image

by Barbara Yakimchuk

ماذا يبقى من الطفولة حين نغدو فنانين؟

ثمة مقولة تقول إننا جميعاً لسنا سوى أطفال نرتدي أجساد البالغين. وكلما تقدمت في العمر، ازداد إحساسي بصدقها. تستطيع جدتي أن تجلس لساعات وهي تستعيد صورتها كتلميذة في المدرسة — حين كانت تتهرب من الحصص، وتتلقى توبيخ والدتها لأنها لا تطيع بما يكفي، وتستحضر تفاصيل صغيرة من عقود بعيدة. بعض الذكريات يبقى حاضراً بوضوح مدهش — من الألعاب التي كنا ننام بجوارها، إلى لحظات شديدة الصغر نظن أنها كان لا بد أن تتلاشى منذ سنوات.

ولعل الفنانين، أكثر من غيرهم، يملكون موهبة منح تلك الذكريات حياة ثانية. أحياناً تعود الطفولة في هيئة غرض مألوف، وأحياناً في شخصية، أو لون، أو مكان، أو مجرد إحساس — ربما في طريقة الخربشة التي كنت تمارسها وأنت جالس إلى مقعدك بين أصدقاء المدرسة، وربما في أحلام راودتك طفلاً ولم تتحقق تماماً.

وهذا بالضبط ما أردنا التوقف عنده: كيف يعود فنانون مختلفون إلى طفولتهم في أعمالهم، وبأي أشكال مدهشة ومتباينة تستقر تلك الذكريات في النهاية.

إيهاب أحمد

بدأت علاقة إيهاب أحمد بالفن حين كان في الثامنة، يملأ دفاتر المدرسة بالخربشات بدلاً من الانتباه إلى الدرس. مرّت السنوات، لكن شيئاً كثيراً لم يتبدل — فحتى وهو بالغ، ما زال إيهاب يعود إلى تلك العادة نفسها. غير أن خربشات الدفاتر صارت اليوم لوحات تسكنها الأسماك والطيور والعيون والأشجار والزهور والحيوانات والأشكال الهندسية، وجابت العالم، وجذبت إليه جمهوراً من المحبين. ما زالت شخوصه تحتفظ بعفوية آسرة، وما زالت ألوانه زاهية؛ وقد وصفت بعض المنشورات أسلوبه بأنه نقطة التقاء بين بهجة الطفولة وحِرفية البالغين، وهو وصف يبدو في مكانه تماماً.

لكن هذا القدر من البهجة لا يعني أن طفولة أحمد كانت كلها لهواً ومرحاً. ففي صغره، اضطرت عائلته إلى مغادرة لبنان إلى قبرص، قبل أن تجد طريقها في النهاية إلى الوطن. ويبدو أن الرسم، حتى في ذلك الوقت، أصبح وسيلته لابتكار شيء مبهج حين لم يكن العالم من حوله كذلك. إنها غريزة لازمته منذ ذلك الحين؛ فكما شارك أحمد من قبل، حين تشتد العتمة في الحياة، يميل هو إلى فعل العكس.

هذا ما حدث في ذلك الوقت، وما زال يحدث اليوم كلما اشتدّت الحياة. وفي حديثه عن معرضه أوقفتُ عقلي مؤقتاً!، قال إنه خلال فترة صراع والدته مع السرطان، تعمّد أن يحيط نفسه بأشخاص مرحين يبثّون التفاؤل، واصفاً طاقتهم بأنها نوع من الدواء. ويبدو أن فنه يعمل بالطريقة نفسها تقريباً: يأخذ شيئاً صعباً ويردّ عليه بما يبعث على الفرح، تماماً كما تعلّم أن يفعل وهو طفل.

علي بني صدر

بالنسبة إلى علي بني صدر، لم تكن الطفولة مجرد مخزون من الذكريات يرسمه، بل كانت القوة التي شكّلت طريقته في الرؤية والإبداع. وُلد في طهران عام 1976، وأمضى سنواته الأولى هناك خلال الحرب الإيرانية العراقية، محاطاً بصفارات الإنذار من الغارات الجوية، والانفجارات، والاهتزازات المادية للقصف. كلما دوّت الإنذارات، كان بني صدر يتجه مع والدته إلى الملجأ، حيث يجلس ويرسم بينما يصغي إلى ما يجري في الخارج. وقد ربط لاحقاً هذه التجارب بحالة الحسّ المرافق لديه، وهي ظاهرة يستدعي فيها أحد الحواس حاسة أخرى، موضحاً أن الأصوات كانت تتجلى أمامه تقريباً كأشكال وألوان بصرية.

ولم يغادره ذلك الحدس الطفولي حقاً. في تلك الفترة، كان يواجه الأصوات المخيفة عبر الخطوط والآثار؛ أما اليوم، فما زال يترجم ما يسمعه ويشعر به إلى صورة مرئية. أمر لافت بالفعل؛ فبعد عقود، لا يزال فنان في الخمسين يبدع بلغة اكتشفها وهو طفل.

لكن ثمة ملاحظة مهمة: بني صدر لا يرسم ذكريات الحرب حرفياً. أعماله عوالم واسعة وكثيفة، تمتلئ بشخصيات مجزأة، ومناظر طبيعية، وأشكال تكاد تكون قابلة للتعرّف، تظهر وتختفي على امتداد اللوحة. لقد تغيّرت الأصوات نفسها، غير أن طريقته في تحويلها إلى صور بدأت منذ تلك السنوات البعيدة في طهران.

يتو برادة

يتو فنانة مغربية، والمفارقة الجميلة أنها جاءت تماماً كما كنت أتخيّل هذا النوع من الفنانات قبل أن أبدأ حتى البحث في هذا الموضوع. نشأت في طنجة قبل أن تنتقل إلى باريس في سنّ الرشد، لكنها لا تكفّ عن العودة في أعمالها إلى مكان طفولتها: شوارعه، وأشياؤه، وعمارته، وتواريخ عائلاته، ووقائعه السياسية، بعين تراقب دائماً كيف تبدّلت المدينة وتحوّلت. غير أن ما تستكشفه لا يقتصر على طفولتها الشخصية، بل يمتد أيضاً إلى طفولات أطفال آخرين كبروا في المكان نفسه. ومن هنا تحضر أغراض الأطفال التي تتكرر في أعمالها: مكعبات البناء الخشبية، والأحاجي، والحلوى، والألعاب اليدوية القادمة من شمال أفريقيا.

أحد خيوط هذا الاشتغال يظهر في سلسلتها ألعاب شمال أفريقيا. كيف وُلدت هذه السلسلة؟ بالصدفة تقريباً. عثرت برادة في متحف كيه برانلي على مجموعة من ألعاب شمال أفريقيا القديمة، معظمها جمعه إثنوغرافيون فرنسيون في ثلاثينيات القرن الماضي. لم تكن تلك الأشياء ألعاباً مشتراة من المتاجر أو مصقولة بجمال المصانع؛ بل صُنعت يدوياً من أجل الأطفال، وغالباً بأيدي الأطفال أنفسهم، من أي مواد متاحة حولهم. تتعامل برادة مع هذه القطع الصغيرة بوصفها أعمالاً فنية قائمة بذاتها، فتنقل لعب الأطفال مباشرة إلى فضاء الفن المعاصر، وتدعونا إلى أخذ براعتهم على محمل الجد كطريقة أصيلة في ابتكار الشكل.

ليبوهانغ كغانييه

الاسم الرابع على قائمتنا هو ليبوهانغ كغانييه — فنانة من جنوب أفريقيا تجعل من ذكريات الطفولة وخيالاتها محوراً قريباً من قلب تجربتها الفنية، فتحوّل ما عاشته وما تمنّت لو عاشته إلى أعمال فنية.

ومن المشاريع التي تنسجم تماماً مع موضوعنا Mohlokomedi wa Tora. في طفولتها، سمعت الكثير من الحكايات من جدتها وإحدى عمّاتها عن أفراد من العائلة ووقائع سبقت زمنها. يعود المشروع إلى تلك الذكريات المبكرة، ويحوّل القصص التي كانت تضطر إلى تخيّلها إلى واقع مُنشأ — تركيبات مسرحية بالحجم الطبيعي مصنوعة من قصاصات فوتوغرافية وورق مقوّى وضوء. ومن الشخصيات المحورية فيه جدّها، الذي تعرّفت إلى حياته إلى حدّ كبير عبر ما رواه لها أفراد آخرون من العائلة.

يتجه مشروع آخر إلى شخص أقرب إلى قلبها — والدتها. بعد وفاة والدتها، وكانت كغانيه آنذاك في نحو العشرين من عمرها، بدأت تقلب في صور عائلية قديمة، لتكتشف أمراً لافتاً: بعض الملابس نفسها التي كانت والدتها ترتديها في تلك الصور لا تزال موجودة في البيت. Ke Lefa Laka: Her-story، ارتدت كغانيه تلك الملابس بنفسها، وأعادت تمثيل وضعيات والدتها، ثم أدمجت الصور الجديدة داخل الصور القديمة. وفجأة، استطاعت الأم التي تتذكرها طفلةً تنظر إليها بإعجاب، والمرأة التي صارت هي نفسها عليها، أن تجتمعا في الإطار ذاته — جنباً إلى جنب، كما لو أن الزمن انطوى على نفسه.

أدرا قنديل

وفي ختام رحلتنا إلى عوالم الطفولة، نصل إلى أدرا قنديل — لكن هذه المرة لا نجد لعبة، ولا رسمة مدرسية، ولا حكاية ما قبل النوم. فصلة قنديل بتلك السنوات الأولى تأخذ مسارًا مختلفًا: تستحضر الفنانة اللبنانية ذكرياتها عن بيروت كما عرفتها طفلة، وتمزجها بالحكايات المتوارثة في عائلتها، لتستدعي من خلالهما نسخة من المدينة معلّقة في مساحة ما بين الواقع والحنين.

تتبدّى هذه الذكريات مبعثرة في مختلف أعمالها. ففي كولاجاتها الرقمية الحالمة، تتداخل الصور القديمة والصحف والزهور وفناجين القهوة والسيارات الكلاسيكية وتذاكر Air Liban وشوارع بيروت المألوفة — شذرات من عالم بصري تقرنه بالبيت والماضي. وقد قالت قنديل إن الذاكرة لديها تجربة حسية بامتياز، تتكوّن من مشاعر وروائح وأصوات، وتميل مع مرور الوقت إلى أن تغدو أكثر وردية. لذلك، بدل أن تثبّت مشهدًا واحدًا بعينه من طفولتها، تجمع كل هذه التفاصيل الصغيرة — بعضها تتذكره، وبعضها ورثته وحسب — لتبني بيروت التي ما زالت تعيش في مخيلتها.