image

by Barbara Yakimchuk

في قلب مؤسسة الشارقة للفنون: أبرز ما يمكن مشاهدته الآن

هناك أشياء قليلة يظل الناس يتوقون إليها بصمت: نوم هانئ، وطعام طيب، وفن جميل. الأولى مسؤوليتك. والثانية — نساعد فيها أحياناً (ألقي نظرة على أدلتنا). أما الثالثة؟ حسناً، قد يكون لدينا ما يناسبك.

لنبدأ من البداية: «آرت دبي» بات على الأبواب. لكن قبل ذلك — وحتى بعده — يجدر التذكير بأن الشارقة تظل واحدة من أكثر الوجهات ثراءً للفن في المنطقة، خصوصاً إذا كنت تبحث عن تجربة أكثر تأملاً وعمقاً.

اعتبر هذا تمهيداً دافئاً لـ«آرت دبي» — طريقة للدخول في الأجواء قبل أن تتسارع الوتيرة. وتمهيداً ممتازاً أيضاً، إذ تقدّم مؤسسة الشارقة للفنون حالياً عدداً من المعارض التي تستحق وقتك فعلاً.

إليك إذاً: ثلاثة معارض يمكنك زيارتها في المؤسسة هذا الشهر، مع بعض الإضاءات من القيّمين لمساعدتك على استكشافها.

Jorge Tacla: Time the destroyer is time the preserver

حتى 7 يونيو

Time the Destroyer is Time the Preserver يجمع طيفاً واسعاً من الأعمال في مؤسسة الشارقة للفنون — ثمانية فصول، وأكثر من 170 عملاً، وممارسة فنية تمتد عبر عقود.

العنوان وحده يضعك على المسار الصحيح. وهو مقتبس من ت. س. إليوت، ويدور حول الدمار والعنف والمقاومة — لا بوصفها أحداثاً تمضي فحسب، بل كأثر يبقى ويلازمنا. يضم المعرض أعمالاً أنجزها تاكلا على مدى أكثر من 40 عاماً، من الثمانينيات وصولاً إلى عشرينيات هذا القرن، واضعاً إياها جنباً إلى جنب كي تتحاور لحظات مختلفة مع بعضها — بدلاً من أن تُعرض في تسلسل زمني مرتب.

وعلى الرغم من تنظيم المعرض في ثمانية فصول، فإنه لا يتبع خطاً زمنياً مستقيماً. ويعود ذلك جزئياً إلى طريقة تاكلا في العمل — فأعماله لا تستجيب مباشرةً لحدث واحد مُفجِّر، بل تتكشف مع الوقت. لطالما اشتغل على أكثر من مجموعة أعمال في آن واحد، وغالباً ما يعود إلى الموضوعات نفسها من زوايا متعددة. لذا جاءت بنية الفصول الثمانية اقتراحاً من قيّمي مؤسسة الشارقة للفنون — أقلّ بوصفها كرونولوجيا صارمة، وأكثر كخريطة للتنقل بين هذه الأفكار المتكررة.

«لا أبتعد عن صدمات الطفولة المبكرة؛ بل أتعامل معها بوصفها عودةً إليها، لكن بأدوات جديدة ورؤى أعمق». — Jorge Tacla
image

ما الذي يتضمنه تحديداً؟

يفتح كل فصل من الفصول الثمانية على خيط مختلف ضمن ممارسة خورخي تاكلا الفنية— ليست أقساماً منفصلة، بل أفكاراً تسير جنباً إلى جنب.

يتنقّل أحد هذه الخيوط بين البيئي والاجتماعي والسياسي.

في الفصلين الأولين، يتجه تاكلا إلى مناظر طبيعية مثل Atacama Desert— إحدى أكثر بقاع الأرض جفافاً، وتبدو للوهلة الأولى شبه خالية. لكن الصحراء هنا ليست مجرد خلفية طبيعية؛ إنها تتحول إلى مساحة سياسية. يستخرج تاكلا طبقات تاريخها المتراكمة، بما في ذلك صلتها بالانقلاب العسكري التشيلي عام 1973، حين استُخدمت أجزاء من هذا المشهد، بعد الإطاحة بسلفادور أليندي، لدفن المختفين— لإخفاء ما أراد النظام محوه.

ويعود إلى هذه المرحلة بصورة أكثر مباشرة في Injury Report (الفصل الرابع)، وهو أحد المحاور الأساسية في تجربته. وبدلاً من عرض العنف بشكل صريح، تتكئ السلسلة على لغة السجلات الرسمية— ملفات المستشفيات ووثائق الشرطة— لتصنع نبرة سريرية تكاد تكون بيروقراطية، تلمّح بهدوء إلى ما تحمّله الناس.

image

في الفصل الأخير، يتجاوز تاكلا حدود تشيلي، متتبعاً مواقع الصراع والكارثة عبر جغرافيات متعددة — حلب، بيروت، غزة، إلى جانب مناطق ضربتها الزلازل في هايتي واليابان. لا تُقدَّم هذه الأمكنة بوصفها أحداثاً منفصلة؛ بل تبدأ بالتداخل حتى تبدو كأنها تجربة مشتركة — حالة أوسع من الانكسار، ومسار إعادة إعمار بطيء وغير متكافئ.

ملاحظة شخصية:

أحببتُ المعرض ككل، لكن الجزء الذي ظل عالقاً في ذهني أكثر من غيره كان في القاعة 2 — الفصل الخامس، تشريح عُسر القراءة. وعلى خلاف الفصول الأخرى المرتبطة بأحداث بعينها، ينقل هذا الفصل التركيز إلى حالة بعينها — وبذلك يكشف بهدوء عن أمر جوهري في الطريقة التي يعمل بها فنّ تاكلا.

يبتعد هذا القسم عن الأعمال واسعة النطاق ليدخل إلى مساحة أكثر حميمية بكثير: دفاتر خورخي تاكلا. ليست رسوماً تخطيطية بالمعنى المعتاد، بل أقرب إلى طقس يومي — شيء يعود إليه مراراً. يتحدث عنها تقريباً بوصفها نوعاً من «الفلتر». طريقة للتعامل مع كل ما ينهال علينا باستمرار — أخبار، صور، أحداث — ذلك الضجيج المتواصل الذي نعبره من دون أن نستوعبه حقاً.

هنا يأتي دور عُسر القراءة. ليس بالمعنى السريري، بل من حيث كيفية معالجة المعلومات — على نحو غير متساوٍ، ومجزّأ، وليس من السهل دائماً جمعه في صورة واحدة. تبدأين في رؤية هذه الآثار في الرسومات: الأشياء لا تستقر تماماً، ولا توجد حكاية واحدة يمكن تتبّعها، وكل شيء يظهر على هيئة أجزاء لا ككلّ مكتمل.

عند تلك النقطة، تتوقف الدفاتر عن أن تبدو مادةً هامشية، وتبدأ في التمركز في قلب العمل. فهي تتيح فهماً لكيفية تلقّي تاكلا لما يحدث حوله، وكيف يتعامل مع التدفق المستمر للمعلومات.

image

بين اليابسة والماء: أعمال من مجموعة مؤسسة الشارقة للفنون

حتى 31 مايو

الموقع: مصنع ثلج كلباء

يعكس العنوان إلى حدّ كبير جوهر الأعمال المعروضة في هذا المعرض، لكنه يحتاج إلى قدرٍ من السياق — وها هو. في اللغة الملايوية، تجمع كلمة «الوطن» — tanah air — حرفياً بين «الأرض» و«الماء». ليست مجرد استعارة شاعرية؛ بل تعيد بهدوء تشكيل فكرة الانتماء بأكملها. وهذا تحديداً هو الإحساس الذي يتركه المعرض.

عبر أعمال تسعة فنانين، يمتد خيطٌ هادئ يربط كل شيء. ومن خلال هذه الصلة بين اليابسة والماء، يستكشفون أوطانهم من زوايا متعددة — ثقافية واقتصادية وعاطفية.

ما الذي ستجدينه هناك تحديداً؟

يتكوّن المعرض من مقاربات متعددة، إذ يختار الفنانون النظر إلى اليابسة والماء من منظور بلدانهم الأصلية. إليك بعض الأمثلة:

  • Plate it with Silver يتوقف طويلاً عند مضيق هرمز وأنماط العيش التي تشكّلت حوله. ويتنقّل بين البُنى الاجتماعية الأوسع — التجارة، الحركة، الروابط بين الدول — وبين التفاصيل اليومية الصغيرة: الصيد، الانتظار، والجلوس ببساطة على الشاطئ.
  • Beroana IV يستكشف الأنظمة الاقتصادية عبر بابوا غينيا الجديدة، متتبعاً التاريخ الطويل لعملة الأصداف — التي استُخدمت يوماً كوسيلة للدفع، وفي الوقت نفسه كغرض للزينة والحُلي. ويقف العمل في منطقة وسطى بين هذه الدلالات الثلاث، مذكّراً بلطف بأن «القيمة» لم تكن دائماً على الصورة التي نعرفها اليوم.
  • False Flags يجمع أعلاماً صُنعت من شباك الصيد. تكاد تكون شفافة، وتحتفظ بشكلها بالكاد — أقل ارتباطاً بدولة بعينها، وأكثر التصاقاً بالسرد الذي يبنيه الفنان. كأنها ترفض أن تتحوّل بالكامل إلى رموز.

لا يحاول أي عمل هنا أن يمنحك إجابة نهائية. الفكرة أقرب إلى التأمل في تلك المساحة «الوسطى» — حيث تلتقي اليابسة بالماء، وحيث لا يكون الانتماء أبداً شيئاً واحداً فقط.

لقاءات فوتوغرافية على امتداد سواحل الخليج

كلما وجدت نفسك في مؤسسة الشارقة للفنون، ثمة معرض واحد حاضر دائماً، وهو لقاءات فوتوغرافية على امتداد سواحل الخليج.

يضم المعرض 165 صورة فوتوغرافية ووثائق أرشيفية من مجموعة صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، ويمنحك انغماساً نادراً في المنطقة — انغماساً يبدو، من دون سبب واضح، أنه لا ينال دائماً ما يستحقه من تقدير.

يجمع المعرض صوراً تعود إلى أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين. وتتبع هذه اللقطات سواحل الخليج العربي والمحيط الهندي، لتوثّق لحظة زمنية صاغتها التجارة والحركة والثقافة والمعتقد.

ولا تزال كثير من الصور غير موثّقة بالكامل — إذ لا تُعرف دائماً هوية المصوّرين بدقة، ولا تواريخ الالتقاط ولا المواقع. لذلك، تبدو الجولة في المعرض أقل شبهاً بمشاهدة تاريخ مُحكم، وأكثر قرباً من جمع شذرات متناثرة — كتحقيق هادئ يكشف تفاصيله على مهل.

ما الذي ستجدينه هناك تحديداً؟

يتنقّل المعرض بين طيف واسع من الموضوعات، لكن ثمة أموراً قليلة بقيت عالقة في ذهني:

  • صور تتمحور حول اقتصاد الغوص على اللؤلؤ — وتمنح لمحات عن عالم كان قائماً قبيل تحوّل الخليج إلى مستقبل تقوده صناعة النفط.
  • صور تتمحور حول الموانئ والحياة البحرية، وتكشف مدى عمق الترابط الذي عرفته المنطقة دائماً — لا بوصفها معزولة، بل جزءاً من شبكة أوسع شكّلها البحر.
  • ثم تلك الصور الأكثر خفوتاً — بورتريهات تُبنى فيها المكانة عبر الأشياء: الأقمشة، الأدوات، الأثاث.