image

by Barbara Yakimchuk

الفنانة التي حوّلت أكواب والدتها إلى رحلة عبر تاريخ مصر

ياسمين المليجي نشأت وهي ترى والدتها ترفض رمي أي شيء. فالكوب المكسور أو المزهرية المهشمة كانت تُلصق من جديد، قطعةً تلو الأخرى. وبعد عقود، كان فنجان بورسلين واحد من مجموعة والدتها، يحمل توقيعًا على قاعدته، كافيًا لأن يدفع ياسمين إلى رحلة بحث امتدت خمس سنوات في تاريخ منسي للنحّات المصري فتحي محمود.

ولم يكن ذلك الفنجان سوى البداية. فمنذ ذلك الحين، واصلت الفنانة المصرية العثور على الحكايات في أكثر الأماكن غير المتوقعة؛ تجمع فسيفساء من أطباق مكسورة، وتقتفي أثر رسّامي الخزف عبر البحر المتوسط، بل تتتبّع حتى السياسة العالمية للطماطم من حقول الأقصر إلى متحف في بيتسبرغ. وما يجمع هذه المشاريع التي تبدو للوهلة الأولى غير مترابطة هو قدرتها اللافتة على اكتشاف الحكايات في أشياء لا يخطر لمعظمنا أن يتوقف عندها مرة أخرى.

تحدثنا معها عن نشأتها في فندق في سيناء، وعن الأم التي علّمتها محبة الأشياء المكسورة، وعن الأشخاص الذين يميل التاريخ إلى نسيانهم، ولماذا يستحق حتى أكثر الأشياء عادية أن ننظر إليه عن قرب.

image

— كيف أسهمت طفولتكِ وخلفيتكِ العائلية في تشكيل اهتمامكِ بالفن؟

— أظن أن جزءاً كبيراً من ذلك يعود إلى الطريقة غير المألوفة التي نشأت بها. في منتصف الثمانينيات، انتقل والدي بعائلتنا إلى العريش، وهي مدينة صغيرة على ساحل البحر المتوسط في شمال سيناء. كان قد تولّى وظيفة مدير للموارد البشرية لدى أوبروي، مجموعة الضيافة الهندية التي افتتحت فندقاً هناك بعد الحرب.

كان والدي قد سافر كثيراً بحكم عمله، وأعتقد أن الانتقال بعائلته إلى مكان كان يبدو، في ذلك الوقت، منسياً إلى حدّ ما، احتاج إلى روح مغامرة حقيقية. أما والدتي فكانت اجتماعية على نحو مذهل. كانت تبدو وكأنها تعرف كل شخص في المدينة، وأصبحت جزءاً أصيلاً من المجتمع المحلي. وحتى اليوم، حين نعود إلى العريش، لا يزال الناس يخبروننا كم كانوا يحبونها وكم يفتقدونها.

وهكذا، بالمعنى الحرفي تقريباً، نشأت في فندق. كنت أنا وإخوتي محاطين بمزيج استثنائي من الناس: سياسيون وممثلون ومسافرون وضيوف يأتون من شتى أنحاء العالم. وعندما أتصفح أرشيف عائلتنا اليوم، أجد صوراً لوالدي وهو يلتقي شخصيات آسرة من كل نوع، ويحضر فعاليات كانت تسهم في إعادة الحياة إلى المدينة.

لكن ربما كانت بداياتي الأولى مع الفن على يد والدتي نفسها. كان لديها جانب إبداعي رائع؛ تجمع دائماً أغرب الأشياء وتصنع بيديها قطعاً مختلفة، من الكتب إلى أزياء جميلة براقة مستوحاة من الراقصات الشرقيات اللواتي كنّ يقدمن عروضاً في الفندق. كنت أقلّد الراقصات وأقدّم عروضاً صغيرة لعائلتي وأصدقائي.

كثيراً ما أقول إن والدتي كانت أول جامعة مقتنيات عرفتها، وأول فنانة تجهيزات التقيتها. كانت تملك عيناً مذهلة للتفاصيل وتعلّقاً خاصاً بالأشياء. إذا كسرنا مزهرية ونحن صغار، لم تكن ترميها ببساطة، بل كانت تصرّ على لصق كل قطعة في مكانها. وحين أنظر الآن إلى عملي، أرى بوضوح من أين بدأ افتتاني بالأشياء وبفكرة ترميم ما انكسر.

وبالطبع، كان للمكان نفسه تأثير هائل فيّ أيضاً. فمنذ سن مبكرة جداً، انفتحت على ثقافات وديكورات ومطابخ وطرائق عيش مختلفة. حتى تصميم الفندق أصبح جزءاً من عالمي البصري. وخارج جدرانه مباشرة، كان هناك مشهد مغاير تماماً: الصحراء والنخيل والأراضي الزراعية والبحر المتوسط. كانت والدتي تصطحبنا في رحلات صغيرة إلى بحيرة البردويل لشراء ثمار البحر الطازجة. كان مكاناً استثنائياً حقاً لقضاء الطفولة.

انتقلنا في نهاية المطاف عائدين إلى القاهرة عندما كنت في الثانية عشرة تقريباً، لكنني أعتقد أن جانباً كبيراً مما أنا عليه اليوم كان قد تشكّل بالفعل في العريش. ممارستي الفنية اليوم متنوعة جداً، بل تبدو أحياناً متشعبة إلى حد الفوضى، ولم أشعر يوماً بارتياح كبير لفكرة وضع خاتمة محكمة لأي مشروع. معظم أعمالي تبقى مفتوحة، تتطور باستمرار، وأظن أن هذا الانفتاح نابع من النشأة في بيئة لا يمكن التنبؤ بها، نابضة بالألوان والحياة.

— درستِ النحت في البداية قبل الانتقال إلى الرسم، لكن ممارستكِ اليوم تشمل التجهيز الفني والفسيفساء والترميم. كيف حدث هذا التطور؟

— في الحقيقة، حدث الأمر بالعكس! بدأت في كلية الفنون الجميلة في الزمالك بالقاهرة، أدرس النحت. كان الالتحاق بهذه الكلية حلماً يراودني دائماً، خصوصاً أن كثيراً من الفنانين الذين كنت معجبة بهم درسوا هناك.

كان التعليم تقليدياً إلى حد كبير، بل محافظاً في مقاربته، ولا سيما في ما يتعلق بالنحت. وكنت أجد ذلك مقيّداً بعض الشيء أحياناً، لأنني كنت أريد مساحة أكبر للتجريب. ومع أنني أكنّ تقديراً كبيراً لأساتذتي، أدركت بعد بضعة أشهر في قسم النحت أنني كنت متمكنة نسبياً من العمل بالأشكال ثلاثية الأبعاد. لذلك انتقلت إلى الرسم، ووجدته في الحقيقة أكثر تحدياً بكثير.

ومع مرور الوقت، وجدت نفسي أنجذب من جديد إلى الأشياء المادية. لطالما فتنتني الطريقة التي تحتفظ بها بذكريات أشخاص وأشياء لم تعد موجودة. العمل بالشظايا، وترميم ما انكسر، ومنح الأشياء هيئة جديدة، كل ذلك أتاح لي استكشاف هذه الأفكار بطريقة أكثر ملموسية. لكن هذا لا يعني أنني تركت الرسم خلفي يوماً. في الواقع، أرى أن عملي في الفسيفساء يجمع الاثنين معاً على نحو جميل. حين يزور الناس مرسمي، كثيراً ما يلفتون إلى أن شظايا الأطباق المكسورة تشبه ضربات الفرشاة. وهم محقون؛ بمعنى ما، أنا أرسم بقطع الخزف بدلاً من الفرشاة.

— يبدو أن ترميم أشياء لا يمكن إعادتها بالكامل إلى ما كانت عليه يحتل مكانة مركزية في عملكِ. من أين بدأ هذا الافتتان؟

— بدأ في الحقيقة قبل نحو عشر سنوات، من أمر شديد الخصوصية. كنت أحاول ترميم دمية كان والدي قد أهداها إلى والدتي، التي كانت قد رحلت. في ذلك الوقت، كنت لا أزال أعيش حزن فقدانها، وكان فعل إعادة شيء مكسور إلى هيئة متماسكة يحمل ثقلاً عاطفياً هائلاً.

تغيّرت علاقتي بالترميم كثيراً منذ ذلك الحين. أصبحت أمّاً الآن، وأختبر الحزن والذاكرة بطريقة مختلفة. أحياناً أعيد قراءة مقابلات أجريتها قبل سنوات، فأدرك كم تطور فهمي للعمل.

ومع ذلك، لا أستطيع القول إنني توصّلت إلى إجابة نهائية. لست مهتمة بالضرورة بإعادة الشيء إلى حالته الأصلية الكاملة. ما يثير فضولي أكثر هو ما يحدث له بعد التدمير، وما يبقى منه، وما لا يمكن استعادته تماماً. ربما لهذا أعود إلى هذا الموضوع مراراً. أظن أنني سأظل أستكشفه طوال حياتي.

image
image
image

المشروع: طقوس العبور

— تحوّلت تلك التجربة الشخصية في النهاية إلى طقوس العبور، معرضكِ الفردي الأول. ماذا تتذكرين عن مرحلة إنجازه؟

— أتذكر أنني كنت أقضي تقريباً كل يوم في الاستوديو، أعمل بالشمع والإسمنت. مادتان مختلفتان تماماً: فالشمع هشّ للغاية، بينما يرتبط الإسمنت بالبناء والديمومة. كان الجمع بينهما تحدياً تقنياً، لكن ذلك التباين كان يفتنني.

واصلت صنع مصبوبات لأغراض منزلية، مكررة العملية نفسها مرة بعد مرة. ومع ذلك، لم تكن أي قطعتين تخرجان متطابقتين تماماً. بعضها كان ينقصه جزء، وبعضها الآخر بدت فيه الفواصل أو العيوب واضحة. كان في الأمر شيء أقرب إلى الطقس، وهذا كان منطقياً لأنني، في تلك الفترة، كنت أستخدم العمل لأستوعب حزني.

تحوّل العمل التركيبي في النهاية إلى أول معرض فردي لي في تاون هاوس فاكتوري بوسط القاهرة. حتى إنني بنيت نافورة من الشمع، بحيث يسمع الزوار عند دخولهم صوت الماء الجاري ويشمّون رائحة المادة. أردت له أن يكون تجربة حسية، لا مجرد مجموعة من الأشياء.

في يوم الافتتاح، كنت مذعورة تماماً. شعرت كأنني دعوت غرباء بالكامل إلى مساحة شديدة الخصوصية.

بعد ما يقرب من عشر سنوات، وجدت نفسي أعود إلى الدمية التي بدأ منها كل شيء، وأقدّمها مجدداً في فريز لندن. لم أكن أخطط للعودة إليها، لكن صاحبة الغاليري الذي يمثلني شجعتني على إحضارها من جديد. كانت هي نفسها تعيش تجربة المرض والفقد، وأظن أن ذلك منحها فهماً شديد الخصوصية للمشاعر الكامنة وراء العمل.

كانت رؤيتها من جديد تجربة مؤثرة للغاية، لكن لسبب مختلف. هذه المرة، استطعت أن أرى كم كان كثير من لغتي الفنية حاضراً منذ البداية: القوالب، والتكرار، والمواد الصناعية، والأغراض المنزلية، والعملية الجسدية لصنع الأشياء. شعرت كأنني ألتقي نسخة سابقة من نفسي.

— كيف تفاعل الزوار مع طقوس العبور؟

— استمر المعرض شهرين، وعاد بعض الزوار مرتين أو ثلاثاً. كثيرون تعرّفوا إلى الأغراض المنزلية التي كنت قد صببتها من مجموعة والدتي؛ فقد كانت لديهم أشياء مشابهة في بيوت عائلاتهم. عندها أدركت أن العمل لا يتعلق بفقدي الشخصي فحسب، بل بالذاكرة الجماعية أيضاً.

ولأن المعرض أُقيم في وسط القاهرة، الذي كان يشهد آنذاك أعمال ترميم واسعة، فإن الإسمنت الذي استخدمته ربط العمل أيضاً بالمدينة وهي تتغير. ما بدأ كأمر شديد الخصوصية أصبح فجأة جزءاً من حوار أوسع بكثير حول الذاكرة والفقدان والأماكن التي نتركها خلفنا.

image
image
image

المشروع: طقوس العبور

— انتهى بك هذا الاهتمام بالذاكرة الجمعية إلى النحّات المصري فتحي محمود. كيف اكتشفت أعماله؟

— بطريقة غير متوقعة تماماً، عبر فنجان خزف ضمن مجموعة والدتي. لاحظت أنه يحمل توقيع فتحي محمود، فأثار ذلك فضولي فوراً. كنت أعرفه بوصفه نحّاتاً يقف وراء كثير من المنحوتات العامة الضخمة في القاهرة والإسكندرية، فكيف وجد توقيعه طريقه إلى قطعة أُنتجت في مصنع للخزف؟

بدأت أسأل الزملاء عمّا إذا كان يمكن أن يكون الفنان نفسه. وتبيّن أنه هو بالفعل، لكن لم يبدُ أن أحداً يعرف الكثير عن الصلة بين منحوتاته الضخمة وهذه القطع اليومية. كان ذلك اللغز الصغير كافياً ليدفعني إلى مسار جديد تماماً.

ما بدأ بفنجان واحد تحوّل إلى بحث امتد قرابة خمس سنوات. لم يجذبني محمود كفنان فحسب، بل كشخصية أتاحت لي استكشاف العلاقة بين الفن والتصميم والصناعة، ولا سيما في مصر خلال أربعينيات وخمسينيات القرن الماضي. فتحت أعماله أسئلة حول التصنيع والقومية، وحول الكيفية التي كانت تتشكّل بها الهوية الثقافية للبلاد في تلك المرحلة.

لكن مع مرور الوقت، أصبح البحث أمراً أكثر حميمية بالنسبة إليّ. وجدت نفسي أدخل في حوارات متخيلة مع محمود، أطرح عليه الأسئلة وأحاول فهم قراراته. صار بالنسبة إليّ أشبه بمرشد، وبصورة أب، بل وحتى بنوع من علاقة حب مع شخص لم ألتقه قط، إن صحّ التعبير. وأجد في ذلك جمالاً خاصاً: أن تبدأ هذه العلاقة كلها بفنجان احتفظت به والدتي. وحتى حين يتجه عملي نحو أسئلة أوسع عن التاريخ والتراث، تبقى هي، بطريقة ما، في قلبه.

هناك أيضاً جانب في فلسفة محمود بقي عالقاً في ذهني. كان لديه هذا الشعار الرائع: الفن للملايين، وأظن أن هذا بالضبط ما أطمح إلى تحقيقه. أريد أن أقدّم عملاً متعدد الطبقات وغنياً من الناحية المفاهيمية، لكنه يظل قادراً على مخاطبة الناس خارج عالم الفن. بالنسبة إليّ، ثمة سحر حقيقي في الوصول إلى جمهور أوسع، بدلاً من إنتاج الفن حصراً لسوق الفن.

image

المشروع: فنجان شاي مع فتحي محمود

— معرضكِ الفردي الأخير، البحر المُفسِد، وُلد أيضاً من شغفكِ بفتحي محمود. كيف بدأ هذا المشروع؟

— في الحقيقة هو مشروع طويل الأمد بدأ عام 2018، حين عثرت على ذلك الفنجان الخزفي ضمن مقتنيات والدتي. شدّني كيف امتد إرث محمود إلى ما هو أبعد بكثير من النحت الضخم؛ من الأعمال العامة المنتشرة في القاهرة إلى قطع البورسلين اليومية الموجودة في بيوت الناس. كانت لديه قدرة استثنائية على التنقّل بين الفن والتصميم والصناعة، وأردت أن أفهم تلك الصلة.

كانت المشكلة أن ما كُتب عنه قليل جداً. كان أرشيفه شبه غير متاح، وبقيت أعماله، على نحو مفاجئ، غير مدروسة بما يكفي. لذلك بدأت أبحث في كل مكان يخطر ببالي: مجموعات خاصة، أرشيفات رسمية، صحف قديمة، محاوِلةً تجميع خيوط حكايته.

في النهاية، تواصلت مع عائلته التي واصلت إرثه عبر مصنع البورسلين. كان محمود قد رحل في منتصف الثمانينيات، لكن المشروع نما ليصبح واحداً من أكبر المصنّعين في مجاله في الشرق الأوسط، مع تصدير منتجاته إلى الخارج. أدهشني كيف بقيت رؤيته الأصلية حية وتطورت عبر الأجيال.

في البداية، لم تكن عائلته متحمسة كثيراً لبحثي. أظن أنهم اعتبروني امرأة مجنونة قليلاً ومهووسة بقريبهم. ظللت أطلب زيارة المصنع، والاطلاع على الأرشيفات، وسماع قصصهم، لكنهم رفضوا طوال أربع سنوات.

لذلك وجدت طريقة أخرى لمواصلة الحوار. جلست أمام حاسوبي وبدأت أكتب رسائل متخيّلة إلى محمود، أنسج فيها تجاربي الشخصية مع شذرات من سيرته وأسئلة عن إرثه المنسي. ومن خلال هذه الرسائل، استطعت أيضاً أن أستكشف تاريخ التصنيع في مصر، والنزعة الوطنية، والمناخ السياسي في عهد عبد الناصر.

في النهاية كتبت ثلاث عشرة رسالة. تحولت إلى كتاب نشرناه في فبراير 2023 بالتزامن مع معرضي أن تُرمّم يعني أن تُحطّم في غاليري جيبسوم. صممناه على هيئة علبة معدنية صغيرة، تكاد تشبه علبة شوكولاتة، تضم الكتاب والمواد المرافقة له.

لم أكن قد كتبت كتاباً من قبل، وبالتأكيد لم أكن أعدّ نفسي كاتبة، لذلك كانت التجربة كلها تحدياً حقيقياً. لكنني ما زلت أذكر لحظة إمساكي بالنسخة الأولى المكتملة. كانت لحظة استثنائية جداً، خصوصاً وأنا أعرف أن المشروع بأكمله بدأ بفنجان واحد من مجموعة والدتي.

— هل تقبّلت عائلته المشروع في النهاية؟

— نعم، وبأجمل طريقة ممكنة! في معرضي أن تُرمّم يعني أن تُحطّم في غاليري جيبسوم، أنجزت عشر جداريات صغيرة من الفسيفساء، أعدت فيها قراءة نصب محمود العامة إلى جانب صور من أرشيف عائلتي. وكانت تلك أيضاً بداية عملي بالفسيفساء، كأنها امتداد بصري للرسائل المتخيّلة الثلاث عشرة التي كتبتها إليه.

دعوت عائلته إلى الافتتاح، ولدهشتي حضروا. وصل أحد أفراد العائلة مبكراً جداً، وانتهى به الأمر إلى اقتناء جدارية كبيرة، وهي اليوم مثبتة على واجهة مصنعهم في الإسكندرية. وقد تأثر بالكتاب كثيراً أيضاً، وفجأة، بعد أربع سنوات من محاولاتي للوصول إليهم، حدث التواصل بيننا.

ولا أقصد التواصل المهني فقط. أصبحنا أشبه بعائلة. بدأت أزور منزلهم، وأتناول العشاء معهم، وأستمع إلى حكايات لم يكن يمكنني العثور عليها في أي أرشيف. كان الأمر ساحراً بحق.

ومع بدء الشركة افتتاح متاجر في مراكز التسوق المصرية الكبرى، كلفوني بتصميم ثلاثة منها. لذلك بات بإمكانك اليوم أن تدخل متجراً يحمل اسم فتحي محمود، لتجد قراءاتي المعاصرة للرموز الوطنية في جدارياته مدمجة في فضاء المكان.

image

الصورة: To Mend Is To Shatter

image

الصورة: To Mend Is To Shatter

— إذن، لنعد إلى The Corrupting Sea، كيف قادتك سنوات البحث في عالم محمود في النهاية إلى هذا المعرض تحديدًا في إسطنبول؟

— بدأت القصة في الواقع بدعوة من Ferda Art Platform، وهي صالة عرض حديثة العهد نسبيًا في إسطنبول.

كنت أرغب في ابتكار عمل خاص يرتبط بالمكان نفسه. لذلك بدأت البحث في تاريخ إنتاج الخزف في تركيا، ولا سيما حرفيي إزنيق، وفي الروابط التي جمعت مجتمعات مختلفة عبر حوض المتوسط.

على مدى قرون، تنقلت قطع البورسلين والخزف وغيرها من المقتنيات بين تركيا ومصر واليونان وسوريا وما وراءها. لكن ما شدّني لم يكن القطع بحد ذاتها فحسب؛ أردت أن أفهم من صنعوها، والتقنيات التي حملوها معهم، وكيف تبدلت تلك التقاليد وهي تنتقل من مكان إلى آخر.

استوقفني على نحو خاص تاريخ التزجيج الأحمر في إزنيق. وقد قادني ذلك إلى صلة غير متوقعة بين الخزف والسياسة والبيئة. خلال العصر الجليدي الصغير، أثّرت الظروف المتغيرة في الصناعات المحلية، فتحول بعض الحرفيين نحو إنتاج المنسوجات، فيما تلاشت بعض تقاليد الخزف تدريجيًا.

بعد ذلك بدأت أتأمل الرسامين أنفسهم عن قرب. صادفت روايات عن حرفيين كانوا يلحسون أطراف فرشهم لتصبح دقيقة بما يكفي لرسم تلك الزهور المتناهية الرهافة. وجدْتُ هذه التفصيلة آسرة. نحن نتأمل هذه القطع الجميلة في المتاحف، لكن كم مرة نفكر في الأيدي التي صنعتها، أو في الظروف التي عمل فيها أولئك الناس؟

حتى تلك اللحظة، كان جانب كبير من بحثي منصبًا على التواريخ السياسية والصناعية المحيطة بفتحي محمود. لكنني أدركت أنني لم أستكشف حقًا العمل الكامن وراء القطع نفسها. بدأ اهتمامي يتجه إلى كيفية تنقل رسامي الخزف والحرفيين عبر المتوسط، حاملين معارفهم إلى أماكن مختلفة ومؤثرين في تقاليد اليونان ومصر وسوريا وغيرها.

ومن هنا عدت إلى اللون الأحمر. أخذ اللون وتاريخه وصلته بإنتاج الخزف يستحوذ على تفكيري. وفي النهاية، اتخذ المعرض لوحة لونية يغلب عليها الأحمر أحادي النبرة، فجمعت تلك القصص المتعددة في مسار واحد.

لكن أمرًا آخر حدث خلال هذه العملية. للمرة الأولى، شعرت بالقدرة على تجاوز إعادة التأويل المباشر لجداريات محمود وتصاميمه. بالطبع، لا يزال محمود حاضرًا. فالبورسلين الذي صنعه وإرثه يظلان جزءًا من العمل، كما لو أننا لا نزال نتعاون. لكنني أشعر أنني بدأت أبلور لغتي البصرية الخاصة انطلاقًا من هذه التواريخ كلها، بدل أن أكتفي بالاستجابة لتاريخه وحده.

image

المشروع: The Corrupting Sea

image

مشروع: البحر المُفسِد

— ثمة مشروع أخير أودّ التوقف عنده هو الذهب الأحمر. تبدو الطماطم موضوعًا غير متوقع لمشروع فني. كيف بدأت الحكاية؟

— في الواقع، بدأت الحكاية مع والدتي. حين كانت تخضع لعلاج السرطان، أصبحنا شديدي الانتباه إلى ما تتناوله، ولا سيما مع تزايد شعبية المنتجات العضوية في مصر آنذاك.

دفعني ذلك إلى التساؤل عن مصدر طعامنا. وانصبّ اهتمامي تحديدًا على صناعة الطماطم في مصر.

بدأت أبحث في السياسات الزراعية، والبذور، والأصناف الهجينة، إلى أن أنجزت هذه المنحوتات الضخمة على هيئة طماطم. كانت تبدو جميلة من الخارج، لكنها كانت جوفاء تمامًا، ومصنوعة من مواد صناعية مثل الشمع والبوليستر والراتنج.

كان ذلك في الحقيقة أول مشروع تركيبي أنجزته، وقد طوّرته بعد عودتي من دراسة فنون التركيب متعددة الوسائط في فرنسا عام 2012. لكن ممارستي الفنية اتجهت بعد ذلك نحو موضوعات أخرى، ولا سيما مجموعة والدتي، فتركت مشروع الطماطم جانبًا لما يقارب عشر سنوات.

image

المشروع: مزارع المستقبل

— ما الذي أعادك إلى الطماطم بعد كل تلك السنوات؟

— الطماطم المجففة بالشمس! اكتشفت هذه الصناعة الآخذة في النمو في جنوب مصر، وشدّتني تفاصيل العملية بأكملها. تصل البذور من الخارج، وتُزرع الطماطم وتُعالَج محلياً، ثم يُصدَّر المنتج النهائي مرة أخرى.

قضيت نحو عامين أتردد على الأقصر، وألتقي بالمزارعين وأبحث في هذه الصناعة. أكثر ما أثار اهتمامي هو كيف يمكن لشيء عادي مثل الطماطم أن يكشف الكثير عن العمالة والتجارة الدولية والسياسات الزراعية.

ثم دُعيت إلى تقديم المشروع في Mattress Factory في بيتسبرغ. وأثناء بحثي، اكتشفت صلات هذه الصناعة ببرامج التنمية التابعة للولايات المتحدة. وبينما كنت أعمل على التجهيز الفني، توقفت المساعدات الأميركية فجأة.

كانت تلك نقطة تحوّل. عدت للتحدث مع المزارعين وفهم ما تغيّر. وفجأة، لم تعد هشاشة هذه الصناعة مجرد موضوع أدرسه؛ بل صرت أشاهدها وهي تتكشف أمامي.

image
image
image

المشاريع: الذهب الأحمر والأبيض؛ الذهب الأحمر

— وكيف حوّلتِ كل ذلك البحث إلى عمل تركيبي؟

— في البداية، كنت أتخيل أن أعود إلى العمل بالبوليستر، لكنني قررت استخدام الملح بدلاً منه. أنشأت داخل المتحف بنية تشبه البيت الزجاجي، مستخدمةً نحو 250 بلاطة ملحية مصبوبة. استغرق صنعها شهراً ونصف الشهر!

ظل العمل التركيبي معروضاً لمدة عام، وكان الملح يذوب تدريجياً. أحببت تلك الهشاشة لأنها عكست حالة عدم اليقين التي يواجهها المزارعون، ولا سيما النساء العاملات في هذا القطاع، إذ تعتمد أرزاقهن على السياسات الزراعية والتمويل الدولي.

بصرياً، ذكّرتني الألواح أيضاً بشظايا من معبد مصري قديم. استلهمت العمل من الحديقة النباتية في الكرنك، حيث صُوّرت نباتات غريبة على الجدران. وجدت في هذا الرابط جمالاً خاصاً، فحتى الطماطم نفسها كانت في وقت ما محصولاً غير مألوف في مصر.

كما أنجزت منشوراً بعنوان «الذهب الأحمر والأبيض»، مستلهماً من تقارير زراعية ووثائق تجارية تعود إلى سبعينيات القرن الماضي. جاء المنشور داخل عبوة مفرّغة من الهواء، وفيها ثمرة طماطم صغيرة من الراتنج مرسومة يدوياً.

— تحدثنا عن مشاريع كثيرة، يفتح كل منها فصلاً جديداً من حياتك وبحثك. فما القصة التالية التي ترغبين في استكشافها؟

— أريد العودة إلى تاريخ فندق أوبروي في العريش، حيث كان يعمل والدي، واستكشاف حيوات الأشخاص الذين صنعوا ذلك المكان كما كان. لا يزال المشروع في مراحله الأولى، ولا أخطط لمعرض بعد. لكنني مهتمة خصوصاً بالحياة المهنية لوالدي، وبتاريخ الفندق، وبالحكاية الأوسع للعريش منذ سبعينيات القرن الماضي فصاعداً.

إنه موضوع بالغ الحساسية بسبب موقع المدينة في شمال سيناء، قرب غزة، وبسبب كل ما يحدث في المنطقة اليوم. أشعر أن ذلك يجعل حفظ ذاكرتها أكثر أهمية.

كبرت وأنا محاطة بأناس وحكايات كثيرة ومختلفة في ذلك الفندق، والآن أريد أن أفهم ما الذي حدث لذلك العالم، وما الذي بقي منه، وما الذي قد يختفي إذا لم يأخذ أحد الوقت لتوثيقه. لذلك ربما أعود، بطريقة ما، إلى المكان الذي بدأ فيه كل شيء.