:quality(75)/large_mehrdadmosaferi_ac9a8fb7e3.jpg?size=56.77)
by Alexandra Mansilla
مهرداد مسافري: «لا أريد لعملي أن يتصنّع شخصية لا تشبهني»
في صور مهرداد مسافري، كثيراً ما يبدو الناس في حالة انتظار. يحدّقون عبر البحر، أو يتوارون في الضباب. ثمة دائماً إحساس بأن شيئاً ما قد وقع (أو على وشك أن يقع) خارج حدود الكادر مباشرة.
وُلد مهرداد في بندر عباس، جنوبي إيران، ونشأ في حيّ من الطبقة العاملة، حيث انقضى جانب كبير من طفولته في الخارج: في الشوارع والحدائق، والأهم قرب الخليج. دخل عالم التصوير عام 2017، ليطوّر لاحقاً ممارسة فنية تتنقّل بين الوثائقي والصورة المُعدّة مسبقاً، وتستند بقوة إلى الذاكرة الشخصية، والبنى الاجتماعية، والقلق الذي يثيره العالم من حوله.
بالنسبة إلى مهرداد، الصورة نوع من الوثيقة — لا تثبت فقط ما حدث أمام الكاميرا، بل ما حدث داخله أيضاً. الفقد، والاكتئاب، وصداقات الطفولة، والإحساس بعدم الانتماء تماماً، والتعلّق العميق بالخليج؛ كلها تتسلل إلى صوره. يتحوّل الماء إلى مرادف للّيقين المفقود؛ وقد يرمز كلب إلى الوفاء؛ أما شخص يحدّق نحو الأفق فقد يكون يبحث عن إنسان، أو أمل، أو جزء من ذاته اختفى.
تحدّثتُ مع مهرداد عن النشأة في بندر عباس، وتحويل الاكتئاب إلى مشروع فني، ولماذا يظل يعود إلى البحر مهما ابتعدت به أعماله.
— مهرداد، تستمد إلهامك من ذكريات الطفولة في كنف عائلة من الطبقة العاملة، ومن تفاصيل الحياة اليومية عبر طبقات اجتماعية مختلفة، ومن مشاعر القلق التي تثيرها الأحداث الاجتماعية والسياسية من حولك. لنبدأ من البداية تماماً. هل تعيدنا إلى طفولتك وتحدّثنا قليلاً عن النشأة في عائلة من الطبقة العاملة؟
— بالتأكيد! نشأتُ في بندر عباس، وسط عائلة من الطبقة العاملة وفي حيّ ينتمي إلى الطبقة نفسها. في ذلك الوقت، لم أكن أرى في الأمر شيئاً غير مألوف؛ كانت تلك حياتي ببساطة. لكنني أدركت لاحقاً أن النشأة في تلك البيئة منحتني تجارب مختلفة جداً عن تجارب أشخاص جاؤوا من خلفيات اجتماعية أخرى.
في طفولتي، كانت الحياة تدور غالباً في الخارج. كنا نقضي وقتنا في الشوارع والحدائق وعلى البحر، دائماً بصحبة الأصدقاء. في الصيف مثلاً، كنا أحياناً نصنع دراجة بأنفسنا من قطع مستعملة؛ نعثر على العجلات في مكان، وعلى أنبوب في مكان آخر، ثم نركّب كل شيء معاً، وننطلق إلى الشاطئ لنسبح ونغني. وكنا نخرج أيضاً إلى الطبيعة لنجمع العسل البري من الأشجار. كانت هذه أموراً عادية بالنسبة إلينا، لذلك ظننت أن الجميع عاشوا طفولات مشابهة.
لم أدرك اختلاف حياتنا إلا عندما أصبحت مراهقاً وبدأت ألتقي أشخاصاً من خلفيات اجتماعية مختلفة. طريقة كلامهم، وثقافتهم، وحتى أحلامهم أحياناً، بدت مختلفة عنّي. وفي الوقت نفسه، كانت قصصي تبدو لهم غير مألوفة. فاجأني ذلك، لأنني حتى ذلك الحين لم أكن قد فكرت حقاً في الطبقة الاجتماعية، أو في أن الناس قد يكبرون في عوالم متباينة تماماً.
كبرتُ بين عدد كبير من الإخوة والأخوات، وبما أننا كنا عائلة كبيرة، لم تكن لدينا أشياء مادية كثيرة. كان علينا أن نتقاسم كل شيء، وأن تُوزَّع الموارد بيننا جميعاً. ربما لم أفكر في الأمر كثيراً حينها، لكنني أرى الآن كيف شكّلت تلك القيود — إلى جانب ذكرياتي مع إخوتي وأخواتي — طريقتي في النظر إلى الناس، والعلاقات، والحياة اليومية.
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_37_20_44d4035c93.jpeg?size=151.41)
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_37_55_e730e11131.jpeg?size=122.91)
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_37_42_a3d59fa86e.jpeg?size=118.78)
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_36_47_c5348c8e3e.jpeg?size=125.43)
— ومتى شعرت للمرة الأولى برغبة في سرد الحكايات عبر التصوير الفوتوغرافي؟
— في الحقيقة، بدأ اهتمامي بالسرد قبل التصوير. عندما كنت في الخامسة أو السادسة من عمري، أتذكر أنني كنت أشاهد الأفلام مع عائلتي وأندهش من فكرة أن بوسعك أن تجلس أمام شاشة ساعة أو ساعتين، فتغرق تمامًا في حكاية شخص آخر. كان الفيلم قادرًا على أن يلامس شيئًا عميقًا في داخلك. لم أكن أعرف أي نوع من الحكايات أريد أن أروي، لكنني كنت أعرف بالفعل أنني أريد أن أحكي قصصًا.
في سنوات المراهقة، ازداد اهتمامي بالسينما كثيرًا. لكن العيش في بندر عباس، بعيدًا عن طهران وعن مركز صناعة الأفلام، جعل هذا الطريق يبدو صعبًا وبعيد المنال. كانت إمكانات الوصول محدودة جدًا آنذاك مقارنة بما هي عليه اليوم. وفي النهاية، شعرت بالإحباط تجاه السينما لأنني أحسست أنني لا أستطيع بلوغها حقًا. بطريقة ما، ودّعت السينما وبدأت أبحث عن وسيلة أخرى للتعبير عن نفسي.
وهنا وجدت التصوير الفوتوغرافي.
عندما بدأت ألتقط الصور، كان الدافع نفسه لا يزال يقودني: أردت أن أروي حكايتي وحكايات الأشخاص من حولي. وبالأخص، شعرت أن في قصة عائلتي شيئًا أريد أن أحفظه، وأن أشاركه لاحقًا مع الآخرين.
— وكيف تصف مقاربتك للتصوير الفوتوغرافي؟ كيف تحاول أن تروي حكايتك وحكايات الآخرين؟
— أعتقد أن إحدى الأفكار الأساسية في تصويري هي أن الصورة، بالنسبة إليّ، نوع من الوثيقة. إنها وسيلة لإثبات أن شيئًا ما حدث داخلي — شعور، تجربة، أمر عشته.
سواء كنت أعمل بأسلوب وثائقي أو أصنع صورًا معدّة بعناية، أحاول أن أحوّل تلك التجارب إلى شيء فني. وما إن تصبح مرئية، حتى يصبح بالإمكان مشاركتها أيضًا. قد يكون شخص ما مرّ بتجربة مشابهة، أو قد تكون تجربته مختلفة تمامًا، ومع ذلك يستطيع أن يتصل بالشعور الكامن خلف الصورة. أظن أن هذه إحدى السمات الكونية للفن.
هناك دائمًا شيء شخصي في صوري. ليست صورًا سعيدة على نحو خاص، لأنني لا أرى العالم بهذه الطريقة حقًا. بالطبع لدي لحظات سعيدة وأستمتع بحياتي، لكن حين أتأمل بعمق أكبر تجاربي وما يحدث من حولي، تميل مشاعر أخرى إلى الظهور على السطح.
يمكن رؤية ذلك في مختلف أعمالي — في غزو، الذي خرج من حالة الاكتئاب التي مررت بها عام 2022، وفي «لن نصل إلى الاحتفال»، وكذلك في المشروع الذي أعمل عليه الآن. إنها مجموعات أعمال مختلفة، لكنها مترابطة وجدانيًا. في كل واحدة منها شيء مني.
لا أريد أن أنجز أعمالًا تتظاهر بأنني شخص لستُه. أريد لصوري أن تبقى صادقة مع ما أشعر به وما عشته من تجارب.
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_37_51_4818a2da0f.jpeg?size=68.69)
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_37_06_4e0de9cf4a.jpeg?size=83.96)
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_37_22_a9a1404149.jpeg?size=62.3)
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_37_56_51e0102da7.jpeg?size=158.88)
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_37_46_7c4c3562bc.jpeg?size=84.76)
— رأيتُ صورة الكلبين والرجل وهم ينظرون إلى البعيد. ما الفكرة وراء هذه الصورة؟ وماذا أردت التعبير عنه من خلالها؟
— التقطت هذه الصورة في جبال شمال إيران، وكان الضباب يغمر المكان كله. في ذلك الوقت، كان يراودني شعور بأنني فقدت شيئًا إلى الأبد، ومع ذلك لم أكن قادرًا على المضي قدمًا. كنت أعيش حالة وداع ممتدة؛ لا أستطيع إغلاق الباب تمامًا ولا العبور إلى فصل جديد من حياتي.
تغلب عليّ العاطفة كثيرًا، وكثيرًا ما أعود إلى الماضي؛ إلى الذكريات وإلى الأشخاص الذين كان لهم أثر في تكويني. من هنا جاء عنوان العمل: «الوداع الطويل». بالنسبة إليّ، يقع الوداع الطويل في مساحة ما بين النهاية والأمل في أن الأمر ربما لم ينتهِ حقًا. تعرف أنك يجب أن تتركه يمضي، لكنك تُبقي الباب مواربًا قليلًا، معتقدًا أن الشخص قد يعود أو أن شيئًا ما قد يتغير.
الشخص في الصورة يدخّن وينظر إلى البعيد، وكأنه ينتظر عودة شيء ما. وهناك أيضًا كلب، وهو في لغتي البصرية يرمز إلى الوفاء؛ للماضي، ولما كان لنا يومًا، وربما لشيء لم يعد موجودًا بالطريقة نفسها.
حتى حين يبدو كل شيء آخر غير مؤكّد، يبقى ذلك الوفاء حاضرًا. في الأمر حزن، لكن فيه أيضًا قدرًا صغيرًا من الأمل. هذا هو الإحساس الذي أردت التقاطه في «الوداع الطويل»: أن تدرك أن شيئًا ما ربما انتهى، ومع ذلك لا تكون مستعدًا تمامًا للتخلي عنه.
— أعتذر إن كان السؤال حساسًا، لكن ربما يمكنك أن تخبرنا قليلًا عن الشخص في هذا المنشور. لقد شاركت هناك الكثير من الذكريات عنه. من كان بالنسبة إليك، وماذا حدث؟
— كان أعز أصدقائي منذ الطفولة. كبرنا معًا، وكنا مقرّبين جدًا.
فقدته في 2021، خلال مطاردة للشرطة في بندر عباس. بحلول ذلك الوقت، كانت التصوير قد أخذ حياتي في اتجاه مختلف، ولم نكن قد التقينا منذ مدة. لكنني كنت أظن دائمًا أننا سنستعيد صلتنا يومًا ما، عندما يصبح اسمي أكثر حضورًا كمصوّر. لم تُتح لي تلك الفرصة أبدًا.
في الفترة نفسها تقريبًا، فقدت عدة أصدقاء آخرين أيضًا. هذا القدر من الفقدان خلال مدة قصيرة دفعني إلى اكتئاب عميق جدًا. أصبحت صورة صديق طفولتي أشبه بنُصب تذكاري؛ طريقة لحفظ حقيقة أنه كان موجودًا، وأنه أسهم في تشكيل جزء مما أنا عليه.
:quality(75)/large_Frame_2087329870_0feee098df.jpg?size=32.98)
— هل يمكن القول إن Invasion وُلد من تلك المرحلة في حياتك؟ فقد قلت إنه خرج من فترة اكتئاب عميق وانعدام للأمل.
— نعم، تماماً.
في ذلك الوقت، كنت أشعر كأنني واحدة من صغار السلاحف التي تفقس ثم تضطر إلى شقّ طريقها نحو البحر. ليست كلها تنجو في تلك الرحلة، وهكذا كنت أرى حياتي: كثيرون منا بدأوا من المكان نفسه، لكنني بطريقة ما كان عليّ أن أواصل.
كنت أذكّر نفسي باستمرار بأن لديّ أحلاماً لم تنتهِ بعد — أن أصبح مصوّرة، وأن أجد صوتي الخاص، وأن أسافر خارج إيران، وأرى المعارض والمهرجانات، وأكتشف العالم الأوسع. تلك الطموحات منحتني سبباً للاستمرار خلال فترة حالكة إلى حد لا يُصدّق.
ثم انتهت علاقتي العاطفية أيضاً. وفي لحظة ما، نظرت إلى نفسي وأدركت عمق الانكسار الذي كنت أشعر به.
في تلك الفترة تقريباً، راودني كابوس مروّع. ظل عالقاً في داخلي، لكن كلما حاولت وصفه — أو الأهم، شرح المشاعر التي كانت وراءه — شعرت بأن الناس لا يفهمون حقاً ما كنت أحاول قوله. لم تكن الكلمات كافية. لذلك قررت أن أنجز مشروعاً يستطيع أن يعيد خلق تلك الأجواء وينقل تلك المشاعر بصرياً. وهكذا أصبح Invasion.
:quality(75)/large_mehrdadmosaferii_1747074749_3631048631297102194_7553155834_e8504027aa.jpg?size=99.91)
:quality(75)/large_mehrdadmosaferii_1746815444_3628873420263116600_7553155834_d206f4f55b.jpg?size=203.32)
كان المشروع يتمحور حول أمور كثيرة كنت أصارعها في تلك الفترة: القيود، والرغبات التي لم أستطع تحقيقها، وأسئلة تتعلق بهويتي، وذلك الإحساس بأن الآخرين أو المؤسسات يحاولون باستمرار أن يملوا عليّ من يفترض أن أكون. كنت أشعر بأن هناك تصنيفات تُلصق بي ولا تعبّر عمّن أكونه فعلاً. أردت أن أفهم نفسي بعيداً عن تلك التصنيفات: ماذا أريد، وممّ أخاف، ومن أين يأتي هذا الاكتئاب.
وهكذا تحوّل Invasion إلى رحلة نحو الداخل، وإلى دليل على أن تلك المرحلة حدثت بالفعل في أعماقي؛ وأن هذه المشاعر، وهذا الإنهاك، وهذا الارتباك والألم، كانت كلها حقيقية.
كما ساعدني العمل على المشروع في استيعاب ما كنت أمرّ به. وبعد أن أنهيته، بدأت أشعر بتحسن. بطريقة ما، ساعدني إنجاز هذا العمل على الخروج من ذلك الاكتئاب.
:quality(75)/large_mehrdadmosaferii_1737830452_3553501845892802270_7553155834_5fd227e376.jpg?size=159.97)
:quality(75)/large_mehrdadmosaferii_1745260779_3615831951709115987_7553155834_2f74f40243.jpg?size=161.93)
— شكراً لك على مشاركتنا ذلك يا مهرداد. هناك أمر آخر لفتني في أعمالك، وهو الحضور المتكرر للبحر — بل للماء عموماً: البحر، والبحيرات، والمطر، وحتى الإحساس بالرطوبة في الهواء. لماذا يكتسب كل هذا القدر من الأهمية لديك؟
— البحر يعني لي الكثير على مستوى شخصي. أعود إليه دائماً على مدار العام، ولا سيما في الخريف والشتاء، حين يصبح الطقس ألطف، وتكتسي المغارب بلون وردي، وتبدو الغيوم جميلة، وتصل الطيور المهاجرة بعد رحلاتها الطويلة. أشعر بارتباط عميق بذلك المشهد، ولهذا يظهر البحر كثيراً في صوري.
في عملي، غالباً ما يرمز الماء والأمواج إلى عدم اليقين. لا يمكنك أبداً أن تتنبأ تماماً بحركة البحر التالية. وبالمثل، يبدو كثير من الأشخاص في صوري كأنهم في حالة انتظار، يحدّقون عبر الماء كما لو أنهم يتطلعون إلى شيء ما، أو يبحثون عن شيء فقدوه، أو ينتظرون أمنية كي تتحقق.
بالنسبة إليّ، يمثّل الخليج العربي أيضاً مساحة وصل. قد يعيش الناس على ضفاف مختلفة من الخليج في بلدان متعددة، لكنهم يتشاركون روابط ثقافية كثيرة. الماء يصل بينهم. تعبره الطيور من دون أن تكترث للحدود، وعلى مدى قرون حمل البحر الناس والبضائع والتأثيرات من أفريقيا والهند وغيرها. لذلك، لا يكون الماء بالنسبة إليّ مجرد مشهد طبيعي؛ بل هو أيضاً جسر بين الأمكنة والثقافات والذكريات.
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_36_56_abef445232.jpeg?size=113.08)
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_36_53_b12ac09335.jpeg?size=42.88)
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_36_59_c980a89552.jpeg?size=48.3)
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_37_08_1_99a0545d6f.jpeg?size=88.66)
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_36_54_0ed1325733.jpeg?size=81.42)
يحضر الأطفال كثيراً في صوري أيضاً، ولا سيما قرب البحر، لأنهم يعيدونني إلى طفولتي. عندما أرى أطفالاً على الشاطئ، أتذكر السباحة مع أصدقائي والنشأة على ضفاف الخليج. من خلال هذه الصور، أحاول أن ألتقط تلك التجربة المشتركة: معنى أن يولد المرء بجوار البحر، ويكبر معه، ثم يشتاق إليه لاحقاً بعدما تمضي الطفولة.
بطريقة ما، ما زلت أرى في داخلي ذلك الطفل؛ من يريد أن يكتشف ويستكشف ويواصل البحث. وهذا يرتبط أيضاً بإحساس الفقدان في أعمالي. كان لي صديق طفولة انتقل إلى الضفة الأخرى من الخليج، إلى الإمارات، ولم أره بعد ذلك أبداً. أحياناً ما زلت أفكر فيه وأتساءل أين أصبح الآن.
أظن أن هذا أيضاً هو السبب في أن شخصياتي كثيراً ما تحدق نحو الأفق. فهي لا تنظر إلى البحر فحسب، بل تبحث عن شيء فقدته: شخص، أو أمل، أو أمنية، أو جزء من ذاتها. ذلك الشعور بالانتظار واللايقين والحنين هو ما أحاول أن أودعه في كثير من صوري الفوتوغرافية.
:quality(75)/large_photo_2026_08_16_19_37_53_5610fd5050.jpeg?size=66)
— ذكرتَ أنك تعمل حالياً على عدة مشاريع. هل يمكن أن تخبرني أكثر عنها؟
— في الوقت الحالي، أضع اللمسات الأخيرة على مشروع تجريبي بعنوان جرح مفتوح. أصفه بالتجريبي لأنني أحاول أن أتحدث عن أمر أثّر فيّ بصورة مباشرة جداً، لكن من دون أن أعرضه بشكل مباشر. أنا الآن في مرحلة تصحيح الألوان، وآمل أن أنتهي منه وأنشره خلال الشهرين المقبلين.
أعمل أيضاً على تطوير مشروع آخر يذهب بعمق أكبر إلى موضوع الخليج العربي. ما يشدّني هو الناس الذين يعيشون على ضفتيه، والعلاقات التي ربطت هذه المجتمعات على مدى أجيال. بالنسبة إليّ، الخليج العربي ملك للناس الذين يعيشون حوله. أريد أن أنظر إلى ما وراء الحدود السياسية، وأن أركّز بدلاً من ذلك على الثقافة والروابط بين الناس.
— المشروع الأول الذي ذكرته، جرح مفتوح، نابع من صدمة شخصية. هل يُعدّ بطريقة ما امتداداً لـغزو؟
— نعم، ثمة صلة بينهما. ينبع «جرح مفتوح» من تجارب وبنى اجتماعية أثّرت فيّ منذ عام 2022، ولا تزال تؤثّر فيّ حتى اليوم. أحياناً تتلاحق الأحداث بسرعة لا تترك لك حتى وقتاً للحزن أو لاستيعاب تجربة ما بالكامل قبل أن يحدث شيء آخر.
يتناول المشروع جروحاً لم أتمكّن بالضرورة من مداواتها، لكنني أريد الاعتراف بها وتوثيقها. أستخدم صوراً فوتوغرافية لنفسي وأمزجها بأنواع أخرى من الصور. بهذا المعنى، يواصل المشروع شيئاً كنت قد استكشفته في «غزو»، لكن من منظور مختلف.
— وبالنسبة إلى مشروع الخليج العربي، ما الذي تبحث عنه تحديداً؟ وكيف تريد أن تتعامل معه؟
— أرى ما أقوم به الآن بمثابة الفصل الأول من مشروع طويل الأمد. عليّ أن أعمل عليه ببطء بسبب القيود المالية، لكنني لا أريد التخلي عنه لأنه يعني لي الكثير.
في جوهر الأمر، أحاول أن أفهم من أكون ومن أين جئت. تشدّني الأسئلة البسيطة جداً: لماذا يحمل هذا المكان هذا الاسم؟ من أين جاء تقليد معيّن؟ ما القصص المختبئة هنا؟ لا يمكن بالضرورة العثور على الإجابات الحقيقية في Google أو ChatGPT. أعتقد أن كثيراً منها يعيش في ذاكرة الأشخاص الذين قضوا حياتهم كلها هنا.
لهذا يهمّني بشكل خاص أن أتحدث مع كبار السن. أحياناً قد لا يدركون هم أنفسهم حجم المعرفة التي يحملونها، لأنها بالنسبة إليهم جزء من الحياة اليومية فحسب. لكن هناك أغاني وحكايات وتقاليد وذكريات تناقلتها الأجيال شفهياً. قد يستطيع بعض الناس أداء أغنية بإتقان تام، لكنهم لا يستطيعون تدوينها. هذه المعرفة تعيش في الإنسان نفسه.
لديّ أيضاً ميزة أنني أقترب من هذه المجتمعات لا بصفتي شخصاً من الخارج، بل كإنسان ينتمي إلى هذا المكان. أشاركهم الكثير من هذه التجارب، وفي الوقت نفسه يحمل كل شخص وكل مكان شيئاً خاصاً وفريداً جداً.
أعتقد أن بإمكاني أن أمضي بقية حياتي أعمل على الخليج العربي. ثمة الكثير هنا لأكتشفه كفنان.

:quality(75)/medium_Ibrahim_Zaki_2_2_b3ae4c99a5.jpg?size=45.52)
:quality(75)/medium_a_c_e1_Qfwc5_Ms_Js_unsplash_6ae00521f1.jpg?size=90.89)
:quality(75)/medium_image_1291_3_76abfc1ef7.jpg?size=44.42)
:quality(75)/medium_image_1289_6b6a4369e9.png?size=597.35)
:quality(75)/medium_image_1544_2ccfe60579.jpg?size=64.76)
:quality(75)/medium_Claudette_6578a813e2.jpg?size=32.28)