كانت هناك مراحل واضحة في رحلتك الفنية؟

— إلى حدّ كبير، نعم. عندما يبدأ الإنسان طريقه، يمرّ بطبيعة الحال بتجارب جديدة على طول الطريق، وينمو، ويتأثر بما يراه ويقرأه ويعيشه. وكل ذلك يسهم في تطوّر الشخص على المستوى الداخلي والذاتي.

وبالنسبة للفنان، تكون هذه العملية أعمق، لأن العمل يخرج مباشرة من الداخل. ما يغذّيه الإنسان في داخله هو ما يفيض إلى الخارج في النهاية. لذلك تطوّر فني بالتوازي مع نموي الداخلي.

وإذا كان عليّ أن أشير إلى لحظة بعينها، فقبل نحو عشر سنوات كانت نقطة تحوّل بالنسبة لي. قبل ذلك كنتُ في الغالب أتدرّب وأتعلّم وأتبع أساليب قائمة. لكن منذ ذلك الوقت اتّضح مساري الخاص، وبدأتُ أصوغ الأسلوب الذي أراه اليوم لغتي الفنية الشخصية.