image

by Barbara Yakimchuk

هل التفاؤل هو الحل دائماً؟

Photo: Hyewon Hwang

كان والدي يردد عليّ دائماً شيئاً واحداً: إذا أردت أن تكون شخصاً سعيداً، فما عليك إلا أن تختار السعادة.

لفترة طويلة، نجح هذا النهج معي فعلاً. حاولت أن أركز على الجوانب المضيئة، وأن أتعامل مع الحياة بشيء من التسليم للقدر — فإذا لم يحدث أمرٌ ما، فربما لم يكن مقدّراً له أن يحدث. وبصراحة، كان ذلك ينجح… على الأقل حين كانت الحياة هادئة، وكانت الأمور تسير على ما يرام.

لكن للأسف بدأت هذه الاستراتيجية تتعثر عندما واجهت الحياة أزمة حقيقية. عندها أدركت أن شيئاً ما قد تغيّر. شعرت بأن عليّ أن أكون سعيدة، لكنني لم أكن كذلك. واعتقدت أنني يجب أن أمتلك طاقة، لكنها لم تكن موجودة لسبب ما. وفجأة، لم تعد فكرة أنك تستطيع ببساطة «اختيار السعادة» تبدو خفيفة أو مُحفِّزة — بل بدأت تبدو ثقيلة.

لكن هذه ليست في الحقيقة قصة عني. إنها عن أمر أكثر شمولاً يمرّ به كثيرون منا. لذا يبقى السؤال الحقيقي: هل تنجح هذه الاستراتيجية القائمة على التفاؤل فعلاً — وإلى أي مدى تصمد عندما تصبح الحياة صعبة؟

image

الصورة: Sara Canonici

فكرة التفاؤل: لماذا يقدّره الناس

تتمتع فكرة التفاؤل بقوة لافتة في مجتمع اليوم.

والسبب بسيط: فالأشخاص المتفائلون يميلون إلى الإنتاجية. إنهم يتعاملون مع المهام لا بوصفها مشكلات مستعصية، بل من زاوية «يمكن إنجاز هذا». يحافظون على حماسهم، ولا يستغرقون طويلاً في الإحباط، ويواصلون التقدّم نحو أهدافهم — غالباً بخفة تجعل كل شيء يبدو أسهل قليلاً. وهناك جانب عملي جداً أيضاً: فالعمل مع شخص لا يشتكي باستمرار، بل يبادر ويشع طاقة إيجابية، يمكن أن يضفي على الأجواء كلها قدراً من الخفة.

وسبب آخر يجعل التفاؤل موضع تشجيع متكرر هو ارتباطه بالصحة النفسية. إذ تشير مجموعة كبيرة من الأبحاث النفسية إلى أن أصحاب النظرة الأكثر إيجابية أقل عرضة للمعاناة من قلق أو اكتئاب طويلَي الأمد بعد الأحداث المجهِدة. كما يرتبط التفاؤل ارتباطاً وثيقاً بما يسميه علماء النفس «المرونة النفسية» — أي القدرة على التكيّف مع الظروف الصعبة والتعافي من العثرات.

بل إن بعض الدراسات تذهب إلى أن التفاؤل قد يؤثر في الصحة الجسدية أيضاً، لا النفسية فحسب. فقد وجدت أبحاث نُشرت في Proceedings of the National Academy of Sciences أن الأشخاص ذوي النظرة الأكثر تفاؤلاً يميلون إلى العيش مدة أطول مقارنةً بمن يغلب عليهم التشاؤم.

لعل التفاؤل، إذن، يشبه معادلة سرّية — شيئاً يعود بالنفع على المجتمع، ويدعم الإنتاجية، ويبدو مفيداً للأفراد أيضاً. لكن إذا كان التفاؤل بهذه القيمة، فلماذا نشكّك فيه أصلاً؟

image

الصورة: Nathan Dumlao

الجانب المظلم للتفاؤل

لفترة طويلة، اعتقد علماء النفس أن التفاؤل مفيد على نحو شبه مطلق. لكن خلال العقدين الماضيين، بدأنا نرى صورة أكثر تعقيداً. وهنا يدخل إلى النقاش مفهومان مهمان.

أولهما ما يُعرف بـانحياز التفاؤل — وهو الميل إلى الاعتقاد بأن الأحداث السلبية أقل احتمالاً لأن تحدث لنا مقارنة بغيرنا. وبعبارة أخرى، يكاد الدماغ يكون مبرمجاً على توقّع نتائج إيجابية، حتى عندما تشير الأدلة إلى عكس ذلك.

هنا تحديداً يمكن لقوة التفاؤل أن تتحول إلى نقطة ضعف. فالعقلية نفسها التي تساعد الناس على الحفاظ على الدافعية وحل المشكلات قد تؤدي، إذا تمادت، إلى التقليل من المخاطر وافتراض أن الأمور ستسير على ما يرام لمجرد أننا نأمل ذلك.

أما الفكرة الثانية فهي الإيجابية السامة، وهنا يصبح الحديث أكثر إثارة للاهتمام. يصف هذا المصطلح مواقف يتحول فيها التفكير الإيجابي إلى ضغط — أي توقّع أن يظل الناس مبتهجين مهما كانت الظروف.

وبصراحة، أستطيع أن أتحدث هنا من واقع تجربة شخصية: قد يكون هذا الشعور مدمّراً.

ما يجعل الإيجابية السامة صعبة إلى هذا الحد أنها غالباً ما تظهر في لحظات تكون فيها الإيجابية تحديداً هي ما لا يستطيع الشخص أن يشعر به بصدق. في تلك المواقف، قد تخلق إحساساً غريباً بالفشل — كأن الجميع يتعاملون مع الأمر على نحو مثالي وأنتِ وحدكِ من تكافحين. تبدأين بالشعور بالذنب لأنك تشتكين، أو لأنك تشعرين بالضياع أو بالألم، أو حتى لأنك خائفة. ومع الإحباط يأتي خذلان الذات.

ومع أن وسائل التواصل الاجتماعي كثيراً ما تعزّز هذه السردية المتفائلة — «واصلي المضي قدماً، كوني إيجابية، وكل شيء سينتهي إلى خير» — قد تبدأ الإيجابية في أن تبدو أقل دعماً وأكثر ضغطاً.

«حين تصبح الإيجابية توقعاً، قد تجعل من دون قصد الأشخاص الذين يمرّون بصعوبات يشعرون بالعزلة. فإذا كان أحدهم قلقاً أو متوتراً، فإن الرسائل المتكررة التي تطالبه بـ“البقاء إيجابياً” قد تجعله يشعر وكأن ردود فعله خاطئة بطريقة ما. ومن منظور علم النفس، يُعدّ الاعتراف بالمشاعر والتحقق منها أكثر دعماً بكثير. فالناس يتعاملون بشكل أفضل عندما يشعرون بأن تجاربهم مُعترف بها، لا مُهمّشة.» — الدكتورة جين هالسال، أخصائية نفسية معتمدة في الإرشاد النفسي في Cornerstone Clinic Dubai

إن كبت المشاعر بهدف «الحفاظ على الإيجابية» قد يزيد التوتر والقلق سوءاً، ويرفع مستوى الضيق النفسي. وهذا ليس مجرد أمر يلمّح إليه علماء النفس على استحياء أو مروراً — بل إن كثيرين منهم يقولونه بوضوح تام.

image

الصورة: Lia Bekyan

كيف نعثر على التوازن؟

حسناً، الإيجابية السامة مؤذية. لكن كيف نضمن أننا، ونحن نحاول الابتعاد عن الإيجابية السامة، لا ننزلق في المقابل إلى تشاؤم دائم؟ وما الذهنية الأكثر صحةً التي يمكن تبنّيها حين يبدو المستقبل غير مؤكد؟ لعلّ أفضل إجابة تأتي من علماء النفس.

"الذهنية الأكثر صحة هي التقبّل. أي إتاحة مساحة للمشاعر الصعبة — الإحباط، الخوف، عدم اليقين — مع الحفاظ في الوقت نفسه على الروتين والعلاقات والإحساس بالغاية. ركّزي على الأمور التي تستطيعين التحكم بها. ولا ينبغي للناس أن يحاولوا إجبار أنفسهم بوعي على التفاؤل." — الدكتورة جين هالسال

المرونة ليست أن تتظاهري بأن كل شيء على ما يرام. بل هي أن تدركي أن المشاعر الصعبة أمر طبيعي، وأن تتعلمي كيف تمضين قدماً معها لا ضدها.

المهمة الحقيقية هي إيجاد توازن: أن تستفيدي من التفاؤل حين يكون مفيداً — في المواقف الصغيرة، وإحباطات الحياة اليومية، وخيبات الأمل المؤقتة — مع منح نفسك في الوقت نفسه مساحة للاعتراف بأن العالم قد لا يبدو بخير ببساطة.