image

by Barbara Yakimchuk

تمارا عبد الهادي: «يُتحدَّث عن المُهمَّشين، لكن نادراً ما يُنصَت إليهم»

تمارا عبد الهادي هي مصوّرة عراقية يرتكز عملها بعمق على أسئلة الهوية والتمثيل الثقافي. تتمحور صورها باستمرار حول المجتمعات المسلوبة الحقوق والمهمّشة، مُضخِّمةً أصوات من نادراً ما يُستمع إليهم.

وبجانب ممارستها الفنية، فهي أيضاً مُعلّمة، إذ درّست في أنحاء الشرق الأوسط وفي كندا. وقد نُشرت أعمالها على نطاق واسع في كثير من أشهر مجلات العالم، إلا أنّها في السنوات الأخيرة باتت تميل بشكل متزايد إلى منشورات أكثر حميمية واستقلالاً. في هذا الحوار، نتحدث مع تمارا عن رحلتها الفوتوغرافية، وعن كتابها الأول «تخيّل رجلاً عربياً»، وعن القصص الكامنة وراء بعض من أهم صورها.

— كيف كانت أول مواجهة لكِ مع الكاميرا؟ ومتى أدركتِ أن التصوير الفوتوغرافي سيصبح عمل حياتكِ؟

— تعرّفت إلى التصوير الفوتوغرافي قبل أن أمسك كاميرا أصلاً. كانت أول تجربة لي عبر كتاب تصوير للمصوّر العراقي ناظم رمزي —العراق، الأرض والشعب، الذي نشره على نفقته الخاصة عام 1989. نشأتُ كعراقية في المهجر، وأتذكر جلوسي على سجادة غرفة الجلوس عند والديّ حين كنت في نحو العاشرة من عمري، أقلب صفحات الكتاب وأغرق تماماً في صور رمزي للعراقيين في حياتهم اليومية، الملتقطة بين خمسينيات وستينيات القرن الماضي.

من خلال تلك الصور، تعرّفت إلى وطني. غذّت خيالي وشكّلت الطريقة التي فهمت بها مكاناً لم أعرفه في الغالب إلا عبر الحكايات. بعد الجامعة، تخرّجتُ بشهادة في الفنون الجميلة لكنني شعرت بعدم اليقين تجاه المسار الذي أريد أن أسلكه. اشتريت كاميرا فيلمية مستعملة من صديق، وبسرعة كبيرة أصبحت مهووسة بها. بدأت أصوّر أصدقائي وعائلتي، ثم شيئاً فشيئاً بدأت أطوّر مشاريع حول مواضيع كنتُ فضولية تجاهها. والباقي أصبح تاريخاً — أو على الأقل آخر عشرين عاماً منه.

— لستِ مصوّرة فقط بل أيضاً مُعلّمة. ما الذي جذبكِ إلى التعليم، وهل كان مساراً صعباً لترسيخه في البداية؟

— التدريس امتياز، وفرصة مشاركة خبرتي — سواء عبر تبادل المهارات العملية أو النقاش النقدي — لطالما بدت لي ذات معنى عميق. يتشكل نهجي من ممارستي الفوتوغرافية نفسها ومن فهمي للتصوير ليس فقط كأداة للتعبير الفني، بل أيضاً كوسيط متشابك بعمق مع أسئلة الأخلاق والملكية الإبداعية والتمثيل.

ومؤخراً، خلال فصل شتاء 2025، درّستُ حلقة بحث متقدمة في الإعلام والصحافة في جامعة تورونتو، ركّزت على التصوير الصحافي والإمبراطورية. تناولت المادة الروابط بين الأنثروبولوجيا البصرية والسلطة الاستعمارية والتواريخ الإمبريالية. كان الطلاب ملهمين جداً، إذ اختار كثيرون مواجهة ماضي بلدانهم الاستعماري عبر مشاريعهم البحثية.

image
image
image

— يتمحور الكثير من عملكِ حول المسلوبين والمهمّشين — اللاجئين، من لا يملكون مأوى، مجتمعات غالباً ما يُغفل عنها. ما الذي دفعكِ إلى جعل هذا محور تركيزكِ؟

— عندما بدأتُ أولاً العمل على مشاريعي الفوتوغرافية الخاصة، انجذبتُ إلى مواضيع ومجتمعات أردت أن أفهمها بعمق أكبر. كان الفضول هو القوة الدافعة. وجزء من ذلك يعود أيضاً إلى مسيرتي السابقة كمصوّرة صحافية — وهو مسار دخلته تقريباً بالمصادفة.

ومع مرور الوقت، صار تركيزي أوضح حين بدأت ألتفت إلى من كان يغيب باستمرار عن السرديات المهيمنة. كثيراً ما يُتحدَّث عن المسلوبين والمهمّشين، لكن نادراً ما يُنصت إليهم. ومن خلال صوري، كنت آمل أن أقدّم طريقة بديلة للرؤية — طريقة تتشكل عبر القرب والعناية والاحترام.

في مشاريعي الأحدث، أصبحت الشراكة مركزية في عملي. بات العمل مع أشخاص من داخل المجتمعات التي أوثّقها جزءاً أساسياً من هذا العمل. وفي كتابي القادم، إعادة تخيّل العودة إلى الأهوار، أتعاون عن قرب مع أفراد من مجتمع الأهوار، إذ تُعد أصواتهم ووجهات نظرهم أساسية للمشروع.

image

— أدري إن السؤال عن «الصورة المفضّلة» ممكن يحسّس الواحد إنه يختار بين عياله، بس هل في صورة وحدة تحمل أعمق المشاعر عندك — وليش؟

— ما في صورة وحدة، لكن في كم صورة ظلت وياي على مرّ السنين. وحدة بالتحديد هي بورتريه صورته لجاك وأدريه وهم متعانقين في رام الله عام 2016. التقطتها وأنا أمشي في المدينة مع صديقتي تمارا، داخل بيت مهجور. للصورة مكانة خاصة في قلبي لأنها قبل كل شيء تعبير هادي وقوي عن الحب.

image

— سلسلة Picture an Arab Man صارت عمل محوري جداً، واننشرت على نطاق واسع وصار عليها نقاش كبير. كيف بدت الفكرة أول مرة — كانت مخططة بعناية، ولا طلعت بشكل أكثر عفوية؟

— المشروع طلع من فترة طويلة من التأمل في شغلي أنا. تقريباً لمدة 15 سنة كنت أشتغل كمصوّر صحافي عبر جنوب غرب آسيا وشمال أفريقيا، وأعيش وأتنقل بين أماكن مثل لبنان وفلسطين والعراق والإمارات وغيرها في المنطقة. في هالوقت كنت أنتج قصص مصوّرة لوسائل إعلام غربية معروفة وأسوي شغل كنت أعتقد إنه مهم وصادق.

لكن مع السنين، بدأت ألاحظ شي مزعج جداً. شفت كيف بعض صوري كانت تنعرض، وتنقص، وتنتشر بطرق تعزز سرديات استشراقية مألوفة عن المنطقة وأهلها — سرديات أنا ما كنت أعرفها، وبالتأكيد ما كنت أبغي أساهم فيها. التعايش مع هالفكرة كان مقلق. وخلّاني أراجع مو بس كيف تُقرأ الصور، لكن بعد دوري أنا داخل هالنظام.

كتاب Picture an Arab Man طلع من هالمواجهة. صار أول كتاب لي وطريقة للرد — إني أبطّئ الإيقاع وأستعيد مساحة لنوع مختلف من التمثيل. خلال خمس سنين، بين 2009 و2014، صوّرت رجال عرب في 13 مدينة عبر العالم العربي. بدل الاستعراض أو الرمزية، كنت أبغي قرب. كنت أبغي أظهر الحنان، والهشاشة، والحضور الهادئ — وأعيد تخيّل الرجل العربي المعاصر بشروطه هو، خارج الأطر اللي ظلت تعرّفه لفترة طويلة.

image
image
image

— ليش تعتقد إن العمل لامس الناس بهالقوة وحصل على كل هالاهتمام؟

— أعتقد إن هالنوع من الشغل بعده مؤلم بقدر ما هو relevant. للحين يستغربني — ويقهرني — إننا وصلنا لمرحلة لازم فيها «نؤنسن» الرجال العرب أصلاً. الرجال الفلسطينيون واللبنانيون والعراقيون للآن كثيراً ما يتم تصويرهم بشكل مغلوط، أو تسطيحهم، أو حتى شيطنتهم بشكل صريح. عشان جذي، لما ينشافون في صور فيها حنان واهتمام، يظل هذا الشي يلامس الناس. الناس يحسون بهالغياب، حتى لو ما كانوا دايماً يسمّونه.

— استوقفتني القصة اللي قلتها مرة عن تصويرك في صالون حلاقة وبعدها تهدّم. تقدر ترجعنا لهاللحظة — كيف اكتشفته، وشو اللي شدّك لهناك، وشو صار يعني لك؟

— تعرفت على محمد بكير، حلاق في غزة، وأنا أشتغل على مشروعي Salon Al Sha’ab (2016–2020). السلسلة تستكشف صالونات الحلاقة كمساحات ثقافية — أماكن للعناية بالنفس، والحميمية، والمجتمع بين الرجال العرب في لبنان وفلسطين.

المشروع بدأ في 2016، وأنا في رام الله. حوالي هالوقت، صديق عرّفني على تامر شهاده، حلاق كان وقتها عايش في مخيم قلنديا، قريب من حاجز رام الله–القدس. اللي لفتني فوراً كان فن تامر والاعتزاز اللي يحس فيه بشغله، وكذلك الطقوس الهادية للعناية اللي تصير داخل جدران صالون الحلاقة. هالإحساس بالكرامة والاهتمام صار أساس السلسلة.

لاحقاً في نفس السنة، وأنا في غزة، تامر عرّفني على محمد بكير، صاحب صالون الرمال. صورته ضمن نفس المشروع. الصالون كان واصل له من أبوه، وعلى مر السنين كان يجهّز فيه كثير من لاعبي كرة القدم في المدينة. في مايو 2016، نشر كتاب بعنوان Historical Encyclopedia of Hairdressing in Gaza، كدليل على عمق حرفته والتزامه.

صالون الرمال تدمّر لاحقاً بسبب الحرب. محمد بكير نجا، الحمد لله، لكنه الحين نازح في جنوب غزة. ومن وقتها سوّى صالون حلاقة مؤقت في الهواء الطلق، ويواصل الشغل وخدمة نازحين غزّيين غيره.

image

— شو رأيك بالتصوير اليوم، خصوصاً إن وايد منه ينصنع على الموبايل؟ هل بعدك تحس إن للكاميرا قدسية خاصة؟

— أنا دايماً كنت مؤمنة — وأدرّس هالشي بعد — إن الموضوع مب عن الأداة اللي تستخدمها، بل عن النية اللي وراها. الكاميرات صارت أسهل وصولاً أكثر من أي وقت، وهالسهولة وسّعت لغة التصوير بشكل فعلاً له معنى. وغيّرت التركيز من المعدات باتجاه الإحساس، والحدس، والتوقيت.

وبعد تخلّي ناس أكثر يروون قصصهم بدون ما يحتاجون معدات غالية، وهذا مهم. من نواحٍ كثيرة، أحس التصوير صار أكثر انفتاحاً الحين — أقل تحكّم، وأقل «حراسة بوابة». على الأقل، هذا اللي أتمنى.

image

الصورة: تمارا عبد الهادي، روï سعادة

— دايماً نحب نسأل عن القصص اللي ورا صورك. هل في صورة قصتها غالباً ما تنلاحظ؟

— هالصورة لـ آلانيس أوبومساوين، صانعة أفلام وثائقية أبيناكي معروفة، وناشطة ومغنية. صورتها لمجلة «الحياة»، عشان ترافق مقابلة لهدى عدره.

أنا وهدا وأليكسي قضّينا العصر في بيت آلانيس في مونتريال، وهناك انعملت البورتريه. استقبلتنا بحرارة كبيرة — قدّمت لنا شاي وفواكه وهي تشاركنا قصص عن حياتها، وعن ورودها، وعن الصور والملابس والمنحوتات الكثيرة اللي تملأ بيتها. كانت لحظة هادئة وكريمة، تبقى بلطف خلف الصورة اللي الناس يشوفونها.

image
image
image

— في مقابلة، قلت: «التصوير الوثائقي بالتأكيد ليس مهنة تدرّ المال. لازم تسويه بدافع حبّك له». مع إنك كنت تعرف هذا، اخترت هالمسار بدل مسار أكثر تجارياً. هل شكّيت يوماً في هالقرار — أو ندمت عليه؟

ما في ندم. ما في شك.