:quality(75)/large_Screenshot_2026_10_12_at_5_44_38_PM_1_caa76baad8.jpg?size=196.85)
by Barbara Yakimchuk
الفن اللبناني أبعد ما يكون عن الملل… وخمسة أعمال تثبت ذلك
ثمة فكرة تشغلني منذ فترة: نكتب عن الفن طوال الوقت، لكن ماذا عن الذين بدأوا للتو اكتشافه؟ من أين يبدأون أصلًا؟
أعادني هذا السؤال إلى مورييل أسمر، القيّمة الفنية التي ساعدتنا على فهم معرض لبناني تناولناه قبل نحو شهر. وفي الحقيقة، من أقدر على الحديث عن الفن اللبناني من ابنة البلد؟ ومن أقدر على إرشادنا إليه من قيّمة مستقلة تمتلك سنوات من الخبرة؟ ومن أقدر على شرحه بعيدًا عن المصطلحات الفنية المربكة من أمّ لأطفال فضوليين؟
لذلك طرحت على مورييل سؤالًا بسيطًا: إذا كان شخص لا يعرف شيئًا على الإطلاق عن الفن اللبناني، فما الأعمال الخمسة التي ينبغي أن يبدأ بها؟ يمكن اعتبارها دورة مكثفة، لكن من دون فروض منزلية ولا كتب مدرسية مغبرة.
:quality(75)/large_Gallery_Opening_Speech_in_Focus_139d332391.png?size=1563.83)
العمل الفني 1: منظر طبيعي، عمر أنسي
ما هذا العمل؟ أحد أعمدة الفن اللبناني، بل موناليزاه الخاصة إن شئت. إنه من تلك الأعمال التي لا بد من معرفتها.
صحيح أننا لسنا هنا لسرد سير الفنانين، بل لفهم ما تقوله أعمالهم فعلاً، لكن لا يمكن أن نبدأ رحلتنا في الفن اللبناني من دون تقديم سريع لعمر أنسي، أحد رواد الرسم اللبناني الحديث. ولمن يريد نقطة مرجعية مألوفة، يمكن التفكير في كلود مونيه في فرنسا: ليس من حيث الشهرة، بل من حيث الطريقة التي غيّر بها كل منهما أسلوب تصوير المناظر الطبيعية في بلده.
لكن لا تأخذ هذه المقارنة بحرفيتها. فأنسي لم يخترع الانطباعية. ما فعله أنه أخذ لغة بصرية كانت موجودة أصلاً في أوروبا، واستخدمها لرسم لبنان بعين فنان محلي. كان ذلك في النصف الأول من القرن العشرين، حين كان الرسم اللبناني الحديث لا يزال يخطو خطواته الأولى، وجمع عمل أنسي بين مقاربات فنية عدة:
- الانطباعية: افتتان بضوء الشمس واللون والأجواء
- الواقعية والطبيعية: مناظر وعمارة ومشاهد يومية يمكن التعرف إليها بسهولة
- الرسم في الهواء الطلق: العمل خارج المرسم، مباشرة أمام المشهد
ما الذي جعل أنسي مميزاً إذاً؟ لم يكن السبب أنه أول من رسم المناظر اللبنانية، بل لأنه أسهم في جعلها جزءاً من الهوية الفنية للبلاد. فمن خلال استخدامه للضوء واللون والأجواء، تحولت الجبال والقرى والسواحل المألوفة إلى ما هو أبعد من مجرد مناظر طبيعية؛ أصبحت صوراً للبنان نفسه. ولم يكن أنسي وحيداً في ذلك. فإلى جانب فنانين آخرين من جيله، ساعد في ترسيخ رسم المناظر الطبيعية كأحد التقاليد المميّزة للفن اللبناني الحديث، وهو تقليد استمر عبر الأجيال.
أدى عمر الأنسي دورًا محوريًا في تحويل المشهد الطبيعي اللبناني إلى موضوع فني قائم بذاته. لكن ما أود أن يلتفت إليه الناس هو أن هذه ليست مجرد إطلالة جميلة على لبنان؛ ففيها ما هو أعمق بكثير. بالنسبة إلى اللبنانيين، تحمل تلك الجبال تاريخًا كاملًا لكيفية تشكّل رؤية البلد لذاته. لم يكن الأنسي يرسم الطبيعة فحسب؛ بل كان يساهم في صياغة صورة لبنان. فالضوء والجبال والأشجار — جميعها تحولت إلى رموز للانتماء. لذلك، قد تظن أنك تنظر إلى منظر طبيعي، بينما أنت في الحقيقة تتأمل بدايات هوية بصرية لبنانية.— موريل أسمر، قيّمة فنية
العمل الفني 2: Enfantine، شفيق عبود
ما قصته؟ عملٌ يجسّد لبنان ما قبل الحرب الأهلية.
في عام 1964، تعرّف الجمهور اللبناني إلى Enfantine. كان مبدعه، شفيق عبود البالغ من العمر 38 عاماً، قد انتقل إلى باريس عام 1947، وتبيّن لاحقاً أن ذلك القرار كان بالغ الأهمية. ففي باريس، وجد نفسه بين فنانين منشغلين بتحدّي الفكرة نفسها عمّا ينبغي أن تبدو عليه اللوحة، ولم يتردد في الانضمام إليهم.
لكن حين عاد عمله إلى بيروت، لم يُقابَل بالحماسة نفسها من الجميع. فقد فاز Enfantine بالجائزة الأولى في صالون الخريف في متحف سرسق، لكنه بدل أن يحظى بإجماعٍ من التصفيق، أثار عاصفة من الجدل.
لماذا؟ لأن اللوحة لم تشبه ما اعتاد الناس رؤيته. لا وجوه، ولا مناظر طبيعية، ولا شيء مألوف يمكن التمسك به من النظرة الأولى. مجرد مساحات من الأزرق والوردي والبنفسجي والأحمر. وبالنسبة إلى بعض العاملين في الوسط الفني، طرح ذلك سؤالاً محرجاً: هل كان الفن الحديث يتحول إلى نادٍ مغلق، لا يفهم ما يجري فيه إلا قلة مختارة؟
ومع أن هذا النقاش لا يزال مستمراً حتى اليوم، فقد شكّلت تلك اللحظة نقطة تحوّل في الحداثة اللبنانية. إذ خرج التجريد من فضاء المرسم إلى ساحة النقاش العام.
ثمة شيء لبناني بديع في أن هذه اللوحة، للوهلة الأولى، لا تبدو لبنانية على نحو خاص إطلاقاً. في ستينيات القرن الماضي، كانت بيروت مدينة تضجّ بالأفكار، وكان الفنانون اللبنانيون ينخرطون بنشاط في الحداثة الأوروبية. يلتقط تجريد عبود تلك الروح بدقة: لبنان فضولي، منفتح على العالم، وواثق بما يكفي ليجرّب لغة بصرية جديدة تماماً. وأكثر ما أحبّه فيها أن المرء لا يحتاج إلى رؤية أرزة أو قرية لبنانية كي يدرك أن هذه اللوحة تنتمي إلى تلك اللحظة بعينها من تاريخ بيروت.— مورييل أسمر، قيّمة فنية
العمل الفني 3: الطريق إلى السلام، عارف الريس
ما هو؟ العمل الذي يوضح كيف غيّرت الحرب الأهلية مسار الفن اللبناني.
نصل الآن إلى الفصل الأكثر قتامة في جولتنا السريعة، فصلٌ ربما كان لبنان يفضّل لو أنه لم يحدث أصلًا، لكن تبعاته ما زالت حاضرة حتى اليوم: الحرب الأهلية.
اندلعت عام 1975، وكان التباين بينها وبين بيروت التي رأيناها عبر أعمال شفيق عبود هائلًا إلى حد يصعب تخيّله. فقبل عقد واحد فقط، كان الفنانون يجرّبون أساليب جديدة ويتجادلون حول الشكل الذي ينبغي أن يكون عليه الفن. أما الآن، ومع دخول البلاد في الحرب، فقد اكتسب سؤال ما الذي يمكن للفن أن يفعله معنىً مختلفًا تمامًا.
بالنسبة إلى عارف الريس، جاءت إحدى الإجابات عام 1976 مع سلسلة الطريق إلى السلام، وهي مجموعة من 37 عملًا واجهت الأهوال التي كانت تتكشف في وطنه.
واللافت أن الريس لم يكن في لبنان أصلًا حين اندلعت الحرب. كان قد سافر إلى الجزائر للمشاركة في معرض، ليجد نفسه يتابع من بعيد ما يجري في بلده. وإذ عجز عن تجاهل ما يحدث، بدأ يترجم الدمار ومشاعره هو من رعب وغضب إلى رسومات لا تحاول تجميل واقع الحرب أو تخفيف وطأته.
ولم تنتهِ القصة عند الرسومات. بعد عودته إلى لبنان، حوّلها الريس إلى محفورات، وكان ينوي نشرها في كتاب بعنوان الطريق إلى السلام عام 1978. لكن السلطات كان لها رأي آخر. فخضع النشر للرقابة، ولم يصدر الكتاب رسميًا قط، وبقيت المحفورات لعقود مطوية في محترفه في عاليه.
عند تأمّل عمل «الطريق إلى السلام»، أدعو الناس إلى التوقّف ملياً عند التفاصيل. يمنحنا ريّس تواريخ وأماكن وأحداثاً: الدامور، والكرنتينا، وتل الزعتر، والتهجير. هذه ليست مشاهد متخيّلة، بل ذكريات مرتبطة بمحطات حقيقية جداً من الحرب الأهلية اللبنانية. وما إن تدرك ذلك، حتى تنظر إلى العمل بعين مختلفة. ريّس لا يكتفي بأن يرينا الحرب؛ بل يحرص على ألا تُنسى حكاياتها. حتى العنوان، «الطريق إلى السلام»، يكتسب سخرية موجعة حين تعرف ما الذي تنظر إليه.— موريل أسمر، قيّمة فنية
العمل الفني 4: كومة، محمد سعيد بعلبكي
ما هو؟ عمل يشرح ما خلّفته الحرب — لبنان ما بعد الحرب وما جاء بعدها.
عندما تنتهي حرب، يبدو الأمر كأن الوقت حان للفرح والسعادة والحب. وربما يكون كذلك فعلاً. لكن المعارك قد تتوقف، فيما الذكريات لا تنتهي. وهذا جزء أساسي من حكاية الفن اللبناني بعد التسعينيات.
خذ محمد سعيد بعلبكي مثالاً. وُلد في بيروت عام 1974، قبل عام واحد فقط من اندلاع الحرب الأهلية، وقضى جانباً كبيراً من طفولته متنقلاً مع عائلته بين أحياء مختلفة من بيروت ومناطق أخرى في لبنان. لذلك، عندما أنجز كومة عام 2014، أي بعد نحو ربع قرن من انتهاء الحرب، كان يعود إلى تجربة يعرفها جيداً: الاضطرار إلى مغادرة البيت.
والآن، تأمّل العمل نفسه. ملابس وأقمشة وحقائب ومقتنيات أخرى، مكدّسة بعضها فوق بعض. لا أشخاص، ولا مشاهد حرب يمكن تمييزها. وهذا تحديداً هو جوهر العمل. فالحقيبة المجهّزة لا تعني دائماً رحلة لقضاء عطلة؛ أحياناً تعني المغادرة بحثاً عن الأمان، وطيّ حياتك داخل ما تستطيع حمله، ثم فتحها في مكان آخر من دون أن تعرف كم ستبقى هناك.
وربما هذا ما يجعل كومة عملاً بالغ الدلالة. فقد أُنجز بعد عقود من توقف القتال، لكنه يكشف كيف واصلت الحرب تشكيل الفن اللبناني، حتى حين لم يعد الفنانون يرسمون الحرب نفسها.
ما أجده مؤثراً على نحو خاص في هذا العمل هو أنه لا يظهر فيه أي شخص، ومع ذلك تكاد تشعر بحضور الناس في كل زاوية. فالحقائب والمتعلقات تتحول إلى ما يشبه بورتريهات لمن رحلوا أو هُجّروا أو اضطروا إلى البدء من جديد في مكان آخر. وهذا ما نراه كثيراً في الفن اللبناني بعد الحرب: فالفنانون لا يحتاجون بالضرورة إلى إظهار العنف نفسه كي يرووا حكايته. أحياناً، تكون الأشياء التي يتركها الناس وراءهم أبلغ أثراً. يمكن لحقيبة واحدة أن تحمل الفقد والمنفى والذكريات، لكنها تحمل أيضاً احتمال بداية جديدة. وهذا التداخل في المعاني يبدو لبنانياً بامتياز.— موريل أسمر، قيّمة فنية
العمل الفني 5: بلا عنوان، حسين ماضي
ما هو؟ عمل لا يمكن أن يصدر إلا عن لبنان.
حتى الآن، أخذتنا رحلتنا في الفن اللبناني من ولادة هويته الفنية إلى الحداثة، ثم الحرب الأهلية وما تلاها. لكننا هنا أمام هذا التكوين الهندسي الكثيف، الذي يبدو للوهلة الأولى وكأنه لا يمتّ إلى كل ذلك بصلة. ومع ذلك، وصفته موريل بأنه عمل لا يمكن أن يصدر إلا عن لبنان. وصف لافت بالفعل. فما الذي يجعله لبنانياً إلى هذا الحد؟
تكمن الإجابة في الطريقة التي جمع بها ماضي بين عالمين فنيين: التجريد الأوروبي من جهة، والخط العربي والهندسة والتقاليد البصرية في المنطقة من جهة أخرى. فبدلاً من أن يكتفي باتباع الحداثة الأوروبية، طوّر لغته الفنية الخاصة، لغة تستند إلى هذين الرافدين معاً.
وتقدّم هذه اللوحة لمحة مبكرة عما سيصبح لاحقاً أسلوبه المميّز: أشكال متكررة، وألوان جريئة، وبنى هندسية، وخطوط منسابة.
وهناك تفصيل آخر يستحق التوقف عنده: يعود العمل إلى عام 1977، أي في قلب الحرب الأهلية. لكن ذلك لا يعني أنه يتناول الحرب. بل يذكّرنا، في الحقيقة، بأن الفنانين اللبنانيين كانوا يستكشفون ما هو أبعد بكثير من الصراع، حتى وهم يعيشونه. فقد كانت أسئلة الشكل والطبيعة واللغة والهوية الثقافية جزءاً أصيلاً من الحكاية الفنية للبلاد.
— موريل أسمر، قيّمة فنيةفي عمل كهذا، أنصح بألّا يُختزل في كونه تجريداً هندسياً فحسب. تأمّلوه مرة أخرى، وقد تبدأون بملاحظة طيور، وأشكال خطّية، بل وحتى آثار من كتابة عربية متوارية داخل التكوينات. وهذا تحديداً ما يجعل أعمال ماضي مثيرة للاهتمام بالنسبة إليّ.
حين كان يعيش في روما، كان محاطاً بالحداثة الأوروبية، لكنه لم يتخلَّ يوماً عن إرثه البصري الخاص. لم يكتفِ بتبنّي أسلوب عالمي، بل أضاف إليه شيئاً من ذاته، فابتكر لغة تبدو لبنانية بامتياز. وما إن تبدأوا بالتعرّف إلى تلك الإشارات الصغيرة، حتى يصبح من الصعب النظر إلى اللوحة بالطريقة نفسها مرة أخرى.

:quality(75)/large_Screenshot_2026_10_12_at_5_31_09_PM_1_962098a6fa.jpg?size=154.09)
:quality(75)/large_Screenshot_2026_10_12_at_5_31_43_PM_1_5544c85c96.jpg?size=189.15)
:quality(75)/large_Screenshot_2026_10_12_at_5_32_04_PM_1_f7c4b6cc70.jpg?size=78.09)
:quality(75)/large_image_1384_d76833a935.jpg?size=92.25)
:quality(75)/large_image_1385_d74a601d0f.jpg?size=144.08)
:quality(75)/large_Screenshot_2026_10_12_at_5_35_53_PM_1_f7256eda0e.jpg?size=181.34)
:quality(75)/large_Screenshot_2026_10_12_at_5_35_34_PM_1_b210e3d203.jpg?size=228.59)
:quality(75)/large_Screenshot_2026_10_12_at_5_35_08_PM_1_47c97c574f.jpg?size=199.83)
:quality(75)/large_Screenshot_2026_10_12_at_5_36_28_PM_1_97c3d73b39.jpg?size=218.89)
:quality(75)/large_image_1386_ea5d71d5d2.jpg?size=139.87)
:quality(75)/large_Screenshot_2026_10_12_at_5_40_23_PM_1_2e05efbb65.jpg?size=213.75)
:quality(75)/large_Screenshot_2026_10_12_at_5_41_51_PM_1_fc0227ad2b.jpg?size=24.28)
:quality(75)/medium_IMG_2384_scaled_e91403fd3f.jpg?size=35.15)
:quality(75)/medium_Save_Clip_App_762864593_18615770740009410_4755500877455122757_n_1_39fa467ad9.jpg?size=103.68)
:quality(75)/medium_alserkalavenue_1790428438_3994725099602765322_186566974_b7cce2991b.jpg?size=25.16)
:quality(75)/medium_image_1381_3cf651cb9a.jpg?size=77.47)
:quality(75)/medium_Gallery_Visitor_Among_Mechanical_Paintings_a2f77f5017.png?size=798.97)
:quality(75)/medium_Rana_Begum_Artist_Portrait_2023_51a1b490db.jpeg?size=92.04)