image

by Barbara Yakimchuk

ما الذي ينبض بالحياة بعد حلول الظلام؟ 5 مصورين محليين يصوّرون ليلاً

الخوف من الظلام واحد من أشياء قليلة لا يتجاوزها كثيرون منا تماماً. في الخامسة، كان الوحش يتربص عند حافة السرير. وحتى لو كان ذلك الوحش هو مايك وازاوسكي — وهو، من الناحية التقنية، واحد من الأخيار — فإن نسختي ذات الخمسة أعوام لم تكن معنية بهذه التفاصيل. كبرنا، لكن الخوف لم يختفِ تماماً. كل ما في الأمر أنه بدّل هيئته.

ومع ذلك، كان الظلام حاضراً دائماً. قبل الكهرباء، قبل المدن، قبل كل شيء. كان هو الأسبق. ولعل هذا تحديداً ما يجعله كاشفاً إلى هذا الحد.

اليوم، يقدّم خمسة مصورين من المنطقة خمس إجابات مختلفة تماماً عن الظلام نفسه: سماء مرصعة بالنجوم لا تخص أحداً وتخص الجميع في آن واحد؛ أدعية تُهمس في الساعات الصغيرة من الليل؛ أناس لا تبدأ حياتهم الحقيقية إلا بعد الغروب؛ وأخيراً، ظلام ليس رومانسياً ولا مختاراً — ذاك الذي يأتي مع القصف، حين يكون الضوء الوحيد في السماء ضوءاً تتمنى ألا تراه أبداً.

خمسة مصورين محليين. ليلة واحدة. خمس حكايات شديدة الاختلاف.

زيد بن رمضان

أردت أن أبدأ بحكاية قوية — حكاية تغيّر فوراً تصورك لما يمكن أن يعنيه التصوير ليلاً حقاً. فالحقيقة أن الظلام لا يرتبط دائماً بالجمال والغموض. بالنسبة إلى بعض الناس، هو حرفياً طوق نجاة.

وهذه هي الحكاية التي ينقلها إلينا المصور التونسي زيد بن رمضان، الذي ترك التصوير التجاري عام 2011 متجهاً إلى العمل الوثائقي. ومع أن مشاريعه لا تدور كلها حول الليل، فإن أحدها مكرّس له بالكامل.

يحمل المشروع عنوان أطفال القمر، نسبة إلى التسمية التي تُطلق غالباً على المصابين بجفاف الجلد المصطبغ (XP)، وهي حالة وراثية نادرة تجعل التعرض للأشعة فوق البنفسجية بالغ الخطورة. يتتبع المشروع شباناً تونسيين يمكن لأشعة الشمس أن تسبب لهم حروقاً شديدة، وتلفاً جلدياً لا رجعة فيه، وأوراماً خبيثة. وفي الحالات الأشد، لا يقتصر الأمر على تجنب الشمس، بل يمتد إلى تفادي بعض مصادر الضوء الاصطناعي أيضاً.

والنتيجة حياة لا تبدأ فعليًا إلا بعد حلول الظلام. في هذه الصور، لم يعد الليل حالة مزاجية، ولا خيارًا جماليًا، ولا مصدرًا للغموض؛ بل صار شرطًا من شروط الحياة اليومية.

يحمل المشروع أيضًا رسالة اجتماعية قوية، إذ يلفت الانتباه إلى الانتشار المرتفع على نحو لافت لمرض جفاف الجلد المصطبغ (XP) في تونس. فعلى مستوى العالم، تصيب هذه الحالة نحو واحد من كل 300,000 مولود جديد، بينما يُقدَّر الرقم في تونس بما يقارب واحدًا من كل 10,000، مع تسجيل بعض المناطق معدلات قد تصل إلى واحد من كل 100. ويرى الباحثون أن ذلك يرتبط جزئيًا بزواج الأقارب، وهو تقليد لا يزال شائعًا في بعض المجتمعات، غالبًا لأن كثيرين لا يدركون ببساطة المخاطر الوراثية المرتبطة به.

باباك تفريشي

ليس كل مصوّري الليل ينجذبون إلى وهج السوق بعد إغلاقه، أو إلى نبض الحياة الهادئ في الشوارع بعدما تغيب الشمس. فبعضهم يأخذ فكرة «التصوير ليلاً» إلى فضاء آخر تماماً — وهذا بالضبط ما يفعله باباك أمين تفريشي، بوصفه أحد أكثر مصوّري المشاهد الليلية والتصوير الفلكي تأثيراً في العالم.

بدأت علاقته بسماء الليل في سن مبكرة. ففي الثالثة عشرة من عمره، أطلّ عبر تلسكوب أحد الجيران من سطح منزل في طهران — ولم تكن تلك التجربة مجرّد لحظة عابرة؛ إذ دفعته إلى دراسة الفيزياء، ثم إلى العمل لاحقاً صحافياً علمياً. أما التصوير فجاء بعد ذلك، لكنه ما إن دخل حياته حتى أصبح جزءاً ثابتاً منها.

ورغم أنه وُلد ونشأ في منطقة الخليج، مضى لاحقاً ليصوّر سماء الليل عبر القارات السبع، مدفوعاً بما قد يكون فكرته الأشد تأثيراً: أن السماء واحدة من الأشياء القليلة جداً التي تتشاركها كل ثقافة على وجه الأرض.

وإذا كنت ترغب في إضفاء لمسة رومانسية على يوم الثلاثاء، فإليك تفصيلاً يستحق المعرفة. إحدى أشهر صوره التُقطت خلال موعد مع المرأة التي أصبحت لاحقاً زوجته. وبينما كانا يتحدثان، ترك كاميرته تعمل بتعريض طويل. وبعد ساعات، خرجت النتيجة واحدة من أبرز صوره لمسارات النجوم. تذكير بأن سماء الليل لا تتعلق بالمجرات البعيدة والكون الممتد فوقنا فحسب، بل أيضاً بالأشخاص الواقفين إلى جوارنا.

إيمان الدباغ

على خلاف بابك تفريشي، الذي يوجّه عدسته إلى الأعلى، تستعين إيمان الدباغ بالليل لاستكشاف حكايات البشر على الأرض.

لفهم صور إيمان، من المفيد أولاً التعرّف إلى حكايتها هي. فمع أنها تُوصَف غالباً بأنها مصوّرة سعودية، فإن خلفيتها أكثر تعدداً وثراءً. وُلدت ونشأت في جدة، وتنحدر من أصول فلسطينية وأرمنية، وكبرت وهي تتنقّل بين ثقافات عدة في آن واحد. لذلك أصبحت أسئلة الانتماء وتعريف الذات محورية، ليس في حياتها الشخصية فحسب، بل في مشروعها الإبداعي أيضاً.

من هنا، تتجاوز فوتوغرافيتها حدود التوثيق البسيط؛ إذ توظّفها للتعمّق في الجوانب الأكثر تعقيداً من الهوية والتعبير عن الذات، متناولةً موضوعات مثل المحظورات الاجتماعية، وتوقعات النوع الاجتماعي، والهوية الثقافية، والعار، والضغوط الاجتماعية.

image

المصدر: https://arabdocphotography.org

تتطلب هذه الموضوعات ثقةً وحميميةً ووقتًا — وهي ثلاثة أمور لا يسهل توافرها دائمًا. ومع ذلك، قلّما توجد أجواء تصنع ذلك الإحساس بالقرب مثل ساعات المساء.

في كثير من المجتمعات المحافظة على وجه الخصوص، تمضي الحياة بعد حلول الظلام على نحو مختلف. تصبح الأحاديث أكثر صراحة، والناس أكثر استرخاءً، وتبدأ تفاصيل من الحياة اليومية تبقى خافية خلال النهار في الظهور.

عبد الرحمن السهلي

بالنسبة إلى عبد الرحمن السهلي، ليس الليل مجرد وقت من اليوم. ففيه تدبّ الحياة في مكة على نحو لا يراه معظم الناس، وعلى مدى أكثر من عشرين عاماً كان حاضراً لالتقاط تلك اللحظات. ومن خلال حسابه على إنستغرام Heart Mecca، بنى أرشيفاً بصرياً لافتاً لإحدى أقدس مدن الإسلام، يوثّق أهلها واللحظات التي تتكشف فيها بعد انصراف الحشود بوقت طويل.

للّيل حضور خاص في أعماله؛ ففي الإسلام يرتبط غالباً بالتأمل والعبادة والقرب من الله. ويتجلّى ذلك بوضوح أكبر خلال شهر رمضان، حين يؤذن الغروب بالإفطار، ويتوقف الحجاج والمعتمرون لالتقاط أنفاسهم، ثم تمتلئ الساعات المتأخرة بصلوات مثل الوتر وقيام الليل.

في مقابلاته، يصف عبد الرحمن أسلوبه في التصوير لا بوصفه سعياً وراء اللحظات، بل انتظاراً لها. وهذا ما تشعر به في صوره؛ فهي تلتقط اتساع مكة وهيبتها، وفي الوقت نفسه التفاصيل الأهدأ داخلها: آلاف الأشخاص يتحركون معاً، وحشود واسعة تجتمع للصلاة، وبالتوازي عزلة عابد واحد.

ولختام لطيف، حين طُلب منه اختيار صورته المفضلة، اختار عبد الرحمن لقطة جوية لموائد إفطار رمضان الطويلة الممتدة في الأسفل. وبصراحة، يبدو هذا اختياراً في مكانه تماماً.

سهيل نصار

سهيل نصار مصوّر فلسطيني وراوٍ بصري من غزة. وعلى خلاف بعض المصوّرين الذين يقصدون الليل عمداً بوصفه موضوعهم الأساسي، جاء تركيز سهيل في أعماله الأخيرة على الظلام نتيجة الظروف أكثر مما كان خياراً فنياً مقصوداً. في صوره، لا يبدو الظلام عنصراً جمالياً، بل وثيقة بصرية.

بعد عودته إلى مدينة غزة في يناير 2025، بدأ نصار بتوثيق تفاصيل الحياة اليومية في مسقط رأسه كما كانت تتكشف من حوله. تلتقط صوره واقع مدينة تعيش الاضطراب وتقاوم من أجل البقاء. لذلك، أُنجز كثير من هذه الصور ليلاً، ليس لأنه يطارد إضاءة درامية، بل لأن الظلام صار جزءاً من الحياة اليومية نفسها.

تُظهر صوره شوارع تكاد تخلو من الكهرباء أو تنعدم فيها تماماً، وأحياء لا تضيئها سوى مصادر ضوء متناثرة، وسماء ليلية تشقّها قنابل مضيئة قد تبدو للوهلة الأولى كالألعاب النارية. تحمل الصور أحياناً إحساساً بما بعد الكارثة، لكنها تظل إنسانية بعمق، إذ تركّز على أشخاص يواصلون حياتهم وسط هذه الظروف.

وكما يكتب نصار نفسه، فهي «ليالٍ من الانتظار، نؤمن فيها بأن الحقيقة ستشرق كالشمس». بهذا المعنى، لا يكون الظلام في صوره مجرد غياب للضوء، بل يتحول إلى سجلّ للصمود والأمل.