image

by Arfa Shahid

عوالم الأوردية في دبي: لغة تُسمَع في كل مكان ولا تُرى إلا نادراً

Source: Ishara Art Foundation. Photo: Ismail Noor/Seeing Things

ثمة مفارقة خاصة تحيط باللغة الأردية في دبي. فهي من أكثر لغات المدينة حضوراً في الفضاء العام — نسمعها في سيارات الأجرة، والكافتيريات، ومواقع البناء، والصالونات، وغرف معيشة العائلات، وبقالات آخر الليل — لكنها نادراً ما تحظى بالحضور الفكري والثقافي الذي تحتله داخل تقاليدها الأدبية. عوالم الأردية، في مؤسسة إشارة للفنون ينطلق من هذا التوتر. فهو ليس معرضاً عن الطلاقة اللغوية بقدر ما هو عن القرب: ماذا يعني أن نعيش بمحاذاة لغة تشكّل الحياة العاطفية لمدينة، بينما تبقى على هامشها الاجتماعي.

بتقييم فني من حمّاد نصّار، يجمع المعرض أعمال زارينا وعلي كاظم تحت فكرة الأردية بوصفها لغة تصنع عوالمها. الإطار طموح لكنه متزن؛ فبدلاً من اختزال الأردية في التراث أو الحنين، يتعامل المعرض مع اللغة كبنية تحتية — كشيء يبني الذاكرة، والألفة، والهجرة، والانتماء.

في دبي، يكتسب هذا الطرح وقعاً استثنائياً. فالأردية جزء أساسي من تشكّل دولة الإمارات، لكنها نادراً ما تُمنح حضوراً مؤسسياً خارج استخدامها الوظيفي. لذلك يصعب تجاهل دلالة أن يكون «عوالم الأردية» أول معرض فني معاصر في دولة الإمارات مخصصاً لهذه اللغة. فالتأخر بحد ذاته يقول الكثير عن تراتبية اللغات ثقافياً في الخليج.

image

المصدر: مؤسسة إشارة للفنون. الصورة: إسماعيل نور/Seeing Things

بين المقروئية والغموض

يبلغ المعرض أقصى قوته حين يمتنع عن الإفراط في شرح الأوردية لغير الناطقين بها. ويبقى عمل زارينا الوطن مكان غريب المركز الوجداني للمعرض، تحديداً لأنه يثق بالمشاهد ويترك له مساحة للتعايش مع فهم جزئي. تجمع طبعاتها الخشبية بين كلمات أوردية وأشكال بصرية مقتضبة: «مطر»، «عبير»، «جدار»، «لغة». لدى الناطق بالأوردية، تستدعي هذه الكلمات فوراً إدراكاً لعمقها الوجداني. أما لغير الناطق بها، فهي ليست زخرفية تماماً؛ إذ يمكن تلمّس معمارها العاطفي. هنا تتحول الأوردية إلى مادة تُحسّ أكثر مما تُقرأ. تشعر بثقلها قبل أن تفك شيفرتها.

يتخلل هذا التوتر بين المقروئية والغموض المعرض بأكمله. وتبدو سلسلة زارينا أمثال أوردية حادة على نحو خاص في مقاربة هذه النقطة. فالأمثال من أصعب ما يُترجم، لأنها تختزن داخلها عوالم اجتماعية كاملة: الطبقة، والفكاهة، والإيقاع، وحسّ التوقيت، والحكمة المتوارثة. يدرك المعرض أن الترجمة ليست مسألة لغوية فحسب، بل ثقافية أيضاً. وبدلاً من تسطيح هذه الأقوال في نص شارح، تترك الطبعات الفجوة بين اللغات مرئية.

image

زارينا، عشر طبعات خشبية لزارينا: مستوحاة من أمثال أوردية (1991)

اللغة بوصفها مشهداً طبيعياً

تعمل أعمال علي كاظم بمنطق مختلف. ففي مقابل نزوع زرينة إلى التكثيف، يميل كاظم إلى التراكم. تبني لوحاته وأعماله الحفرية علاقات كثيفة بين المشهد الطبيعي والذاكرة واللغة. يتعامل كاظم مع المشاهد الطبيعية كبُنى لغوية. الغبار، الأطلال، أكوام الشظايا الأثرية، الطيور، أوراق النباتات — تتحول كلها إلى أشكال من الكتابة. ويُعد عمله الضخم Tteela من أقوى أعمال المعرض لأنه يستوعب التاريخ بوصفه مادة محسوسة. فالشظايا المتناثرة على الورق تبدو أقل رمزية وأكثر ترسّباً، كما لو أن اللغة نفسها دُفنت ثم نُقّبت عبر الأجيال.

وبالنسبة إلى من يتحدث الأوردية كلغة أم، تتحول هذه اللحظة إلى مواجهة مع الذات: إلى أي مدى ما زلنا متمسكين بلغتنا؟ هل تواصل حضورها معنا كما كانت مع الجيل السابق، أم أنها آخذة في التلاشي؟

image

علي كاظم، Tteela (2025). المصدر: مؤسسة إشارة للفنون. الصورة: إسماعيل نور/Seeing Things

مخاطر خطاب الصون

ثمة لحظات ينزلق فيها التأطير القيّمي إلى خطاب الصون المألوف؛ أي النظر إلى اللغات الأصلية بوصفها أوعيةً للأصالة مهددة بالاندثار. فمن جهة، تُثري غرفة القراءة في الطابق النصفي البعد الأدبي للمعرض، وتضع اللغة الأردية ضمن تقاليد فكرية أوسع.

ومن جهة أخرى، ينطوي ذلك على خطر تحويل المعرض إلى أرشيف للرقي الثقافي، بدلاً من أن يكون مواجهة مع الحياة المعاصرة المتشابكة للغة نفسها. فإدراج الكتب والأمثال يعزز فكرة المعرض على المستوى المفاهيمي، لكن المكان يبدو أحياناً… مهيباً أكثر مما ينبغي لجمهور يُرجّح أنه تعلّم اللغة في منطقة معلّقة بين ثقافات ثلاث.

image

المصدر: مؤسسة إشارة للفنون. الصورة: إسماعيل نور/Seeing Things

من لغة الخدمات إلى الشعر

في دبي، حيث تترسخ الأردية بعمق في المشهد الصوتي للمدينة، يطرح معرض «عوالم الأردية» سؤالاً محورياً: من يُتاح له أن يصغي إلى هذه اللغة بوصفها تجربة جمالية لا مجرد وسيلة لإنجاز المعاملات؟ ومن يستطيع أن يختبر الأردية كشعر لا كلغة خدمات؟ يقترب المعرض من هذه الأسئلة على نحو غير مباشر، لكن الإطار المؤسسي في «إشارة» يحوّل لغة طالما ارتبطت في الخليج بالخدمات إلى موضوع للتأمل.

لعل أعظم إنجازات المعرض أنه يمنح الأردية، ببساطة، تلك الجدية التي تُخصَّص عادةً للغات المهيمنة عالمياً. لا باعتبارها خطاً غرائبياً أو إرثاً مشبعاً بالحنين، بل كبنية حيّة يفهم الناس من خلالها معنى الوطن والاقتلاع والتاريخ. وفي مدينة قامت على لغات متداخلة نادراً ما تلتقي على قدم المساواة، تكتسب هذه اللفتة أهميتها.

image

المصدر: مؤسسة إشارة للفنون. الصورة: إسماعيل نور/Seeing Things

الأردية خارج نطاق الحضور المؤسسي

اتجهت دولة الإمارات في الآونة الأخيرة إلى تعزيز مكانة العربية بوصفها اللغة الأبرز في المؤسسات العامة والثقافية. وفي هذا السياق، لا يُقرأ معرض «عوالم الأردية» بوصفه موقفاً معارضاً أو تعليقاً مباشراً، بل كتذكير موازٍ بأن لغات أخرى، حاضرة على نطاق واسع في البلاد، تحمل بدورها تواريخ فكرية وفنية معقّدة تبقى خارج دائرة الحضور المؤسسي.

ومع ذلك، يبقى أكثر ما يميّز المعرض هو عنايته بالمقياس؛ لا من حيث الحجم المادي للأعمال فحسب، بل أيضاً بما يكشفه المقياس عن اللغة نفسها. تبدو أعمال زارينا حميمة ومقتصدة، وتكاد تكون معمارية في سكينتها، فيما تأتي أعمال كاظم رحبة ومتعددة الطبقات وكثيفة مادياً. وبين التجربتين، يقدّم المعرض تصورين مختلفين للأردية: أحدهما يكثّف المعنى في صيغة وجدانية مصفّاة، والآخر يوزّعه على امتداد المكان والجغرافيا والزمن. ولا يختزل أي منهما في أطروحة واحدة، وفي هذا الحيّز غير المحسوم تحديداً يظل المعرض في ذروة حيويته.

image

المصدر: مؤسسة إشارة للفنون. الصورة: Ismail Noor/Seeing Things

ما يحمله المتحدثون معهم إلى المستقبل

هذا التوتر شخصي واجتماعي في آن واحد. فكثير من المجتمعات الناطقة بالأوردية، ممن وُلدوا ونشأوا في الإمارات، يعيشون يومياً حالة من التنقّل بين اللغات؛ بين الأوردية في البيت، والإنجليزية أو العربية في الفضاءات العامة والمهنية، بوصف ذلك وسيلة للانسجام مع توقعات الطلاقة والانتماء. بهذا المعنى، تصبح اللغة شيئاً يُعاد ضبطه طلباً للقبول، لا مجرد وسيلة للتعبير. يعيد معرض «عوالم الأوردية» توجيه الانتباه، على نحو غير مباشر، إلى هذه المساومة، وإلى ما يُفقد تدريجياً حين تُدفع اللغات الأم باستمرار إلى حضور أقل وضوحاً. ومن بين الدلالات اللافتة في المعرض أن صون اللغة يبدأ من المتحدثين بها أنفسهم.

يدعو «عوالم الأوردية» المشاهد إلى التأمل في معنى العيش بمحاذاة لغة تُسمع على نطاق واسع لكنها لا تحظى بالاعتراف بالقدر نفسه، وإلى إدراك أن هذا الاعتراف لا يعتمد دائماً على المؤسسات وحدها، بل أيضاً على المتحدثين أنفسهم حين يحافظون على عمق عوالمهم اللغوية.

يُقام معرض «عوالم الأوردية» في مؤسسة إشارة للفنون حتى 8 يونيو 2026.