قبل بضع سنوات، كان توقّع عودة المكتبات قد يبدو ضرباً من التفاؤل. فقد كانت الشاشات تستحوذ على كل لحظة، وتعد تطبيقات القراءة براحة لا حدود لها، فيما تقبّل كثيرون بصمت فكرة أن القراءة المطوّلة أصبحت عادة محدودة الانتشار. لكن في عام 2026، يبدو أن العكس هو ما يحدث. ففي أنحاء الشرق الأوسط، عادت المكتبات إلى الازدحام، وتواصل نوادي القراءة توسّعها، ويخصّص الناس مساحة أكبر لـالكتب ضمن روتينهم اليومي.
وتبدو عودة ثقافة القراءة أكثر وضوحاً في دول الخليج تحديداً. فالمكتبات المستقلة تفتح أبوابها أو تتوسّع، ومعارض الكتب لا تزال تستقطب جماهير كبيرة، كما تتحوّل المقاهي داخل المكتبات إلى وجهات اجتماعية قائمة بذاتها. وفي الوقت نفسه، لا تقتصر عودة ثقافة القراءة على شراء مزيد من الكتب. بل تعكس تحوّلاً أوسع نحو ترفيه أبطأ إيقاعاً، وطقوس بعيدة عن الإنترنت، وقضاء الوقت في أماكن تمنح هدوءاً يفتقده العالم الرقمي.
بالنسبة إلى القرّاء في الإمارات والسعودية ومصر وغيرها، يبدو أن الكتب تشق طريقها من جديد إلى تفاصيل الحياة اليومية، لا بدافع الحنين إلى الماضي، بل لأنها ما زالت تقدّم شيئاً لا تمنحه الشاشات.
لماذا تعود القراءة إلى الواجهة؟
لا يوجد سبب واحد يفسّر عودة القراءة إلى الواجهة، لكن الإرهاق الرقمي له دور كبير في ذلك.
يقضي كثيرون اليوم معظم ساعاتهم في التنقل بين أجهزة اللابتوب والهواتف والرسائل والإشعارات ومقاطع الفيديو القصيرة والملاحظات الصوتية والنشرات البريدية، إلى جانب عدد من التبويبات يفوق ما يمكن لأي شخص إغلاقه فعلياً. ومع حلول المساء، قد يبدو الترفيه نفسه امتداداً آخر لوقت الشاشة، لا مساحة للراحة.
لهذا السبب جزئياً تبدو عادات القراءة في 2026 مختلفة عما كانت عليه قبل عقد. فالتعامل مع القراءة اليوم يميل أكثر فأكثر إلى رؤيتها لا كأداة للإنتاجية، بل كوسيلة للتعافي. يقرأ الناس قبل النوم بدلاً من التمرير على الهاتف. يصطحبون الكتب إلى المقاهي. وينضمون إلى نوادي القراءة حتى لو لم ينهوا كتاب الشهر. فالمسألة غالباً لا تتعلق بسرعة القراءة أو عدد الكتب، بقدر ما تتعلق بالانتباه والحضور الذهني.
ويرتبط هذا أيضاً ارتباطاً وثيقاً باتجاه الناس إلى القراءة بعيداً عن الإنترنت. فالكتب المطبوعة تمنح شيئاً بات نادراً: تركيزاً بلا مقاطعات. لا إشعارات، ولا تبويبات، ولا تنقّل بين التطبيقات كل ثلاثين ثانية.
وهذا التحوّل يفسّر الكثير من فوائد قراءة الكتب بدلاً من الشاشات، خصوصاً لمن يحاولون خلق مسافة أوضح بين العمل والترفيه والراحة.
صعود المكتبات كمساحات اجتماعية
لم يعد صعود المكتبات اليوم مرتبطاً بالبيع فقط؛ بل يرتبط أيضاً بفكرة المكان.
باتت المكتبات تؤدي دور أماكن يتصفح فيها الناس الكتب، ويمكثون لبعض الوقت، ويلتقون الأصدقاء، ويعملون ساعة، ويحضرون جلسات حوارية، أو يقضون وقتاً ببساطة من دون شعور بالعجلة للمغادرة. هذه الثقافة الأوسع للمكتبات تبدو مختلفة جداً عن نموذج المكتبة القائم على الشراء السريع الذي نشأ عليه كثيرون.
هنا تحديداً تتجلى بوضوح موجة المكتبات الدافئة الملحقة بالمقاهي. ففي مختلف أنحاء الشرق الأوسط، تجذب المكتبات التي تضم مقاهي قراءً قد يمكثون فيها أطول بكثير مما خططوا، متنقلين بلا ترتيب صارم بين الرفوف والقهوة والأحاديث والقراءة.
ويساعد هذا التحوّل أيضاً في تفسير عودة المكتبات إلى الرواج. فهي تمنح نوعاً من الأجواء لا توفره كثير من المساحات الحضرية: بطيئة الإيقاع، هادئة، اجتماعية من دون صخب، ومفتوحة بما يكفي لتقضي فيها وقتاً من غير حاجة إلى سبب محدد.
ثقافة القراءة في دبي والشرق الأوسط تواصل ازدهارها
يبدو صعود ثقافة القراءة واضحًا على نحو خاص عند النظر إلى دبي والشرق الأوسط عمومًا.
في أنحاء دولة الإمارات، تواصل فعاليات مثل معرض الشارقة الدولي للكتاب استقطاب جماهير واسعة من المنطقة والعالم. كما شهدت دبي خلال السنوات الأخيرة توسعًا في مهرجاناتها الأدبية، ونوادي القراءة، ولقاءات الكتّاب، والتجمعات القرائية التي تقودها المجتمعات المحلية.
وفي الوقت نفسه، بات القرّاء يبحثون أكثر عن مساحات أصغر وأكثر انتقائية. فلم يعد الطلب مقتصرًا على متاجر الكتب الكبرى، بل امتد إلى المكتبات المستقلة ذات الهوية الأوضح، والاختيارات المنسقة بعناية، والأجواء المميزة.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل توجه المكتبات المستقلة يبدو حاضرًا بقوة في المنطقة اليوم.
أفضل المكتبات المستقلة التي يعود إليها قرّاء الشرق الأوسط باستمرار
عند الحديث عن أفضل المكتبات المستقلة في الشرق الأوسط، تتكرر أسماء بعينها في الواجهة.
BookHero في دبي باتت معروفة بكتبها ذات الأسعار المناسبة، ولقاءات القرّاء، وفعاليات نوادي الكتب المجتمعية. ولا تزال Kinokuniya دبي واحدة من أبرز الوجهات الأدبية في المدينة، خصوصًا للعناوين العالمية، والمجلات، والمانغا، والقرطاسية، والإصدارات المتخصصة. وتواصل Diwan Bookstore أداء دور بارز في المشهد الأدبي المصري، فيما ساعدت Jamalon على توسيع الوصول إلكترونيًا إلى الكتب العربية والإنجليزية في أنحاء المنطقة.
تعكس هذه المساحات توجه المكتبات المستقلة الأوسع الذي يعيد تشكيل ثقافة المكتبات في الشرق الأوسط خلال 2026.
هوايات خارج الشاشة تحل محل وقت التصفّح
تأتي الكتب أيضاً ضمن تحوّل أوسع نحو هوايات خارج الشاشة كبديل لوقت التصفّح.
باتت القراءة اليوم تتقاطع غالباً مع تدوين اليوميات، وصناعة الخزف، والتصوير التناظري، والرسم السريع، والألغاز، وغيرها من الهوايات الهادئة التي يقبل عليها الناس أكثر بعد ساعات العمل. وبالنسبة إلى كثيرين، أصبحت القراءة جزءاً من محاولة أوسع لقضاء وقت أطول بعيداً عن الإنترنت، من دون الحاجة إلى إعلان كبير عن «ديتوكس رقمي».
وهنا تحديداً يصبح الأثر الاجتماعي لمتاجر الكتب والمكتبات أكثر لفتاً للاهتمام. فلم تعد متاجر الكتب مجرد أماكن لشراء الكتب؛ بل تستضيف نوادي قراءة، وحفلات توقيع، وورش عمل، وحوارات، وبرامج للأطفال، ولقاءات مجتمعية صغيرة.
وهذا يساعد في تفسير كيف تصنع متاجر الكتب مساحات مجتمعية باتت تزداد قيمة في الحياة الحضرية. فهي تمنح الناس مكاناً يمضون فيه الوقت معاً حول اهتمام مشترك، من دون أن يكون ذلك مرتبطاً بالسهر، أو التسوق، أو الانشغال المستمر.
ولعل هذا هو أكثر ما يلفت الانتباه في عودة ثقافة القراءة اليوم. فالناس لا يعودون إلى الكتب فحسب، بل يعودون أيضاً إلى انتباه أبطأ، وحوارات أطول، ومساحات تتيح الأمرين معاً.
:quality(75)/large_michal_parzuchowski_BPXS_Tl_H_Bhk_unsplash_1_eba64adf97.jpg?size=67.61)
:quality(75)/large_brooke_cagle_N9m_Mnt3_LSJ_0_unsplash_1_315a9bdea2.jpg?size=106.25)
:quality(75)/large_rey_seven_nm_m_Z4_Cs2_I_unsplash_1_71ed0302e1.jpg?size=86.96)
:quality(75)/large_Website_photo_2048x493_e077293172.png?size=652.14)
:quality(75)/medium_Frame_1511851256_eb00bf064e.png?size=588.52)
:quality(75)/medium_getty_images_4_ETG_6_C_Sx_R_Pk_unsplash_28e5452a57.jpg?size=70.26)
:quality(75)/medium_fd36a3ea_0845_475a_a1f0_95701473b136_c581deb57f.webp?size=71.82)
:quality(75)/medium_blaz_photo_z_MRL_Zh40kms_unsplash_fbb155e6bf.jpg?size=65.08)
:quality(75)/medium_11_3a83745e94.jpg?size=57.53)
:quality(75)/medium_toa_heftiba_A_Hlkgk_Y_Rauw_unsplash_1_05707500fe.jpg?size=111.7)