image

by Sofia Brontvein

الناس قبل العناوين: لماذا بات البشر أهم من الأخبار الآن

هناك ردّة فعل غريبة تظهر كلما دخل العالم في حالة من عدم الاستقرار. إذ يميل الناس إلى البحث المحموم عن المعلومات.

يتجدّد موجز الأخبار. تتراكم الإشعارات. تمرّ الخطوط الزمنية بلا نهاية. وتتزايد فيديوهات التحليل. يبدو هذا الدافع منطقياً: إذا فهمتِ كل ما يجري، فربما يتلاشى القلق.

لكن في الواقع، غالباً ما يحدث العكس.

يسمّي علماء النفس هذا السلوك «التمرير القهري للأخبار السلبية» — أي الاستهلاك القهري للأخبار السلبية خلال فترات عدم اليقين. وتُظهر دراسات من جامعة ساسكس والجمعية الأميركية لعلم النفس أن التعرّض المستمر لوسائل إعلام تتمحور حول الأزمات يرفع بشكل ملحوظ مستوى التوتر المُدرَك، وحدّة القلق، ومشاعر العجز. ومع الوقت يبدأ الدماغ في تفسير أحداث بعيدة على أنها تهديدات شخصية فورية، فيُطلق الاستجابات الفسيولوجية نفسها للتوتر التي لا تظهر عادةً إلا عند مواجهة خطر مباشر.

image

بعبارة بسيطة، لا يستطيع جهازك العصبي دائماً التمييز بين المعلومات والواقع. فعندما تستهلكين ساعات من العناوين المقلقة، يتصرف جسدك كما لو أنكِ داخل الأزمة نفسها.

ومع ذلك، نادراً ما تنبع الاستجابة البشرية لعدم الاستقرار من المعلومات وحدها؛ بل تتشكل أيضاً من القرب من الآخرين.

لطالما كانت الجماعة إحدى أقدم وسائل الحماية النفسية. فقبل العلاج النفسي، وقبل كتب تطوير الذات، وقبل الإنترنت، كان البشر يضبطون حالاتهم العاطفية عبر المجموعات الاجتماعية. وغالباً ما يصف علماء الأنثروبولوجيا الذين يدرسون المجتمعات الأولى «المجتمع» لا بوصفه رفاهية اجتماعية، بل آلية للبقاء. كانت المجموعات تتشارك الموارد، وتوزّع المسؤوليات، وتُسهم في تهدئة ردود الفعل العاطفية تجاه الخطر.

وتدعم علوم الأعصاب الحديثة هذه الفكرة. إذ تُظهر الأبحاث حول «التنظيم المشترك» (co-regulation) — وهو مفهوم يُدرَس في علم النفس السلوكي وعلم الأحياء العصبي — أن الأجهزة العصبية لدى البشر تؤثر في بعضها بعضاً بشكل نشط. وعندما يتفاعلون وجهاً لوجه — بالحديث والضحك وتناول الطعام معاً وممارسة الرياضة — غالباً ما تنخفض مؤشرات التوتر الفسيولوجية. تتزامن ضربات القلب، وتنخفض مستويات الكورتيزول، ويتحسن ضبط الانفعالات.

بمعنى آخر، الهدوء مُعدٍ.

ويصبح ذلك أكثر وضوحاً خلال الفترات الصعبة. فعندما يتصاعد الغموض، تُضخّم العزلة الإحساس بالتهديد. ويبدأ العقل في نسج سيناريوهات متخيلة، وإعادة تدوير دورات الأخبار، وتوسيع المخاوف الصغيرة لتغدو هواجس وجودية.

وهنا يقطع المجتمع هذا المسار. فهو لا يلغي المشكلة، لكنه يعيد توزيع العبء العاطفي.

image

أحياناً تكون إعادة التوزيع تلك بسيطة على نحو يثير الدهشة: قهوة صباحية مع الأصدقاء. جولة جماعية تنحرف فيها الأحاديث نحو «ميمز» سخيفة. جريٌ طويل لا يتطرق فيه أحد إلى الجيوسياسة إطلاقاً. فطورٌ مشترك. نكاتٌ غبية. حضورٌ عفوي.

لا تحلّ أيٌّ من هذه الأنشطة مشكلات العالم الكبرى، لكنها تفعل شيئاً لا يقل أهمية: تُعيد الجهاز العصبي إلى مقياسٍ إنساني.

والحقيقة أن معظم الناس لا يستطيعون استيعاب حالة عدم اليقين العالمية بمفردهم. نحن كائنات اجتماعية يتوقف توازننا العاطفي على التفاعل. وعندما يدرس علماء النفس القدرة على الصمود خلال الأزمات، يكون أحد أقوى مؤشرات الاستقرار النفسي هو «الدعم الاجتماعي المُدرَك» — أي الإيمان بأن هناك من سيساندك إذا ساءت الأمور.

ليس بالضرورة الحكومات. ولا المؤسسات. بل أشخاص آخرون: العائلة. الأصدقاء. شركاء التدريب. الجيران. الزملاء. أيّ شخص يدور في الفلك اليومي نفسه.

لهذا تصبح قيمة المجتمع أكثر وضوحاً حين يبدو كل شيء هشّاً. فالأشخاص الذين تتقاسم معهم الأيام العادية يكشفون فجأة وظيفة أخرى. ليسوا مجرد رفاق للحظات الجميلة؛ بل يتحولون إلى عوامل تثبيتٍ عاطفي عندما تتبدّل الظروف.

image

خلال الأيام القليلة الماضية، أدركتُ مدى هشاشة ذلك التوازن — ومدى قوّته حين يكون موجوداً. حين تجد نفسك عالقاً بعيداً عن المنزل، وتتعامل مع ترتيبات لوجستية غير مؤكدة، فيما تحاصرك تحديثات الأخبار التي تزداد ثقلاً مع كل ساعة، لم يكن ما يحافظ على استقرار المشهد الذهني سوى حضور الآخرين.

  • أشخاص كانوا مستعدين للمساعدة بلا تردد؛
  • أشخاص ردّوا على الرسائل فوراً؛
  • أشخاص عرضوا توصيلات، أو غرفاً، أو نصائح، أو حتى مجرد طمأنة.

غالباً ما تبقى قيمة المجتمع غير مرئية حين تسير الأمور على نحو طبيعي. ولا تظهر إلا عندما تتخيّل كيف سيكون وقع الحياة من دونه.

ومن دونه، يتحوّل الضغط النفسي إلى عبء لا يُحتمل بسرعة مدهشة.

وثمّة جانب آخر مهم في المجتمع كثيراً ما تنساه الثقافة الحديثة: أنه يتيح مساحة للهشاشة الإنسانية. ففي بيئات كثيرة يشعر الناس بأن عليهم أن يبدوا أقوياء وهادئين ومسيطرين على الأمور. وتضخّم وسائل التواصل الاجتماعي هذا التوقع. الجميع يستعرض صلابته. لكن المجتمعات الحقيقية تعمل على نحو مختلف.

هي موجودة تحديداً كي لا يضطر الأفراد إلى حمل كل شيء وحدهم. والتعبير عن القلق أو الحيرة أو الإرهاق داخل دائرة موثوقة ليس ضعفاً؛ بل هو الآلية التي يُفرَّغ عبرها الضغط العاطفي.

ويجد علماء النفس الذين يدرسون الإفصاح العاطفي باستمرار أن مشاركة التجارب الصعبة مع أشخاص داعمين تقلّل التوتر المُدرَك وتحسّن القدرة على التكيّف. أمّا الصمت، فعلى العكس، يميل إلى تضخيم الضيق لأنه يعزل الفرد داخل أفكاره.

لذلك فالمجتمع ليس للاحتفال فقط. إنه أيضاً مسألة إذن — إذن بالاعتراف بأن الأمور ثقيلة. وأحياناً يكفي هذا الإذن وحده ليغيّر المشهد العاطفي بأكمله في لحظة صعبة.

image

حين تصبح الأحداث العالمية طاغية، يكون من الطبيعي أن يدفعنا الحدس إلى متابعة كل تطوّر. لكن المعلومات نادراً ما تمنحنا ذلك الإحساس بالثبات الذي نتوقعه؛ فهي لا تفعل سوى توسيع دائرة ما لا نملك السيطرة عليه.

أما المجتمع من حولنا فيعمل بطريقة مختلفة؛ إذ يعيد تضييق الأفق إلى مقاس إنساني.

  • حديث عابر؛
  • وجبة نتشاركها؛
  • مشوار مع الأصدقاء؛
  • مزحة سخيفة تكسر التوتر لبضع دقائق.

تفاعلات صغيرة تذكّر الدماغ بأن الحياة ما زالت قائمة خارج دوّامة الأخبار.

في الفترات غير المستقرة، لا تكون تلك اللحظات الصغيرة مجرد وسائل إلهاء؛ بل هي مراسٍ نفسية.

وربما أهم تذكير على الإطلاق: لم يُخلق البشر يوماً ليواجهوا عدم اليقين وحدهم.