image

by Alexandra Mansilla

فنانون استلهموا رمال الصحراء

Sama Alshaibi, Siḥr Ḥalāl (2014). Source: samaalshaibi.com

غالباً ما تُتخيَّل الصحراء مكاناً خاوياً: امتداداً شاسعاً من الرمل والصخر والصمت. لكن بالنسبة إلى الفنانين الذين يعرفون هذه المناظر عن قرب، فهي أبعد ما تكون عن الفراغ. تحتفظ الصحراء بالذكريات والحكايات ومنظومات بيئية كاملة. يعيد الريح والماء كتابة سطحها باستمرار، فيما تحفظ صخورها آثار عمليات جيولوجية بدأت قبل وجودنا بزمن طويل. بالنسبة إلى هؤلاء الفنانين من منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ليست الصحراء مجرد خلفية درامية؛ بل هي مادة، وبيئة حيّة، وطريقة للتفكير في الحركة والبقاء والتلاشي والزمن.

مهند شونو

بالنسبة إلى الفنان السعودي مهند شونو، الصحراء مكان لا يبقى فيه شيء ساكناً تماماً. في عمله ما يبقى، تمتد شرائط طويلة من القماش المشبّع برمال محلية عبر المشهد الطبيعي. ومع تعرّضها للريح، تتحرك وتنسحب وتلتقط آثاراً جديدة من الأرض المحيطة بها.

يستمد العمل إلهامه من القوى الريحية نفسها التي تكوّن الكثبان الصحراوية وتعيد تشكيلها باستمرار. وبدلاً من تقديم المشهد الطبيعي كشيء ثابت، يتيح شونو له أن يصبح شريكاً في العمل. فالريح تحدد حركة التركيب الفني، بينما يمنحه الرمل ثقله وملمسه ولونه.

يحمل هذا الاضطراب معنى أعمق أيضاً. فالسطح المتحوّل يغدو استعارة للذاكرة والهوية والانتماء — وهي أمور نادراً ما يمكن حصرها داخل حدود ثابتة. مثل الكثبان الرملية، تتعرّض للإزاحة ثم يُعاد تشكيلها مراراً. لذلك يبدو السؤال الذي يطرحه العنوان عصيّاً على الإجابة عمداً: بعد أن تمرّ الرياح ويتبدّل المشهد من جديد، ما الذي يبقى حقاً؟

سما الشعيبي

غالباً ما يُنظر إلى الماء والصحراء بوصفهما نقيضين، لكنهما في عمل «سلسلة» للفنانة الفلسطينية-العراقية سما الشعيبي جزء من حكاية واحدة متشابكة. أنجزت الفنانة هذه السلسلة متعددة الوسائط على مدى ثماني سنوات، وتضم 42 صورة و8 مقاطع فيديو، وقد وُلدت من رحلاتها عبر المناظر الصحراوية ومصادر المياه المهددة في أنحاء الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

ويحيل عنوانها إلى معنى “chain” أو “link” بالعربية، أي «سلسلة» أو «رابط»، في إشارة إلى الصلات الجغرافية والبيئية الممتدة عبر المنطقة. تصوّر الشعيبي جسدها وتوثّقه بالفيديو داخل هذه البيئات، متخذةً منه وسيلة للتأمل في الهجرة والحدود والنزوح وتفاقم ندرة الموارد الطبيعية.

image
image
image

سما الشيبي، شط الجريد (2011)، تسمع (2014)؛ الرحّالة (2012). (2014). المصدر: samaalshaibi.com

في هذه السلسلة، تحضر الصحراء بوصفها فضاءً مادياً ورمزياً في آنٍ واحد. تعبرها طرق تاريخية للحج والتجارة، كما تقطعها اليوم حدود سياسية معاصرة تقيّد الحركة. ويظهر الماء كمصدر للحياة والروحانية والاعتماد المشترك، وعنصرٍ يصل بين المجتمعات حتى عندما تفصلها الحدود الوطنية. ومن خلال هذه العلاقة، لا تقدّم «سلسلة» الصحراء كفراغ معزول، بل كجزء من منظومة بيئية يرتبط فيها كل مكان وكل جسد بما حوله.

أسيل اليعقوب

للوهلة الأولى، قد تبدو صخور الصحراء ساكنة وخالية من الحياة. لكن الفنانة الكويتية أسيل اليعقوب تنظر إليها عن قرب. يستلهم عملها التركيبي حياة غريبة: أنشودة لورنيش الصحراء «ورنيش الصحراء»، وهي طبقة رقيقة داكنة تتكوّن على مدى فترات زمنية بالغة الطول فوق أسطح الصخور المكشوفة في البيئات القاحلة.

لا تزال آلية تشكّل الورنيش الصحراوي بدقّة تثير أسئلة علمية. فقد تسهم المعادن والغبار والكائنات الدقيقة والرطوبة والرياح جميعها في هذه العملية. ومن خلال تركيزها على هذا السطح الغامض، تتحدى اليعقوب التصوّر المألوف للصحراء بوصفها مكاناً لا يحدث فيه الكثير.

تكبّر الفنانة هذه الظاهرة وتعيد تخيّلها عبر أشكال نحتية، فتحوّل عملية طبيعية تكاد لا تُرى إلى حضور لا يمكن تجاهله. يلفت العمل الانتباه إلى أنماط من الحياة والتحوّل تقع خارج نطاق الإدراك البشري المعتاد. فما يبدو حجراً عارياً قد يحمل سجلاً معقداً من النشاط البيولوجي وتراكم المعادن والتغيّر البيئي.

كالين عون

يبدأ عمل الفنانة اللبنانية كالين عون الصحراء بلا سطح بأحجار بازلتية جُمعت من الهضبة البركانية في حرة الشام. صُقل جانب واحد من كل حجر حتى أصبح عاكساً، يلتقط ومضات من ضوء الشمس تظهر وتختفي مع حركة الزوار حول التركيب.

يطرح عنوان العمل سؤالاً حول فكرة أن للصحراء سطحاً واحداً ثابتاً ومحدداً بوضوح. فالمنظر الطبيعي في الحقيقة يتبدل باستمرار بفعل الضوء والهواء والجفاف والرطوبة والحرارة وإدراك الإنسان. وحتى الصخور التي تبدو صلبة تختزن في داخلها سجلات للحركة والتحول.

تقيم عون تبايناً بين الثقل المادي للبازلت وثباته الجيولوجي، وبين الانعكاسات العابرة التي تتشكل على سطحه المصقول. فبحسب موقع المتلقي والظروف المحيطة بالعمل، قد تبدو الحجارة مضيئة أو معتمة، واضحة للعين أو كأنها تكاد تذوب في المشهد الطبيعي.

هنا، تتحول الصحراء إلى فضاء يتجاور فيه الثبات مع عدم الاستقرار. فموادها قد تكون ضاربة في القِدم، لكن الطريقة التي نختبرها بها تتبدل من ثانية إلى أخرى.