image

by Sana Bun

كيف باتت العافية في الشرق الأوسط تجربة اجتماعية تتجاوز مفهوم اللياقة

Photo: The Lazy Artist Gallery

قبل سنوات قليلة، كانت العافية تُقاس غالباً بعدد التمارين المنجزة، أو السعرات الحرارية المحروقة، أو الكيلومترات المقطوعة ركضاً. أما اليوم، فقد بدأ الحوار يتغيّر. في أنحاء الخليج، يتجه الناس بشكل متزايد إلى أنشطة تجمع بين الحركة والحوار والإبداع وروح المجتمع. والنتيجة أن توجهات العافية في الشرق الأوسط اليوم باتت تتجاوز بكثير حدود الصالات الرياضية واستوديوهات اللياقة. والأهم أن توجهات العافية التي يتبناها سكان المنطقة تشير إلى أن الشعور بالراحة أصبح مرتبطاً بالانتماء بقدر ما هو مرتبط بالأداء.

يظهر هذا التحول بوضوح في دبي والرياض وغيرهما من مدن المنطقة، حيث باتت نوادي الجري ومجموعات ركوب الدراجات وجلسات التعافي والورش الإبداعية تجمع الناس بشكل متزايد حول اهتمامات مشتركة، لا حول أهداف اللياقة الفردية فقط.

لماذا أصبحت العافية أكثر اجتماعية؟

من أبرز التحولات في السنوات الأخيرة أن العافية لم تعد تجربة فردية كما كانت.

لا يزال الناس يمارسون الرياضة لتحسين صحتهم، لكن كثيرين يبحثون أيضاً عن طرق للتعرّف إلى آخرين، وترسيخ روتين يومي، وقضاء وقت أقل على الإنترنت. فالانضمام إلى نادٍ للجري، أو حضور جلسة لتمارين التنفس، أو التسجيل في رحلة مشي جماعية، غالباً ما يقدّم شيئاً لا توفره التمارين الفردية في الصالة الرياضية: تواصلاً إنسانياً منتظماً.

يعكس هذا التغيير فهماً أوسع للعافية يتجاوز اللياقة البدنية. فالصحة الجسدية تبقى مهمة، لكن الصداقات والحوار والراحة والشعور بالارتباط بمجتمع أوسع لا تقل أهمية عنها.

image

الصورة: Getty Images

مجتمعات العافية في دبي تواصل النمو

أصبح نمو مجتمعات العافية في دبي واحداً من أبرز التحولات في أسلوب الحياة داخل المدينة.

وباتت نوادي الجري تجتمع طوال الأسبوع في أحياء مختلفة، فيما تنظم مجموعات ركوب الدراجات جولات منتظمة تناسب مختلف مستويات الخبرة، وتستضيف استوديوهات اليوغا بشكل متزايد حصصاً مجتمعية إلى جانب برامجها المعتادة.

كما وسّعت المساحات المخصصة للتعافي برامجها، فجمعت بين العلاج بالتباين، وتمارين التنفس، وجلسات تحسين الحركة، مع إتاحة فرص للتعارف مع أشخاص يشاركون الاهتمامات نفسها قبل الحصص أو بعدها.

وتعكس هذه التطورات أن أنشطة العافية الاجتماعية في دبي باتت تتمحور أكثر حول التجارب المشتركة، لا المنافسة.

image

الصورة: كيت تريش

العافية المجتمعية في الشرق الأوسط تتخذ أشكالاً جديدة

ليست فكرة العافية المجتمعية في الشرق الأوسط جديدة، لكن الأماكن التي تتجلى فيها باتت تتغير.

لا تزال اللقاءات الاجتماعية التقليدية في صميم الحياة في أنحاء المنطقة، إلا أن كثيرين باتوا أيضاً يبنون مجتمعات حول هوايات مشتركة وممارسات تعزز العافية. فأندية القراءة وورش العمل الإبداعية ومجموعات المشي والنوادي الرياضية وفعاليات العافية أصبحت اليوم جزءاً من المشهد، جنباً إلى جنب مع أشكال التواصل الاجتماعي الأكثر تقليدية.

يعكس هذا التحول نمط حياة أوسع يرتكز على العافية، يشكّله سكان الشرق الأوسط، حيث يُنظر إلى الصحة بوصفها مفهوماً يشمل الحركة والإبداع والتعلّم والعلاقات ذات المعنى.

image

الصورة: Fellipe Ditadi

مجتمعات العافية في السعودية تتوسع

ويظهر التوجّه نفسه في السعودية.

لم تعد مجتمعات العافية في السعودية تقتصر على بيئات اللياقة التقليدية؛ إذ باتت تشمل مجموعات الجري، ومجتمعات ركوب الدراجات، ومبادرات الرياضة النسائية، والبرامج الثقافية التي تشجّع على أنماط حياة نشطة.

وقد أسست جهات مثل RWG Community مساحات تُبنى فيها المشاركة على التشجيع والمواظبة بقدر ما تُبنى على الأداء الرياضي. كما أصبحت فعاليات الجري المجتمعية ومبادرات ركوب الدراجات أكثر حضوراً مع استمرار نمو الإقبال على الرياضة الترفيهية.

وتوضح هذه الأمثلة كيف باتت تجارب العافية الجماعية التي يبحث عنها سكان الشرق الأوسط تجمع بصورة متزايدة بين النشاط البدني والشعور بالانتماء.

image

الصورة: Marea Wellness

فعاليات ومجتمعات العافية في دبي

تقوم بعض أبرز فعاليات ومجتمعات العافية في دبي على فكرة المشاركة لا المنافسة.

فالجولات الجماعية للركض، وركوب الدراجات المفتوح، وجلسات اليوغا في الهواء الطلق خلال الأشهر الألطف طقساً، إلى جانب مهرجانات العافية والفعاليات المخصصة للتعافي، كلها تشجع الناس على العودة بانتظام بدلاً من الاكتفاء بحضور مرة واحدة.

وتواصل كثير من هذه المجتمعات لقاءاتها على مدار العام عبر التكيف مع المناخ. ففي الصيف، تنتقل الأنشطة الخارجية غالباً إلى أماكن داخلية أو تُقام في ساعات الصباح الباكر، بينما تزداد أهمية ورش العمل والحوارات وجلسات التعافي.

فالروتين لا يقل أهمية عن النشاط نفسه.

image

الصورة: كايلي غاريت

الروابط الاجتماعية والصحة النفسية

تواصل الأدلة المتزايدة إبراز العلاقة بين الروابط الاجتماعية والصحة النفسية.

يرتبط شعور الإنسان بالانتماء والتواصل مع الآخرين بنتائج أفضل على صعيدَي الصحة النفسية والجسدية، فيما باتت الوحدة تُعدّ على نحو متزايد تحدياً مهماً للصحة العامة. وهذا ما يفسّر تنامي أهمية المجتمع المحيط في تعزيز العافية، ولا سيما في المدن الكبرى حيث يعيش كثير من السكان بعيداً عن عائلاتهم الممتدة.

تقدّم مجتمعات العافية ما لا تستطيع الساعة الذكية قياسه بسهولة؛ فهي تخلق حساً بالالتزام، وألفةً، وفرصاً للحوار، غالباً ما تصبح بقيمة النشاط نفسه.

image

الصورة: Natalia Blauth

كيف تتغيّر ثقافة العافية

لعلّ التحوّل الأبرز اليوم يتمثّل في الطريقة التي تتغيّر بها ثقافة العافية نفسها.

لم يعد النجاح يُقاس فقط بسرعة أكبر في الجري أو بأوزان أثقل في التمرين. فبشكل متزايد، بات يُقاس أيضاً بالاستمرارية، وبمدى المتعة التي يمنحها النشاط، وبقدرته على الاندماج بسلاسة في تفاصيل الحياة اليومية.

وينعكس هذا المنظور أيضاً على توجهات أسلوب الحياة الأوسع في الشرق الأوسط. إذ يختار الناس هوايات يمكنهم المواظبة عليها، ومجتمعات يستمتعون حقاً بالعودة إليها، وروتيناً يدعم العافية الجسدية والنفسية معاً.

قد يظل مستقبل العافية متصلاً بالصالات الرياضية والسباقات وتحقيق الأرقام الشخصية. لكنه على الأرجح سيتّسع أيضاً لفطور جماعي بعد الجري، ولأحاديث بين غرباء يتحوّلون إلى أصدقاء، ولمجتمعات إبداعية تذكّر الناس بأن العافية لا ينبغي أن تكون رحلة فردية.