image

by Barbara Yakimchuk

فنانون من الشرق الأوسط والجدّات اللواتي شكّلن ملامحهم

أحبّ استكشاف ما الذي يدفع الفنانين — فالدوافع وراء أعمالهم نادراً ما تكون واضحة، وغالباً ما تأتي على طبقات من الحكايات الشخصية والأفكار التي تتشكّل على مدى سنوات. وما الأجمل من تتبّع تلك الإلهامات عبر الأجيال؟

وغالباً ما يعود الأمر إلى الجدّات — أولئك اللواتي يمنحن حباً ثابتاً وغير مشروط، ويكرّسن بصمت جزءاً كبيراً من حياتهن لأحفادهن، ويشاركن ذكريات عن عالم لا نعجز فقط عن تذكّره — بل بالكاد نستطيع تخيّله.

لا تزال جدّتي حاضرة في ذاكرتي وهي تحكي لي كيف كانت تطرد الأفاعي بعد المدرسة، وتسرق البيض من الدجاج لتبادله بالحلوى. يبدو ذلك اليوم شبه غير معقول، لكن ربما لهذا السبب تحديداً بقيت تلك القصص عالقة.

ومن هنا سننطلق — إلى حكايات كهذه، تُحمل عبر الأجيال وتجد طريقها إلى أعمال فناني الشرق الأوسط. هيا بنا.

Sara Al Abdali

Sara Al Abdali فنانة سعودية معاصرة تستلهم أعمالها غالباً من الذاكرة الشخصية والهوية المحلية — لكن في هذه الحالة تحديداً، يعود كل شيء إلى ما هو أكثر خصوصية: جدّتها.

ومن أكثر الأعمال المحورية المرتبطة بها Maqboula، وهو عمل أنجزته بعد شهرين فقط من رحيل جدّتها — تحية هادئة، تكاد تكون عفوية.

وما يجعل العمل آسراً على نحو خاص أنه لم يبدأ بهذه النية. فقد شرعت في الأصل برسم الطائف، المدينة التي وُلدت فيها جدّتها. لكن في مكان ما خلال العملية، تبدّل المسار — صار الأمر أقل ارتباطاً بالمكان، وأكثر التصاقاً بالشخص. أو بالأحرى، أدركت أنهما لم يكونا منفصلين يوماً: «بدأت أدرك تدريجياً أنها كانت الطائف الوحيدة التي أعرفها»، تقول سارة.

في النسخة النهائية من العمل، تظهر الجدّة حضوراً مباشراً ورمزياً في آن — على هيئة «السيمرغ»، الطائر الأسطوري في التقاليد الفارسية والصوفية المرتبط بالروح والتحوّل. وكما تصفه سارة، تصبح Maqboula «سيمرغاً يجوب سماء بلدتها الخضراء التي لطالما اشتاقت إليها»، ليتحوّل العمل إلى ما يتجاوز الذاكرة — طريقة لتركها موجودة في مكان آخر.

تقوى النقبي

Taqwa Al Naqbi فنانة إماراتية قدّمت مشروعاً شديد الخصوصية أهدته إلى جدّتها، ضمن متطلبات تخرّجها من كلية الفنون الجميلة في جامعة الشارقة.

بدأت الفكرة من لحظة يومية بسيطة جداً. كانت تقوى محاطة ببنات وأبناء إخوتها، فتترك لهم مساحة للرسم— لتكتشف أن أعمالهم جاءت تجريدية على نحو غير متوقّع، لكنها مشحونة بالمعنى، وكأنها لغتهم الخاصة. عندها تساءلت كيف يمكن لشخص من جيل مختلف تماماً أن يتعامل مع الفعل نفسه.

وهكذا قادها فضولها إلى جدّتها.

وبما أنها لا تقرأ ولا تكتب، منحتها تقوى وسيلة أخرى للتعبير عن نفسها قائلة: «ارسمي ما تريدين أن تخبريني به». ومن خلال ذلك بدأت الحكايات تتكشف— تفاصيل صغيرة تتحوّل إلى ذكريات. ولاحقاً وصفت تقوى تلك الرسومات بأنها تكاد تكون «بيكاسووية»— ليس من حيث الأسلوب، بل من حيث ثقلها العاطفي وما تمنحه من حرية.

ومضى هذا التبادل ليشكّل مشروعاً آخر بعنوان My Grandmother’s Six Dresses، يستند إلى «المخَوَّر» الإماراتي التقليدي. ومن خلاله، تحوّل الذاكرة إلى شيء مرئي — طريقة رقيقة وصامتة لحفظ الحكايات التي تحمل دلالات شخصية وثقافية في آنٍ واحد.

Aya Ghanameh

Aya Ghanameh is a Palestinian-American illustrator and designer whose work sits somewhere between family memory and Palestinian identity — always close and always personal.

This comes through beautifully in one of her latest projects, Everything Grows in Jiddo’s Garden — the book by Jenan Matari, fully illustrated by Aya.

The characters are rooted in real references provided by Matari, a four-time award-winning Palestinian hakawati (traditional storyteller). You see it in the details — the grandfather, Jiddo, always wearing the key to his home in Palestine on his belt; the mother; and, of course, the grandmother, Teta, always in her traditional dress.

لكن الأمر يصبح أكثر حميمية في These Olive Trees، حيث تتوجّه آية مباشرة إلى تاريخ عائلتها — إلى حكاية النكبة لدى جدّتها وجدّتها الكبرى. بعد التهجير، ظلّت أفكارهما تعود مراراً إلى أشجار الزيتون التي كانت تحيط بمنزلهما قبل الحرب. وهذا ما يمنح تلك الأشجار ثقلها؛ إذ تبدو كصلة هادئة بمكان أُجبرتا على تركه خلفهما.

ورغم أن الرسومات تبدو خفيفة ومضيئة، كانت آية قد شاركت يوماً أن صفحة واحدة بدت لها ثقيلة على نحو خاص أثناء رسمها، لأنها تحمل في طيّاتها الماضي والحاضر معاً — ذلك الحاضر الذي لا تزال عائلتها تعيش تبعاته حتى اليوم.

المها جرالله

المها جرالله فنانة تشكيلية إماراتية تعمل في الرسم والوسائط المتعددة، وترتكز ممارستها على مصدر محوري واحد: أرشيف العائلة — وبشكل أدق، حكاية جدتها شادية.

شادية، وهي في الأصل من اليمن، قادت سيارتها يوماً بمفردها عبر شبه الجزيرة العربية — من عدن إلى الكويت، ثم إلى دولة الإمارات. وما تفعله حفيدتها جرالله هو إعادة بناء هذه الحكاية في أعمالها عبر صور قديمة، وذكريات تناقلتها عن والدتها، وأحاديث مباشرة مع جدتها نفسها.

وما يتكشف هنا ليس مجرد قصة شخصية، بل إحساس مختلف بالزمن — يمنٌ بدا أكثر انفتاحاً اجتماعياً مما قد نتخيله اليوم. فقد درست جدة جرالله في الخارج، وارتدت ما تشاء بحرية، ومضت في حياتها بخفة وطمأنينة — وهو أمر كان، في ذلك الوقت، طبيعياً تماماً.

ويمتد ذلك الانفتاح ذاته إلى الطريقة التي تصف بها جرالله جدتها. ففي الكويت، تظهر في الصور مرتاحة واجتماعية، تتحدث إلى كل من حولها. وفي أعمال جرالله، تتحول إلى أكثر من مجرد شخصية من الماضي — لتغدو مرجعاً للحركة والاستقلالية.

ملاك مطر

ملاك مطر هي رسّامة فلسطينية من غزة، يتكئ عملها على ذاكرة معيشة—ذاكرة العائلة والحرب، لكن قبل كل شيء ذاكرة النساء. وغالباً ما تتمحور لوحاتها حول شخصيات نسائية، لذا ليس مستغرباً أن تتحوّل أقرب امرأتين إليها—والدتها وجدتها—إلى مرجعيتها الأهم.

وتتخذ هذه الصلة أكثر أشكالها حناناً في كتابها المصوّر للأطفال «ملاك — طائر سِتّي». و«سِتّي»—أي الجدة بالعربية—ليست مجرد شخصية، بل حضور يلمّ شتات الحكاية ويشدّ خيوطها.

في قلب الكتاب تقف ملاك، طفلة صغيرة في غزة، تتنقّل بين لحظات يومية عادية—المدرسة، البحر، وجُمَع بيت جدتها—وبين الانقطاع المفاجئ الذي تفرضه الحرب. ومع بدء القصف، يضيق العالم إلى خوفٍ وانتظار. وفي تلك المساحة، تلجأ إلى الرسم.

وبعد 50 يوماً من الحرب، تعود إلى المدرسة حاملة اللوحات التي أنجزتها خلال ما يقارب شهرين من قصفٍ لا ينقطع، لتتحوّل لاحقاً إلى معرض.

ويمرّ في الحكاية، بهدوء، طائر «سِتّي». في لحظة ما يضيع حين يُدمَّر بيت جدتها، لكنه يعود إليها من جديد، كأن شيئاً لا يختفي حقاً. هنا يصبح الطائر أكثر من مجرد تفصيل—استعارة رقيقة للحرية، وللعودة، ولما يرفض أن يُحاصَر.